الدبلوماسية الدرداء .. فم بلا أسنان

الدبلوماسية الدرداء .. فم بلا أسنان

29 يونيو 2021
الصورة

(جلنار عديلي)

+ الخط -

ليس في قاموس اللغة العربية الحية مصطلحٌ يطابق اشتقاق "الدبلوماسية الدرداء" في العنوان الابتكاري أعلاه، وإن كان هناك ما يحاكيه، كما لا يوجد تداولٌ لمثل هذا التعبير المقتبس من معين البيان والتبيين، إلا أنه يوجد له ما يماثل فحواه ومغزاه في الأدبيات السياسية الدارجة، مثل دبلوماسية "البوارج الحربية" ودبلوماسية البينغ بونغ، وغيرهما من الاستعارات اللغوية الشائعة.
لمن يستشكل عليه فهم معنى هذا الاصطلاح، نحيله إلى أصل المفردة قليلة الاستعمال في الحياة اليومية المعاصرة، وهي أن الأدرد شخص بلا أسنان، أو قل رجل فقد أسنانه لتقدّم في العمر أو لسببٍ ما، ليصير أدردَ يُعاب عليه الكلام إذا أكثر منه، الأمر الذي يجيز لنا استعارة المعنى بدلالته الرمزية، للقيام بمقاربةٍ بين صاحب الفم الأدرد والنافخ في بوق الديمقراطية المفتقرة للأنياب، على نحو ما يتجلى عليه الأمر ملء السمع والبصر في مثالين عمليين:
الأول منهما حاضر بالتمام والكمال في المسار الدبلوماسي الراهن لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إزاء الملف النووي الإيراني، حيث يبدو المشهد في فيينا تطبيقاً عملياً ملموساً لأداء "الدبلوماسية الدرداء" القائمة على مبدأ وضع العصا جانباً، وتقديم الجزرة تلو الجزرة، لعل نظام الملالي يميل إلى التصالح، ويكفّ عن سياسة الفم الكبير في إدارة أزمةٍ تبدو فيها إيران ذات يد عليا، فيما تبدو أميركا وكأنها هي الرازح تحت العقوبات.
ومع أن أوراق الضغط، من فوق الطاولة ومن تحتها، تُعدّ القاعدة الذهبية لكل عماية تفاوض بين خصمين، وإن القوة الكامنة تشكّل الضمانة الكبرى لنجاح أي مسارٍ تفاوضي، إلا أن العم جو، المفعم بحُسن النية، أعلن عزمه على العودة إلى مسار فيينا قبل أن يدخل المكتب البيضاوي، وأبدى حماسة مفرطة للدبلوماسية والحوار، وكاد أن يتخلى عما لدى القوة العظمى من أوراق، بل وراح ينقلب على التحالفات، وأخذ يسترضي آيات الله، سواء في اليمن أو في العراق، ويغضّ البصر عن تصعيد إيران في رفع نسبة التخصيب، وزيادة كمية اليورانيوم وعدد مفاعلات الطرد المركزي، في تطبيق أمين لقواعد "الدبلوماسية الدرداء".
وعلى الرغم من أن لدى واشنطن مراكز أبحاث وخبراء لا يشقّ لهم غبار في شتى المجالات، غير أن ما ظهر في فيينا من سوء أداء أميركي يشير إلى أن هناك عدم فهم لثقافات شعوب هذه المنطقة المسكونة بتأويل الاعتدال ضعفا، ومفعمة بتراثٍ لا يعرف الحل الوسط، ويرى المرونة هرولةً، الأمر الذي فسّرته إيران بشكل خاطئ، فرفعت سقف المطالب، وبدأت تبني على فرضية أن بايدن بات أسيراً لخياره الدبلوماسي، ولصورته عن نفسه صانع سلام، ناهيك عن رغبته في محو تركة ترامب.
المثال التطبيقي الثاني المستند إلى نهج "الدبلوماسية الدرداء" هذه ماثلٌ في أوضح تجلياته عبر المعالجة المصرية العقيمة لملف سد النهضة، حيث تمتنع القاهرة عن التلويح الصارم باستخدام خيار القوة إزاء تعنّت أديس أبابا في التجاوب مع كل وساطة، أو مسعى دبلوماسي، لحل قضية مصيرية، ترقى إلى عتبة الحياة والموت بالنسبة لنحو مائة مليون مصري، قد يهلكون عطشاً، وهم يملكون قوةً أكبر مما امتلكه أجدادهم في عصر فتوحات محمد علي الكبير، وأشد بأساً مما كان لدى آبائهم في حرب اليمن وفي الحروب ضد إسرائيل. فقد ذهبت القاهرة إلى كل محفل للضغط بالدبلوماسية، بفمٍ بلا أنياب، في محاولة وراء أخرى، لحثّ إثيوبيا على القبول بحصةٍ عادلة من شريان حياة مصر والسودان، وركضت من الاتحاد الأفريقي إلى مجلس الأمن والبنك الدولي، فقط لتأجيل تعبئة السد إلى حين، غير أن الرجل المطمئن في أعالي النيل، آبي أحمد، المستهين بردة فعل محتملة من قادة بلدي الممر والمصبّ، أجاب متحدّياً بأنه سيبني مائة سد جديد، وإن على شريكيه في القاهرة والخرطوم أن يركبا ظهور أعلى ما لديهما من خيول.
وهكذا نحن اليوم أمام مثالين خائبين للدبلوماسية الدرداء، اعتمدت أولهما قوة عظمى مدجّجة بأنياب فولاذية حادّة، وانتهجت ثانيهما قوة إقليمية كبرى، قياساً بإثيوبيا، فيما تتجلى أمام أبصارنا، في المقابل، دبلوماسية هجومية، تملأ فمها الأنياب الحديدية، قدمها ثقيلة على الأرض، قلبها من صوّان، وفي يدها العدّة الكافية لفرض الأمر الواقع، وخلق الحقائق، تماماً على نحو ما تتبعه كل من روسيا وتركيا، وحدّث ولا حرج، وبلا إعجاب، عن إسرائيل.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي