برامج المعونة الدولية لفلسطين بعد كوفيد - 19

04 نوفمبر 2020
الصورة

فلسطيني يحتمي من كورونا ويجلس قرب متجر مغلق وسط الخليل (2/7/2020/ فرانس برس)

+ الخط -

أنفقَ المانحون الدوليون منذ توقيع اتفاق أوسلو الأول في العام 1993 ما يزيد عن 40 مليار دولار أميركي مساعدات خارجية مقدمة للفلسطينيين القاطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة. وما انفك هذا الرقم يزداد، حتى سئمنا الإشارةَ إلى ازدياده في مقالاتنا وتقاريرنا، ولكن لم تكن باليد حيلة، لأن الزيادة تُبرز بوضوح فشلَ نموذج التنمية الذي يقوده المانحون الغربيون، واحتضارَ "عملية السلام" التي كان من المفترض أن يدعمها، والنسب الكبيرة من أموال المعونة التي انتهى بها المطاف داخل الاقتصاد الإسرائيلي.

وقد أمسى الفلسطينيون من أكثر الشعوبِ حصولًا على المساعدات غير العسكرية في العالم، بناءً على المعدل لكل فرد، إلا أنها تظل أقل بكثير من مبلغ المساعدات الإجمالي الذي يتلقاه الإسرائيليون. وعلى الرغم من ضخامة هذا التمويل، إلا أن السلام والتنمية لا يزالان بعيدي المنال، حيث أخفقت المعونة في تحقيق التقدّم على صعيد ثلاثة أهداف رئيسية حددتها لنفسها: تحقيق السلام الدائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بناء المؤسسات الفلسطينية الديمقراطية المساءَلة والفعالة، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.

المساعدات والتنمية والتراجع

يُضطر الفلسطينيون إلى العيش في متناقضة المعونة - التنمية، فعلى الرغم من المبالغ الطائلة الداخلة في اقتصاد الأرض الفلسطينية المحتلة كمساعدات أجنبية، ظلت مؤشرات الاقتصاد الفلسطيني والتنمية البشرية في انحدار مستمر، مقترنٍ بتفريغ الاقتصاد الفلسطيني وعكس عجلة التنمية فيه. ويدلُّ على ذلك تراجع مساهمة قطاع التصنيع الفلسطيني في الناتج المحلي الإجمالي بين 1994 و2018 من 20% إلى 11%، وتراجع مساهمة قطاع الزراعة وصيد الأسماك من 12% إلى أقل من 3%. وحَدا هذا الوضع بالفلسطينيين إلى الاعتماد على المساعدات الدولية في دفع أثمان البضائع المستوردة الداخلة عبر إسرائيل إلى اقتصاد الأرض الفلسطينية المحتلة، المتراجع تنمويًا، وفي تمويل البرامج الاجتماعية المهمة، مثل خدمات وكالة الغوث (أونروا) لملايين اللاجئين الفلسطينيين، والنمو الاقتصادي (وهو عمومًا نمو غير مستدام يحرِّكه قطاع الخدمات).

ارتفع معدل البطالة إلى مستوى الكساد في الأرض الفلسطينية المحتلة من 31% في 2018 إلى 33% في 2019

ومع كل سنة تمضي، تتضاءل فرص تحقق الدولة الفلسطينية، ذلك الوعد الذي أغرى منظمة التحرير الفلسطينية بدخول عملية السلام قبل عقود. وعلى سبيل المثال، وصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بسبب الاستعمار الإسرائيلي الحثيث، إبّان عملية السلام، إلى 620.000 مستوطن موزّعين على أكثر من مائتي مستوطنة. وهذه المستوطنات تُشرِّد الفلسطينيين من أرضهم لتوطِّن الإسرائيليين مكانهم، وهي ممارسةٌ غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وبحلول العام 2019، أي بعد مرور 26 سنة على تدشين برنامج معونة المانحين، خلُصَ مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إلى أن أُفق الاقتصاد الفلسطيني قاتم، لأن المصادر التي كانت تساهم باستدامة النمو الاقتصادي، وخصوصا المساعدات الدولية، أخذت تتلاشى (انخفضت نسبة الدعم المتأتية من ميزانية المانحين إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2019 بعدما بلغت في أوجها 32% في 2008). ويتسارع هذا الانخفاض بسبب جائحة كوفيد - 19، حيث كان أداء الاقتصاد الفلسطيني ضعيفًا حتى قبل ظهور الجائحة، وكانت الظروف العامة غير مواتية، لأن "القاعدة الإنتاجية ضعفت بسبب تكرّر الأعمال العدائية، والتشظي الجغرافي والاقتصادي، والتأخر التكنولوجي، والقيود المفروضة على استيراد المدخلات والتكنولوجيات، وفقدان الأراضي والموارد الطبيعية، والتوسع الاستيطاني، وتسرّب الموارد الضريبية، ووصول اقتصاد قطاع غزة إلى حافة الانهيار".

وعلاوةً على ذلك، "ارتفع معدل البطالة إلى مستوى الكساد في الأرض الفلسطينية المحتلة من 31% في 2018 إلى 33% في 2019. وارتفع معدل الفقر من 25.8% في 2011 إلى 29.2% في 2017، ولا يزال في ازدياد منذ ذلك الحين". والحالة أسوأ في غزة، حيث حولتها إسرائيل إلى سجن مفتوح، بُعيد قرارها بتفكيك مستوطناتها هناك في 2005. وبات 80% من سكان القطاع معتمدين على المساعدات الدولية المتذبذبة، ويفتقرون إلى الأمن الغذائي، وموارد العناية والرعاية الصحية، والكهرباء ومياه الشرب النظيفة. 

مع كل سنة تمضي، تتضاءل فرص تحقق الدولة الفلسطينية، ذلك الوعد الذي أغرى منظمة التحرير بدخول عملية السلام قبل عقود

وتفيد تقديرات عديدة حول كلفة الجائحة بأن الخسائر الاقتصادية تراوح بين 7 و35% من الناتج المحلي الإجمالي في الأرض الفلسطينية المحتلة. لا أحد يدري كيف ستكون تداعيات جائحة كوفيد - 19 على الجهات المانحة التي باتت تواجه عجزًا كبيرًا في موازناتها وأزمات اقتصادية في بلدانها. ويبدو أن فرصة الفلسطينيين ضئيلة في الخروج من أزمة الجائحة، من دون ضخ المساعدات في اقتصادهم المستَعمَر الأسير والمتراجع تنمويًا.

ولربما يرى المانحون بأنفسهم أن زيادة المساعدات هي الطريقة الوحيدة لضمان الاستقرار على المدى القصير، وتجنب اندلاع "النزاع بدافع اليأس". وهذا يشمل المانحين الراغبين في تعزيز "اتفاقات السلام" الموقعة أخيرا بين إسرائيل ودولتين خليجيتين، بمنح التمويل للفلسطينيين كجزء من "عوائد السلام." لذا، ثمّة احتمال مرجّح بأن يكون المانحون عاملًا مهمًا مرةً أخرى في العام 2021. ولكن ما الشكل الذي ستتخذه هذه المعونة؟

المساعدات الإنمائية بعد كوفيد - 19

بغض النظر عن حجم الموارد التي يلتزم المانحون بتقديمها، فإن من شبه المؤكد أن تستمر حزمة المساعدات في تقديم التمويل الإنمائي، بالنظر إلى تراجع اقتصاد الأرض الفلسطينية المحتلة إنمائيًا، فضلًا عن تقديم المساعدات الإنسانية الفورية لضمان استمرار اقتصاد الأرض الفلسطينية المحتلة، وقدرة مؤسساتها السياسية على الوفاء بمسؤولياتها. ويمكننا أن نستشفَّ شكل مساعدات المانحين المرتقبة بناءً على نموذج التمويل المتسِق المتبع منذ ثلاثة عقود، والعادات الدارجة، والنقاش الدائر حول المعونة المقدمة للفلسطينيين. يمكننا أيضًا أن نتوقع تصميم المساعدات بحيث تُغيث الفلسطينيين على المدى القصير، بينما تساهم على المدى البعيد في انحسار الأرض الفلسطينية والاستيلاء عليها وتجزئتها.

