السياسة الخارجية لإدارة بايدن .. المقاربة الفكرية والملامح الرئيسة

18 نوفمبر 2020
الصورة

بايدن في مؤتمر صحفي في ولاية ديلاوير (16/11/2020 فرانس برس)

+ الخط -

مع حسم المرشح الديمقراطي، جوزيف بايدن، سباق انتخابات الرئاسة الأميركية، على الرغم من رفض المرشح الجمهوري، الرئيس دونالد ترامب، الاعتراف بالهزيمة حتى الآن، وتشكيكه في نتائجها، فإن "الرئيس المنتخب" سيجد نفسه يوم تنصيبه، في العشرين من كانون الثاني/ يناير 2021، أمام مهمة صعبة تتطلب إعادة بناء مكانة الولايات المتحدة واستعادة صدقيتها ونفوذها العالمي.
مقاربة بايدن للسياسة الخارجية وأولوياتها
قدّم بايدن الإطار العام لسياسته الخارجية في ورقة موسعة نشرها في مجلة فورين أفيرز في نيسان/ أبريل 2020، بعنوان: "لماذا يجب أن تقود أميركا مرة أخرى: إنقاذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد ترامب". وبحسبه، فإن الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تملك الإمكانات العسكرية والاقتصادية والمنظومة القيمية، فضلًا عن القدرة على حشد "العالم الحر"، لقيادة العالم. ولكن هذا يتطلب أولًا أن تستعيد صدقيتها ونفوذها بين خصومها وحلفائها على السواء. وتؤكّد مقاربة بايدن أن نهج ترامب الفوضوي وغير المنسجم في السياسة الخارجية، وفشله في دعم المبادئ الديمقراطية الأساسية حول العالم، قادا إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة، وقوّضا تحالفاتها الديمقراطية، وأضعفا قدرتها على الحشد لمواجهة هذه التحدّيات. واتهم ترامب بالتخلي عن الحلفاء وإظهار الضعف أمام الخصوم؛ ما أضرّ بقدرة الولايات المتحدة على مواجهة تحدّيات الأمن القومي إزاء كوريا الشمالية وإيران وسورية وأفغانستان وفنزويلا وغيرها. كما اتهمه بشن حروب تجارية غير حكيمة، ضد أصدقاء الولايات المتحدة وخصومها على حد سواء، على نحوٍ أضرَّ بمصالح الشعب الأميركي. ويرى أيضًا أن التحدّيات التي تواجه الولايات المتحدة والعالم، من تغير المناخ والهجرة الجماعية إلى التهديدات السيبرانية والأمراض المعدية، أصبحت أكثر تعقيدًا وإلحاحًا، وسيكون على الرئيس القادم إنقاذ السمعة الأميركية، وإعادة بناء الثقة بقيادتها، لمواجهة التحدّيات الجديدة في أسرع وقت.

يرى بايدن أن نهج ترامب أدى إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة، وقوّض تحالفاتها الديمقراطية، وأضعف قدرتها على الحشد لمواجهة التحدّيات

