انبعاث الكربون .. أزمة اللاجئين

انبعاث الكربون .. أزمة اللاجئين

21 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

تصارع زعماء مائة وعشرين دولة في قمة المناخ (COP 26) للاتفاق على الحد من زيادة درجة حرارة الأرض، والوقوف عند الزيادة بمقدار 1.5 – 2 درجة... استمرّت القمة عدة أيام، ظهر فيها بعض زعماء العالم الديمقراطي وكأنّهم فرسانٌ، يمسكون شعار البيئة بوصفه هدفاً لا يمكن التنازل عنه! ثم انتهى المؤتمر، بعدما استهلك معظم وقته في اختيار الألفاظ والعبارات، لتصاغ بالدقة المطلوبة، لحماية بلد أو التغاضي عن آخر. وعلى الرغم من ذلك، لم يخرج معظم المشاركين راضين عنه، ولا عن المقرّرات التي أنتجها، فلم يشدّد ميثاقه على مساعدة الدول الفقيرة والمتضرّرة. وعارضت الصين والهند أيّ ذكر لأنواع الوقود الملوّثة، وحذف النص أيّ إشارة إلى التعويض عن الخسائر الناجمة عن تلويث المناخ، لكنّ ما شدّد عليه المؤتمر هو المزيد من الحوار... اجتماع هذا العدد من الدول، ومعظمهم بشخص رؤسائها أو رؤساء حكوماتها، يعكس "اهتماماً" ملحّاً بالمناخ، فيما يبدو أنّ العالم ليست لديه النظرة ذاتها إلى مأساة أخرى متجدّدة وقابلة للتفجر، وهي قضية اللاجئين، فقد أبدى أعضاء مؤتمر غلاسكو خرقاً في حوارات انبعاثات الكربون عام 2050، في حين كان آلاف من اللاجئين عالقين بين بولندا وبيلاروسيا، لا يعرفون ماذا يفعلون، وقد جيء بهم إلى الحدود، وتُركوا هناك بمواجهة رجال شرطةٍ يدفعونهم في الاتجاهين.
تلوح في الأفق بوادر أزمة لاجئين أخرى، كالتي شهدها العالم بين عامي 2015 و2016، عندما تدفق بحسب موقع منظمة العفو الدولية، أكثر من تسعة عشر مليون لاجئ إلى أماكن مختلفة من العالم، ووصل منهم إلى شواطئ القارّة الأوروبية حوالي مليون، جرى استيعابهم على عجل في أماكن مختلفة، تحلَّى بعضها بمواصفات إنسانية، فيما احتُجِز لاجئون في مستودعات أو تجمعات أو حتى جزر معزولة، وعلِق الباقون على أطراف القارّة الأوروبية، بموجب اتفاقيات أبرمها الاتحاد الأوروبي مع بعض دول الأطراف لمنع قدوم مزيد من المهاجرين. وعلى الرغم من العناوين الإنسانية التي صبغت أجواء تلك الفترة، فإنّ التعامل مع القضية كان شأناً سياسياً بالدرجة الأولى، وخاضت حكومات أوروبية انتخاباتها المحلية على أساس التعامل مع مسألة المهاجرين، وازدهرت أحزاب لم يكن لها شأن سابقاً على حساب المسألة ذاتها.
تعاطت الدول مع مسألة المهاجرين على أساس فردي، أو باعتبارها شأناً داخلياً، فأنشأت عدة دول أسواراً إسمنتية عالية على حدودها، ودعَّمت أخرى حرس حدودها، بالعدد والعتاد، بالإضافة إلى التشريعات الداخلية التي منعت الدخول العشوائي للبلاد، وقد كان التعاطي السياسي مع هذه المسألة منفصلاً عن المشكلات الأساسية للبلدان التي يأتي منها المهاجرون، حيث ما زالت كلّ بؤر التوتر التي هربوا منها تغلي، فقد تجاهل العالم المعارك في سورية واليمن وليبيا والعراق، فيما استوعب عدداً قليلاً من الهاربين من جحيمهم، أو شيَّدت دوله جدرانها الخاصة، أو هدّدت بتشييدها، كما يحدُث الآن في أزمة حدود بولندا مع بيلاروسيا، حيث ينتظر الآلاف، معظمهم من السوريين، مصيراً مجهولاً.
يتم الحديث عن استغلال الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، المهاجرين واستخدام وجودهم، سياسياً، إذ وظَّف شركات طيرانه وخارجيته لإغرائهم بالمجيء، ثم قادهم بواسطة جنوده نحو الحدود. يحدُث الهجوم على شخص لوكاشينكو، وإظهار الوحش الذي يمثله، من دون أن يتضمن ذلك تعاطفاً كافياً مع الضحايا، وهم المهاجرون الذين جرى شراؤهم وبيعهم عدة مرات وفي وضح النهار، وهي الطريقة ذاتها التي تمت معاملتهم بها ما بين العامين 2015 و2016، حين واجهت أوروبا أكثف موجة مهاجرين عرفتها منذ الحرب العالمية الثانية.
من المهم والضروري التعامل مع مشكلات المناخ والبيئة، وهي قضايا ملحّة وذات تأثير سيظهر قريباً، لكنّ معالجة قضية المهاجرين، والعمل على وقف موجاتهم، بحلّ أو معالجة المشكلات التي تعاني منها بلدانهم، في متناول اليد، وقد تكون القدرة على ذلك أسهل بكثير من حلّ مشكلات البيئة العويصة.