وبالنظر من زاوية تحليلية في مقاربات صُناع السياسات والباحثين إزاء التنمية الفلسطينية، يمكننا تصنيف النقاش الدائر حول المعونة الفلسطينية ضمن أربع مقاربات: الذرائعية، الذرائعية الانتقادية، الانتقادية، الاستعمارية الجديدة. وهذا يساعد في توضيح ما يمكن توقعه من هيكل المعونة الفلسطينية المستقبلية.

فرصة الفلسطينيين ضئيلة في الخروج من أزمة الجائحة، من دون ضخ المساعدات في اقتصادهم المستَعمَر الأسير والمتراجع تنمويًا

تطغى المقاربة الذرائعية على المقاربات الأخرى، وهي نيوليبرالية من المنظور الاقتصادي، ومُصمّمة بناءً على إجماع واشنطن، وترى ضرورة تقديم المعونة للفلسطينيين من خلال نهج تكنوقراطي من دون تسييس (على الرغم من أن كل المعونات المقدّمة في سياقات النزاع تكون سياسية بطبيعتها)، وترى أيضًا صحةَ الأُسس التي يقوم عليها إطار عمل أوسلو للاقتصاد والمعونة المطوّر في العام 1993، وضرورةَ استدامة هذا النموذج. وتفرض هذه المقاربة النموذجَ الذي تراه "مناسبًا" على الفلسطينيين، بينما يصفها دُعاتها زورًا بأنها مقاربةٌ موجهةٌ بقيادة المستفيدين منها. وتنزع إلى إخراج الاحتلال العسكري الإسرائيلي من سياقه، بحذفها المصطلحات الرئيسية التي تصف الاحتلال/ الاستعمار أو تلطيفها. وتتفادى عمومًا معارضةَ السياسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة. ويرفض أصحاب هذه المقاربة القولَ إن حكم إسرائيل الفلسطينيين استعماري بطبيعته، ويختارون التركيز على كلمة "النزاع"، كما لو كان بين طرفين متكافئين نسبيًا، ويلقون قدرًا غير متناسبٍ من اللوم على الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية حين تُخفق المساعدات في تحقيق أهدافها المتوخّاة. وعندما لا يلومون الفلسطينيين على فشل النموذج، فإنهم يلومون الأحداث السياسية الخارجية (مثل الانتفاضة الثانية)، ويقولون إن نموذج المعونة القائم لا يحتاج إلا إلى تطبيق أفضل. تضم الجهات الرئيسية التي تطبق هذه المقاربة في العادة الولايات المتحدة الأميركية وكندا وفي كثير من الأحيان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ولا تزال هذه المقاربة سائدة ومستخدمة في تقييم سياسات المعونة وتشكيلها منذ العام 1993.

