الانتخابات والبيت الفلسطيني

17 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

لطالما كان إجراء الانتخابات أحد المطالب الأساسية في عملية إنهاء الانقسام الفلسطيني. ومع التوقيع أول من أمس على مرسوم إقامة الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني بالتتابع، تكون إحدى نقاط الخلاف القائمة منذ نحو 14 عاماً بين أطراف الأزمة الفلسطينية في طريقها إلى الحل، مبدئياً. غير أنه من المبكر الإفراط في التفاؤل، والنظر إلى المواعيد المقترحة لهذه الانتخابات باعتبارها نهاية للانقسام وتشكيل الوحدة الفلسطينية في مواجهة المخاطر التي تعترض القضية. إذ من المفيد التذكير بأن بداية الانقسام الحالي، وسببه الأساس، كان بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في عام 2006، والتي فازت فيها حركة حماس بالغالبية في المجلس، ووقع على عاتقها تشكيل الحكومة الفلسطينية. حينها لم تعترف إسرائيل والدول الغربية، وحتى بعض العربية، بسلطة الحركة الإسلامية، وهو ما انسحب أيضاً على حركة فتح وسلطتها بعدما اعتادت الأخيرة أن تكون الحزب الحاكم منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، أو الحزب المسيطر منذ تشكيل منظمة التحرير.

من المعلوم أن الانتخابات التشريعية كانت مطلب حركة فتح بشكل أساس في محاولة لاستعادة البرلمان، بينما الانتخابات الرئاسية والمجلس الوطني هي مطلب حركة حماس ومعها "الجهاد الإسلامي"، في مسعى إلى أن يكون لهما دور في الجسم التنظيمي لمنظمة التحرير، وربما المنافسة على رأس السلطة. كان مطلب "حماس" أن تُجرى الانتخابات بشكل متزامن، وهو ما عطّل الاتفاق فترة، قبل أن تعود الحركة الإسلامية للقبول بفكرة التتالي، وهو ما حدث في نهاية المطاف مع توقيع المراسيم الانتخابية.

الأمر لا شك مهم بالنسبة إلى مسار المصالحة الفلسطينية، على الأقل على الورق، باعتبار الانتخابات من النقاط التي كان يجب الاتفاق حولها. لكن هل هناك ما تغير على الصعد كافة حتى تكون الانتخابات، خصوصاً التشريعية، ونتائجها، في حال حدوثها، مدخلاً لإنهاء الانقسام؟ هذا السؤال أساسي بالنظر إلى التحولات السياسية في العالم العربي والعالم منذ الانتخابات الأخيرة. فماذا لو فازت حركة حماس مجدّداً في هذه الانتخابات، هل ستكون ردة الفعل مغايرة ع عام 2006؟ المعطيات تؤكد أنه لن يكون كذلك، بل سيكون أقسى مما حدث في السابق، خصوصاً في ظل عداء العديد من الأنظمة العربية لحكم الحركات الإسلامية، ومحاولة إحباطها في أي بقعة من بقاع العالم، وليس في العالم العربي فحسب. هذا ما رأيناه بعد ثورات الربيع العربي والانقلاب في مصر، وما تلاه، إضافة إلى تخريب تجارب الحكم في ليبيا واليمن عبر الحروب التي لا تزال قائمة. الأمر نفسه بالنسبة إلى الموقف الغربي والإسرائيلي بعد ما أسس له حكم الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب، والذي لن يزول مع مغادرته البيت الأبيض. 

التقدير اليوم بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية وحركة فتح أن سيناريو عام 2006 لن يتكرّر، وأن التعويل هو على ما أحدثه حصار قطاع غزة من تدمير لشعبية "حماس"، إضافة إلى الأخطاء الكثيرة التي شابت حكم الحركة، وهذا بالأساس ما دفع الرئيس الفلسطيني إلى التوقيع على مراسيم الانتخابات. غير أن التقديرات الانتخابية، خصوصاً في غياب استطلاعات الرأي الفعلية، قد لا تتطابق مع وقائع الصناديق، وهو ما حدث أساساً في 2006، حين فاجأت النتائج حتى حركة حماس نفسها، والتي لم تكن تتخيل أنها ستحقق الغالبية البرلمانية. وماذا لو صدقت التقديرات الانتخابية، هل ستسلّم "حماس" تلقائياً بالخسارة، وتنقل السلطة إلى حكومة تؤسسها "فتح" وإخلاء المقار الحكومية، خصوصاً في ظل عدم حلحلة العقد الأخرى في ملفات المصالحة، وفي ظل الفارق الزمني بين الانتخابات؟

إجراء الانتخابات الفلسطينية خطوة مهمة على طريق ترتيب البيت الفلسطيني، غير أن هناك حاجة قبل ذلك إلى إعادة بناء هذا البيت بشكل سليم.