أما في سياق الدفاع عن المصالح الحيوية الأميركية، فعلى الرغم من أن بايدن يشدّد على أنه لن يتردّد في استخدام القوة العسكرية عند الضرورة لـ "حماية الشعب الأميركي"، فإن ذلك يجب أن يكون الملاذ الأخير، وليس الأول، "حيث تستخدم القوة للدفاع عن مصالحنا الحيوية فقط عندما يكون الهدف واضحًا وقابلًا للتحقيق، وبموافقة الشعب الأميركي". وبناء على ذلك، يؤكّد أن إدارته ستوقف الدعم "للحرب التي تقودها السعودية في اليمن"، لأنها لا تقع ضمن أولويات الولايات المتحدة.
ويرى بايدن ضرورة إنهاء "الحروب الأبدية" في أفغانستان والشرق الأوسط التي كلفت الولايات المتحدة دماءً وأموالًا كثيرة، والتركيز بدل ذلك على مهماتٍ عسكريةٍ محدّدة، بأعداد قليلة من القوات الخاصة، وبتقديم معلومات استخباراتية ودعم لوجيستي لقوات حليفة للتصدّي لخطرَي تنيظيمي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش). ويشدّد على أن الولايات المتحدة مطالبةٌ بأن تركز على مكافحة الإرهاب، ولكن المراوحة في صراعاتٍ لا يمكن كسبها يستنزف القدرة الأميركية على القيادة في قضايا أخرى تتطلب اهتمامها، ويمنعها من إعادة بناء أدوات القوة الأخرى. ويدعو إلى تعزيز الدبلوماسية بوصفها أداةً لقيادة الحلفاء، عبر مؤسسات دولية، وتحالفات، كحلف شمال الأطلسي (الناتو)، "وتعزيز التعاون مع الشركاء الديمقراطيين خارج أميركا الشمالية وأوروبا، والوصول إلى شركائنا في آسيا لتعزيز قدراتنا الجماعية ودمج أصدقائنا في أميركا اللاتينية وأفريقيا". ويرى أن الولايات المتحدة تحت إدارته ستعود إلى ممارسة دورها بوصفها قوة رائدة في إرساء قواعد العلاقات الدولية، وصياغة الاتفاقات، وتنشيط المؤسسات التي تضبط العلاقات بين الدول وتعزز الأمن الجماعي والازدهار.
ملامح متوقعة 
بناء على هذه المقاربة الفكرية، يتعهد بايدن بالعودة إلى الانخراط الفعال في الملفات الدولية المهمة، ولكن هذا يتطلب أولًا إصلاح العلاقة مع الحلفاء، وتحسين صورة الولايات المتحدة واستعادة "قوة النموذج" الذي تمثله. ومن ثمّ، ستعيد إدارته التشديد على أهمية حلف الناتو، ضمن مساعيها لاحتواء روسيا، مع الإصرار على ضرورة زياد أعضائه لإنفاقهم الدفاعي. كما ستعود واشنطن إلى الانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية اللتين انسحبت منهما إدارة ترامب. وستتبع إدارته نمطًا مختلفًا من العلاقات مع الأنظمة التي تصفها واشنطن بالاستبدادية، وهذا يشمل دولًا، مثل مصر والسعودية، وسيكون هناك تركيز من جديد على حقوق الإنسان والحريات. ولكن من غير الواضح إلى أي مدىً سوف تذهب في هذا المجال، وكيف ستوازن بين النقد والضغط في هذه المجالات والعلاقات الاستراتيجية مع الحلفاء؟ وهل ستكتفي بقلب سياسة ترامب، أم أنها ستستفيد أيضًا من أخطاء إدارة باراك أوباما؟ وسوف تعود الإدارة إلى التعامل مع ملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ضمن المقاربة التقليدية الأميركية القائمة على حل الدولتين. وسيلغي بايدن أيضًا قرار حظر سفر مواطني دول إسلامية إلى أميركا الذي وقّعه ترامب.
هناك أربعة ملفات رئيسة قد تطرأ تغييرات تجاهها أيضًا في سياسة الولايات المتحدة:
القضية الفلسطينية
لا يُخفي بايدن انحيازه المطلق لصالح إسرائيل، وينصّ الجزء الخاص في برنامج سياسته الخارجية صراحة على "التزام صارم بأمن إسرائيل". كما أن البرنامج الوطني للحزب الديمقراطي رفض وصف الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بـ "المحتلة"، على الرغم من أنه يتحدث عن حل الدولتين. ولكن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ستجد نفسها مع ذلك أمام مقاربةٍ مختلفةٍ عن التي اعتادت عليها في عهد ترامب. ويشمل ذلك العودة إلى السياسة التقليدية للولايات المتحدة التي تقوم على أن أي حل للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ينبغي أن يكون تفاوضيًا، ويقوم على معادلة "الأرض مقابل السلام"، وحل الدولتين.
وكانت إدارة ترامب عملت خلال السنوات الأربع الماضية على محاولة حسم قضايا الصراع المركزية، مثل القدس واللاجئين والسيادة والأرض والمستوطنات، لصالح إسرائيل، بفرضها أمرًا واقعًا من دون الحاجة إلى الدخول في مفاوضات مع الفلسطينيين. وعندما رفض الفلسطينيون، عاقبهم ترامب بقطع التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ثمّ أوقف المساعدات الإنسانية عنهم، وأغلق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وعمل على تهميشهم في سياق اتفاقات تطبيع عربية - إسرائيلية، تحت عنوان "اتفاق أبراهام".