المقاربة الثانية المتبعة في تقديم المعونة للأرض الفلسطينية المحتلة هي المقاربة الذرائعية الانتقادية. وبخلاف الذرائعيين، يقول أصحاب هذه المقاربة إن الاحتلال الإسرائيلي هو العقبة الكُبرى أمام السلام والتنمية، ويرون أن المعونةَ والسياسة لا ينفصمان. وعلى الرغم من أن هذه المقاربة أكثر انتقادًا لحكم إسرائيل باعتباره عاملًا حاسمًا في فشل نموذج المعونة الفلسطينية، وعملية سلام أوسلو عمومًا، إلا أنها تشاطر الذرائعيين إيمانَهم بقدرة السياسات الجيدة على إحداث التغيير الإيجابي. وأصحابها عمومًا مرتاحون للأخلاقيات النيوليبرالية التي يقوم عليها ذاك النموذج. وهم يدَّعون دعمَ تطوير مؤسسات فلسطينية ديمقراطية، ولكنهم لا يُحرّكون ساكنًا لمنع السلطة الفلسطينية من الانجرار وراء الحكم من خلال القرارات والمراسيم الرئاسية، ولا يضعون السياسات الإسرائيلية في سياقها الاستعماري الاستيطاني، وإنما يؤطّرون الحكمَ الإسرائيلي بوصفه احتلالا عسكريا قد يكون مؤقتًا بحكم طبيعته (حتى بعد 50 عامًا من الاحتلال وبناء المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة). وفي حين يستخدمون لغةً أدق في انتقاد السياسات الإسرائيلية مباشرةً، إلا أنهم لا يُقرنون القولَ بالفعل، كأن يمنعوا التمويل مثلًا عن إسرائيل أو يسحبوا المزايا التجارية منها لحَملها على التغيير. وهم يموِّلون الأجهزةَ الأمنية الفلسطينية لإدارة التنسيق الأمني مع إسرائيل في الضفة الغربية، ويستمرّون في دفع ثمن الخدمات الفلسطينية الذي ينبغي أن تدفعه إسرائيل، وينفقون المساعدات عمومًا على نحوٍ يقدّم الدعم المالي للوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة. ويتبنى هذه المقاربةَ في العادة المانحون الأوروبيون الذين يُنظر إليهم عادةً منفقا سخيا لا يفعل شيئًا جادّا لتحدّي الوضع الراهن سياسيًا. وتتبنّى فرق البنك الدولي وحتى صندوق النقد الدولي هذه المقاربة أحيانًا.

تطغى المقاربة الذرائعية على المقاربات الأخرى، وهي نيوليبرالية من المنظور الاقتصادي، وترى ضرورة تقديم المعونة للفلسطينيين من خلال نهج تكنوقراطي من دون تسييس

المقاربة الثالثة هي المقاربة الانتقادية. ويرى أصحابها أن سياسةَ المعونة خطابٌ تقني يُخفي سلطةً أو هيمنة بيروقراطية تستديم السيطرة على الفلسطينيين واحتوائهم، وأن هذه الحقيقة المخفية هي المقصد السياسي الحقيقي من عملية التنمية. ويعتقدون أن نموذج أوسلو للمعونة قد أمسى فعليًا جزءًا من الاحتلال الإسرائيلي، يُساهم في تعزيز الهيمنة الإسرائيلية من خلال تقويض التنمية الفلسطينية وترسيخ الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي ودفع جزء من كلفته. ويرى الانتقاديون أن التكامل الاقتصادي مع إسرائيل، الذي يروّجه الذرائعيون، يعود بالنفع على سلطة الاحتلال على حساب الاقتصاد المحتل. بل ذهب بعضهم إلى القول إن المعونة نفسها غدت أداةً "لمكافحة التمرّد"، إذ تُستَخدم في لجم تطلعات الفلسطينيين نحو تقرير المصير. ويمتلك أصحاب هذه المقاربة قاعدةً صلبة من الباحثين والناشطين، ولا سيما من الفلسطينيين، ولكنهم أقل تأثيرًا على صعيد السياسات (إنْ كان لهم تأثير أصلًا).

