بايدن بين إيران وإسرائيل

15 نوفمبر 2020
الصورة

بايدن وأوباما في مدرسة في ميتشغان في الحملة الانتخابية (31/10/2020/Getty)

+ الخط -

تتابع حكومات دول العالم نتائج الانتخابات الأميركية باهتمام بالغ، من دون أن تخفي رغبتها برؤية أحد المرشحَين رئيسا في البيت الأبيض، لاعتقادها بأن هذا الخيار سيكون في صالحها، والدول العربية في قائمة هذه الدول، فأميركا منغمسة في مسائل المنطقة العربية حتى أنفها، وهناك تحالفاتٌ فوق الطاولة وتحتها، وتعاونٌ يمتد أو ينحسر بحسب اللون السياسي لساكن البيت الأبيض، وقد تكون بعض الدول العربية دفعت بالفعل إلى عقد معاهداتٍ واتفاقاتٍ معينة، ظنا منها بأن هذه السياسة قد تساعد مرشحا بعينه، وهي تتطلع إلى مزيدٍ من العمل معه في المستقبل. ولكن في النهاية لا بد من التعامل مع الواقع الذي أظهر أن دونالد ترامب لم يحظَ بعدد كاف من الأصوات تجعله قادرا على إدارة دفة السياسة الأميركية، وعليه تسليمها لشخص آخر، وعلى تلك الدول العربية التعامل معه في السنوات الأربع المقبلة، انطلاقا من النقطة التي تم التوقف فيها مع ترامب.

كان ترامب شديد الصرامة مع إيران، ويعود جانب من صرامته إلى التزامه بأمنه القومي، كما قال، وكذا مقدار التهديد الذي تشكله إيران في منطقة الخليج، الحيوية بالنسبة للولايات المتحدة، ففيها تحالفاتٌ عميقةٌ جرى إعادة بنائها على أسس جديدة، قد تكون هي ما جعلت أنظمة في الخليج تهرول بعلاقاتها التطبيعية مع إسرائيل، وتتهاون أخرى في الرد على استخدام إسرائيل مجالها الجوي لعدة أغراض. وفي جانب آخر كان تشدد ترامب مع إيران حمايةً لإسرائيل التي ترفع إنذار خطورة النظام الإيراني عليها إلى درجةٍ قصوى، وقد يكون موقف ترامب الصارم ضد النظام في سورية متعلقا، في واحدٍ من وجوهه، بمعاداته الشديدة لإيران. هذا هو الإرث الذي تركه ترامب، وعلى الورثة التعامل معه، إذ ليس بالإمكان الرجوع إلى الوراء، ولكن التقدّم يمكن أن يكون حذرا وبطيئا، فالأمر يتعلق بإدارة جديدة لديها قاعدة انتخابية تفضل وضعية الهدنة مع إيران، ولديها حذر من الانخراط العميق مع النظم العربية التي تحالف معها ترامب.

أظهر جو بايدن، خلال تاريخه السياسي، إعجابا بإسرائيل، وكان قد ترشح لمنصب الرئاسة مرتين في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية. وقد أبدى خلال حملته الانتخابية الماضية، وفي أكثر من مناسبة، التزامه بأمن إسرائيل. وتقليديا، يقدّم الديمقراطيون دعما مختلفا لإسرائيل. وبالتأكيد، لن يكون بايدن نشازا بتكوينه السياسي، وبالتزامه بسياسات الحزب الديمقراطي. وعليه أن يجد نقاط التقاء بين شكل علاقته التي يراها مستقبلا مع إيران وهذا الالتزام مع إسرائيل، خصوصا وقد أصبحتا طرفين يجذب كل منهما عددا من دول المنطقة بطرق مختلفة. ولكن على بايدن أن يستخدم شروط البدء التي وضعه فيها ترامب، فأميركا الآن خارج الاتفاق النووي، وتطبّق عقوبات إضافية على إيران طالب ترامب الأممَ المتحدة بعدم رفعها.

أما إيران، وهي دولة على الرغم من مظهرها الثيوقراطي، تتمتع بقدر كبير من البراغماتية، فيمكن أن تتمدّد أو تتقلص لتتخذ الوضع السياسي المتاح، فقد استطاعت خلال السنوات السابقة التكيف مع سياسات ترامب تجاهها. وعلى الرغم من خروجه المتحدّي من اتفاقه النووي معها، إلا أنها أبقت على التزامها بالاتفاق، واستطاعت أن تبقي دول أوروبا فيه، واستطاعت كذلك أن تلتف جزئيا على عقوبات ترامب، وتجد لها متنفسا هنا أو هناك. ويمكن ملاحظة تقلصها النسبي في سورية، وتراجعها في لبنان، لكنها قد تمارس اليوم مع بايدن اللعبة ذاتها التي مارستها مع باراك أوباما الذي فضّل أن يكون مهادنا إلى درجة الفشل الأميركي الذي أدّى إلى تمدّدها. قد لا يكون بايدن هو أوباما، لكننا بالتأكيد سنشهد علاقاتٍ من نوع جديد مع إيران، قد تكون أكثر حدّة من علاقات أوباما، ولكن حتما ستكون أكثر جدّية وواقعية من علاقات ترامب معها.