سيعود بايدن إلى أن أي حل للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ينبغي أن يكون تفاوضيًا، ويقوم على معادلة "الأرض مقابل السلام"، وحل الدولتين

لن يعمل بايدن على إعادة السفارة الأميركية من القدس إلى تل أبيب، ولكنه سيعيد فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، لتعود إلى ممارسة دورها بوصفها قناةَ تواصل مع الفلسطينيين. كما أنه يعارض قرار ضمّ أراضٍ في الضفة الغربية وبناء مستوطنات جديدة أو توسيع القائمة منها من دون اتفاق مع الفلسطينيين. وسيعيد فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن. وفي الوقت نفسه، ربما يشجع على استمرار تعزيز العلاقات وتوسيعها بين إسرائيل ودول عربية قبل حل القضية الفلسطينية، ولكن ليس بحماس ترامب، ومن دون محاولة ابتزازها للقيام بذلك، كما حصل مع السودان، حيث كان التطبيع مع إسرائيل شرطًا لرفع اسم السودان عن قائمة الدول الراعية للإرهاب وإلغاء العقوبات المفروضة عليه. وفي كل الأحوال، لن يكون حل القضية الفلسطينية أولويةً بالنسبة إلى إدارة بايدن، خصوصًا في ظل تحدّيات كبرى تواجهها الولايات المتحدة الآن. 
إيران
يؤكد بايدن أن إدارته مستعدة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، إذا التزمت الأخيرة ببنوده وشروطه. لكنه يشدّد أيضًا على أنها ستبقى تتصدّى لأنشطة إيران الأخرى المزعزعة للاستقرار في المنطقة على نحو أكبر. ويرى أن هناك طريقة ذكية لمواجهة التهديد الذي تشكّله إيران للمصالح الأميركية، وأخرى تقود إلى هزيمة ذاتية. وعلى الرغم من أنه يعتبر قاسم سليماني، قائد فيلق القدس السابق، الذي صفّته إدارة ترامب مطلع عام 2020، شخصًا خطيرًا، فإنه يقول إن ذلك عزّز من إصرار إيران على الإفلات من القيود الصارمة التي فرضها الاتفاق النووي عليها. وقد تكون أمام بايدن فرصة للتوصل إلى اتفاقٍ جديد مع إيران، مستفيدًا من الأوضاع الصعبة التي تعانيها طهران، بسبب العقوبات القاسية التي فرضتها عليها إدارة ترامب، لكن هذا لن يكون سهلًا، بسبب الضعف الشديد الذي اكتنف أنصار الاتفاق في إيران، بسبب الفشل في تحقيق ثمار مهمة منه، وانسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي، وتوقّع فوز المحافظين في الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقرّرة في حزيران/ يونيو 2021.
الصين
تمثل العلاقة مع الصين المعضلة الاستراتيجية الأبرز لأي إدارة أميركية؛ فالصين هي المنافس الجيوسياسي للولايات المتحدة اقتصاديًا وتكنولوجيًا، وهي تهدّد الهيمنة الأميركية عالميًا، وتعزّز سيطرتها على بحر الصين الجنوبي، وتستمر في بناء قوتها العسكرية، وتمدّ نفوذها في شرق آسيا وفي مناطق أخرى كثيرة من العالم. وتحت إدارة ترامب، تدهورت العلاقات بين الدولتين إلى أدنى درجاتها، ويرى بعضهم أنها دخلت مرحلة حرب باردة جديدة، خصوصًا في ظل الخلافات المتصاعدة حول التجارة والتعريفات الجمركية وقرصنة التكنولوجيا الأميركية وهونغ كونغ وتايوان ووضع المسلمين الإيغور، فضلًا عن اتهام ترامب بكين بالمسؤولية عن انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19). ولكن سجالات ترامب لم تضعف الصين، بل ربما عزّزت موقفها مع تخلي إدارة ترامب عن الدعم المطلق للحلفاء في شرق آسيا، و"الغزل" مع زعيم كوريا الشمالية، كما أن الميزان التجاري مع الصين لم يتغير على الرغم من كثرة الكلام.