رغم المبالغ الطائلة الداخلة في اقتصاد الأرض المحتلة كمساعدات أجنبية، ظلت مؤشرات الاقتصاد الفلسطيني والتنمية البشرية في انحدار مستمر 

وأخيرًا، هناك مقاربة الاستعمارية الجديدة التي يرى أصحابها أن لمعونة الفلسطينيين أوجهًا ناجحة، وأن نموذج المعونة غير فاشل بالمرّة، وأن غايته "مكافحة الإرهاب" الذي يستهدف إسرائيل، ونزع "فتيل القلاقل" عند الفلسطينيين وتشجيع الرضوخ الفلسطيني السلمي للحكم الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط التي لطالما ظلت "الاضطرابات الفلسطينية" مصدرًا رئيسيًا لعدم استقرارها. ويعتقدون أن من متطلبات نجاح هذه المقاربة تطويرَ المؤسسات الفلسطينية المناسبة للحكم الذاتي، ولا سيما مؤسسات القطاع الأمني، وتلبيةَ الاحتياجات الإنسانية للحيلولة دون مزيد من اختلال الاستقرار. وهذه المقاربة مفروضةٌ صراحةً من أعلى إلى أسفل، وتَعدُّ المعونة أداةً اقتصادية لمقايضة الفلسطينيين على حقوقهم السياسية وقبول نتائج لا يريدونها. ويمكن اعتبارها أداةً ناجحة في "مكافحة التمرّد" في الأرض الفلسطينية المحتلة. لطالما روّجت هذا المنظور مؤسساتٌ بحثية وفكرية أميركية عديدة وأجهزةٌ أمنية مختلفة، وهو ينسجم في الغالب مع المواقف "غير المسيَّسة" التي يتبناها الذرائعيون، حيث يتبنى بعض المانحين (أي الولايات المتحدة الأميركية وكندا أحيانًا) المقاربتين، الذرائعية والاستعمارية الجديدة، في آن واحد، كخليط نيوليبرالي يدعم الاستعمار المستمر والضم من خلال تشييد المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة. ويتبنّى هذه المقاربةَ أيضًا المانحون الساعون إلى التهدئة من خلال الاحتواء، ويمكن أن تنضوي ضمن هؤلاء الدول العربية المانحة، التي تعي تمامًا السياق الحقيقي والتطلعات الفلسطينية. وقد مهَّد هذا المنظور الطريقَ أمام الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب لقطع المعونة عن الفلسطينيين، لحَملهم على الانضمام إلى خطة السلام من أجل الازدهار واتفاقات أبراهام.

وقت تغيير المسار قد حان

لا تبشر هذه المقاربات المرتقبة بالخير، فمن الواضح أن المعونةَ، مهما كبرت، لن تكون فعالة بالنسبة إلى الفلسطينيين أو السلام العادل والدائم إذا ما استمرّت في رفد الأطر الاقتصادية والسياسية المنحرفة والمشوهة. بل إن ضخ مزيد من الأموال يمكن أن يتسبب بضرر أكبر، إذا ما أُنفقت على تدخلات خاطئة، ولا سيما في إطار محور الذرائعية - الاستعمارية الجديدة. وبالمثل، سوف تظل الحلول التقنية وحدها، مهما بلغت جودتها على الورق، قاصرةً عن معالجة المشكلات الحقيقية التي يواجهها الفلسطينيون، ما لم تنبرِ للوقائع السياسية الرئيسية في "الصراع" ثم تتصدّى لها. وعلى سبيل القياس، لا يمكن أن يحدُث التعافي الاقتصادي في أي بلد يتجاهل جائحة كوفيد – 19، ويُحجم عن تحليلها والبحث عن طُرق لاحتواء الفيروس، غير أن الفلسطينيين مطالَبون فعليًا بما يعادل ذلك، إذ يُنتَظر منهم الانخراط في برامج إنمائية لا تعالج المشكلات الحقيقية التي تقضّ مضاجعهم.

ولذلك لا بد من تغير الفكر الإنمائي من فكرٍ يعدُّ التنمية مقاربةً تكنوقراطية غير سياسية ومحايدة إلى فِكر يدركُ هياكل القوة وعلاقات الهيمنة الاستعمارية، ويعيد صياغة العمليات الإنمائية لتكون جزءًا من النضال من أجل الحقوق الأساسية ومقاومة التشريد وتحقيق التحرر الحقيقي.