الديمقراطية على الطريقة الكويتية

03 ديسمبر 2020
الصورة

لوحة إعلانية لمرشح في الانتخابات النيابية في عاصمة الكويت (1/12/2020/الأناضول)

+ الخط -

تعيش الكويت، هذه الأيام، أجواء انتخابية غير مسبوقة تقريبا، تحت ظلال جائحة كورونا التي ما زالت ترمي بثقلها على كل مناحي الحياة، فتغير القواعد وتبدل الأحوال.. وسرعان ما يتغيّر الناس معها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وما رغبوا به أيضا، فانتخابات مجلس الأمة (البرلمان)، هي الأهم في الكويت، وهي تأتي مرّة كل أربع سنوات في الأحوال العادية، أي إن لم يغيّر ذلك الموعد حلا مفاجئا.. وما أكثرها في العقود الأخيرة!

لكن على الرغم من الحرص الذي تبديه وزارة الصحة في سبيل تطبيق الاشتراطات الوقائية كاملة، من تباعد اجتماعي ومنع للتجمعات وضرورة ارتداء الكمامة، إلا أن كثيرين ضربوا بكل تلك الاشتراطات عرض الحائط، وذهبوا إلى ممارسة حياتهم كما تعودوا عليها قبل حلول الجائحة، خصوصا في أوقات الانتخابات.

والكويت معتادة على الأجواء الانتخابية منذ نشأتها الحديثة تقريبا، فالانتخابات أسلوب حياة يكاد يكون يوميا في غالب الأحيان، والمواطنون عادة مدرّبون على هذه الممارسة عبر استحقاقات متلاحقة ومتوالية على امتداد حياتهم، فهناك انتخابات الطلبة في المدارس وانتخابات جمعيات الكليات في الجامعات وانتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت العابرة للقارّات، حيث تجري في كل الجامعات التي يوجد فيها طلبة كويتيون داخل الكويت وخارجها، وانتخابات المجلس البلدي، بالإضافة إلى انتخابات الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، وانتخابات جمعيات النفع العام، وغيرها من استحقاقات انتخابية أخرى، تستدعي ذهاب المواطن الكويتي إلى الصندوق، وإيداعه اختياراته أكثر من مرة في العام الواحد على الأقل. وعلى الرغم من هذا، يتعامل الكويتيون في كل انتخابات لمجلس الأمة تحديدا وكأنها مفاجئة لهم. ومن الواضح أن المرشّحين يعرفون ذلك جيدا، ويتصرفون في حملاتهم الانتخابية على أساسه!

الجديد في انتخابات هذا العام، والتي ستجري بعد يومين بإذن الله، بالإضافة إلى الأوضاع الكورونية التي غيرت "شكل الانتخابات" قليلا، وأزاحت من المشهد الكثير من ثوابتها في الندوات والديوانيات، وغير ذلك من أمور لم يكن من السهل السماح بها في ظل انتشار الفيروس والخوف من العدوى، أن نغمة الغضب لدى المواطنين قد تصاعدت، خصوصا بعد انكشاف بعض قضايا الفساد الكبرى، وانتشار أخبارها في الإعلام أخيرا، وهي قضايا منظور معظمها الآن أمام القضاء. ولعل هذا ساهم في مضاعفة شعور المواطن بالغضب الكبير، والذي يفترض أنه سيترجمه في طريقته باختيار من يمثلونه هذه المرّة في مجلس الأمة (البرلمان) العتيد!

أعرف أن هناك نسبة كبيرة من المواطنين آثروا المقاطعة، وعدم المشاركة في الاستحقاق الانتخابي المقبل، بحجج مختلفة، منها اعتقادهم أن حسابات الحقل تختلف دائما عن حسابات البيدر، وأن هذا ما توصلوا إليه بعد مشاركاتٍ عديدةٍ لم تنجح في التغيير المنشود، ومنها إيمانهم بأن هذا المجلس برمته، وبكل الخيارات المتاحة فيه، لا يمثلهم، ومنها أنهم لن يغامروا بالذهاب إلى مراكز الاقتراع مع احتمال التقاطهم فيروس كورونا. ولكن هذه الأسباب كلها وغيرها لن تقلل من أهمية الانتخابات، ومن حماس الناس لها، لأن الكويتيين موقنون أن ديمقراطيتهم هي الأفضل نسبيا مقارنة بمن حولهم، وأنها خيارٌ كويتي أصيل، ومن باب عدم التفريط بها أو تهميشها فإنهم سيشاركون على الرغم من كل الهفوات التي تعتورها.. إنها الديمقراطية على الطريقة الكويتية؛ نبتة خضراء جميلة وسط يباس قاحل. وهذا ما يجعل الخوف عليها من ذلك اليباس يتضاعف، ويجعل من قراءة كل المؤشّرات إليه مهمة وضرورية، خصوصا وأن كثيرا منها، والمعبر عنه في مقالات وأخبار وتغطيات مغرضة في بعض وسائل الإعلام الخليجية، ينبئ بخوف حقيقي، فتلك المقالات والأخبار والتغطيات التي تتخذ من الاستهزاء بالانتخابات وسيلة لها، لا يمكن قبولها ببراءتها البادية.. والتجارب مدارس.