النكبة الفلسطينية ونحن

النكبة الفلسطينية ونحن

21 أكتوبر 2023

خيام أقامتها أونروا في خان يونس جنوب غزة لغزيين هاربين من شمال القطاع (19/10/2023/Getty)

+ الخط -

لمن لم يشاهد النكبة الفلسطينية قبل عام 1948 وخلالها وبعدها، بل قرأ عنها وشاهد وثائقيات متعلقةً بها، يجدها بأقسى صورها في أيامنا الحالية. كل ما مورس بحقّ الفلسطينيين من قتل وتهجير وظلم على يد الإسرائيليين يراه أمامه على شاشات كبيرة وهواتف صغيرة. فوارق بسيطة فصلت بين النكبتين، الأولى والحالية: إعلام منتشر، سلاح فتّاك أكثر دمويةً، دعم دولي لإسرائيل على صعيد الأنظمة الغربية، خصوصاً، فجّ إلى درجة لا يمكن احتمالها. من كان يعتقد أن اقتراح الترانسفير ـ التهجير القسري للفلسطينيين، يُمكن أن يُطرح للنقاش في حقبتنا هذه؟ لكنّه مقترحٌ وُضع على الطاولة، سواء بنقل الفلسطينيين إلى سيناء المصرية أو صحراء النقب الفلسطينية المحتلة. وهو ما حصل تماماً للفلسطينيين منذ أكثر من سبعة عقود.

مجازر أربعينيات القرن الماضي؟ تتكرّر في مستشفى المعمداني ومخيم جباليا وأحياء برمّتها في قطاع غزّة. الضرب ثم الشكوى؟ فعلها الإسرائيليون، لا في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، بل قبله وبعده، إن لم تتبدّل الأمور. الدعم الدولي؟ الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة تسابقا على الاعتراف بالدولة الإسرائيلية على أنقاض دولةٍ أخرى. واليوم تُبقي واشنطن على دعمها اللامحدود، بينما روسيا، وريثة السوفييت، تبحث عن مناكفةٍ مع الأميركيين، لا تعادي فيها الإسرائيليين ولا توالي فيها الفلسطينيون.

منطق الترانسفير خصوصاً ليس غريباً عن عالمنا، من سورية إلى العراق وإثيوبيا والهند وباكستان وغيرها عبر التاريخ، سواء بمنطق "الفرز الديمغرافي" أو في سياق "التخفيف من الأكثرية العددية لفئةٍ تُشكّل خطراً على الآخر". الأدهى أن العالم الذي تحوّل فقط إلى التسويق لفتح معبر رفح، رغم أهميته وضرورته القصوى، تناسى الإصرار على وقف إطلاق النار في غزّة، بل جعلها أمراً ثانوياً، وكأن للإسرائيلي الحقّ، في مكانٍ ما، في إبادة شعبٍ بحجّة "سحق حماس".

لنذهب خطوة إلى الأمام، ولنفترض أن الترانسفير نجح. من يُمكن أن يتصوّر كيف ستكون عليه الأوضاع بعد عشرة أعوام، أو 15 عاماً على الأكثر؟ ألن تنشأ انتفاضة أخرى، يقرّر فيها الفلسطينيون العودة إلى ديارهم؟ وحينها قد تكون إسرائيل لا تزال "تتعافى" من دمار غزّة، بحسب أدبيات عضو مجلسها الحربي بيني غانتس؟ أكثر من ذلك، من يقرّر أن الشعوب العربية التي تتابع العدوان الإسرائيلي على غزّة ستقبل بما يحصل للفلسطينيين؟ تحديداً أولئك الغاضبون من أنظمتهم القمعية؟ ألن يتحرّكوا في لحظة ما إلى رفض واقعٍ يسعى الإسرائيليون إلى فرضه بالقوة، بما قد يؤدّي إلى ضرب الأنظمة القمعية بحدّ ذاتها؟

المشكلة هنا أن الإسرائيلي يتمتّع بالكهرباء والمياه والطبابة في زمن استنفاره العسكري، بينما لا يتمتع الفلسطينيون بهذا كله، بل مُتهمون بأنهم شنّوا هجوماً على أبرياء، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي. والمشكلة الأكبر أن كل ليتر من المياه وكل واط كهرباء وكل حبّة دواء تصل إلى غزّة يتحكّم بها الإسرائيليون. ما هو المطلوب أكثر؟ إن كنت محقّاً لا أحد قادر على مواجهتك. والإسرائيلي هنا، بكل سلوكه العدواني، يُظهر أن الحقيقة ليست إلى جانبه، وأن ما يطرحه من معادلاتٍ ترمي إلى الإقرار بحقّه بارتكاب الجرائم، في مقابل "منح" فلسطينيي غزّة النزر اليسير من حاجاتهم الأساسية. كأنها روايةٌ سمجةٌ تكرّرت عبر التاريخ عند ديكتاتوريين اشتُهروا بالتعذيب والقسوة.

الأهم وسط هذه المذابح أن لا أحدً سيُحاكم من يقترفها، فلو حوسبت عصابات الهاغانا والبالماخ ثم الجيش الإسرائيلي وكل سياسي عامل الفلسطينيين وكأنهم أدنى من البشر، لما كان الاحتلال يقصف غزّة غير عابئٍ بالعالم. الأمر شبيه تماماً بمحاكمات نورنبرغ، فلو لم يُحاكَم النازيون، لكان كل من يجد نفسه متيّماً بالنازية مشروع مجرمٍ يستعد لإبادة البشر متى اعتلى السلطة. بعد 20 عاماً، حين يدرُس أطفال المستقبل حقيقة ما يحصل اليوم سينظرون إلينا ويقولون: ماذا فعلتم؟ أفٍّ، كم سنشبه الأنظمة العربية التي فشلت في دحر الإسرائيليين في عام 1948.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في الصحيفة الورقية لـ"العربي الجديد".