تحت إدارة ترامب، تدهورت العلاقات بين أميركا والصين إلى أدنى درجاتها، ويرى بعضهم أنها دخلت مرحلة حرب باردة جديدة

لا ينكر بايدن وجود تحدّيات كبرى في العلاقة مع الصين، إلا أنه يرى أن إدارة ترامب أدارتها بطريقة متهورة؛ ذلك أنها عزلت نفسها عن حلفائها وشركائها الأقرب، مثل كندا والاتحاد الأوروبي، عبر شنّ حروبٍ تجارية معهم، تمامًا كما فعلت مع الصين، على نحو أضعف القدرة الأميركية على التصدّي للصين واحتوائها. ويشدّد بايدن على أن الولايات المتحدة يجب أن تكون صارمةً مع الصين، ولكن الطريقة الأنجع لفعل ذلك تكون عبر استراتيجية "العصا والجزرة"، وبناء جبهة موحدة من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها لمواجهة انتهاكات حقوق الإنسان في الصين، في الوقت ذاته الذي يتم فيه السعي إلى التعاون مع بكين في القضايا التي تتلاقى فيها المصالح، مثل تغير المناخ، وعدم انتشار الأسلحة النووية، كما في كوريا الشمالية وإيران، والأمن الصحي العالمي. وتقوم مقاربة بايدن على أن الولايات المتحدة بمفردها تمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وعندما تتحد القوة الاقتصادية الأميركية مع القوة الاقتصادية للديمقراطيات الغربية والآسيوية الأخرى، كاليابان وكوريا الجنوبية، فإن الصين لن يكون في مقدورها تجاهل أكثر من نصف الاقتصاد العالمي.
روسيا
لطالما أكد بايدن أنه سيتخذ موقفًا أكثر تشدّدًا مع روسيا من ترامب الذي كان معجبًا بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وداوم على التشكيك في المعلومات الاستخباراتية الأميركية حول التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016. وكانت إدارة أوباما التي كان بايدن نائبًا للرئيس فيها قد فرضت عقوباتٍ قاسية على موسكو بسبب ضمّها شبه جزيرة القرم عام 2014. ويشدّد بايدن على ضرورة "فرض تكلفة حقيقية على روسيا بسبب انتهاكاتها للمعايير الدولية، ودعم المجتمع المدني الروسي، الذي وقف بشجاعة مرارًا وتكرارًا ضد نظام الرئيس بوتين". كما يرى أن تعزيز القدرات العسكرية لحلف الناتو سيكون ضروريًا لمواجهة "العدوان الروسي". وعلى الرغم من توقّع مراقبين عديدن تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو في ظل إدارة بايدن، فإن الحد من التسلح النووي قد يكون أحد المجالات للتعاون بين الطرفين؛ ذلك أن معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية "ستارت" START الموقعة عام 2010 تنتهي في شباط/ فبراير 2021.

يشدّد بايدن على ضرورة "فرض تكلفة حقيقية على روسيا بسبب انتهاكاتها للمعايير الدولية، ودعم المجتمع المدني الروسي"

ويرى بايدن أن هذه المعاهدة "ركيزة للاستقرار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا". ولذلك، لا عودة إلى الحرب الباردة، ولكن إلى سياسةٍ أكثر تشدّدًا مع روسيا وذات التزام أكبر بأمن الحلفاء.
خاتمة
لن يكون هدف بايدن المعلن في استعادة المكانة والموثوقية الأميركية بين حلفائها مهمةً سهلة، فالانقسامات الدولية عميقة، كما أن شكوك حلفاء الولايات المتحدة في نظام دولي يتمركز حولها تتزايد. ويرى كثيرون في أوروبا أن مردود علاقات اقتصادية وثيقة مع الصين لا تقل أهمية عن تلك مع الولايات المتحدة. والواقع أنه لا يمكن تصوّر وضع تستطيع فيه واشنطن اليوم احتواء قوتين كبيرتين، مثل روسيا والصين، وحدها، خصوصًا في ظل التردّد الأوروبي. والأهم من ذلك كله حجم الضرر الذي ألحقه ترامب بسمعة الولايات المتحدة وصدقيتها، باعتبارها أهم ديمقراطيات العالم وأعرقها، وذلك الشرخ العميق في المجتمع الأميركي ومؤسساته السياسية الذي أبانت عنه الانتخابات الرئاسية الحالية.