ابحث عن الحرية

17 أكتوبر 2020
الصورة

تابعت، قبل أيام، على شبكة نتفليكس فيلماً أميركياً عنوانه "the highwaymen" (قطّاع الطرق)، من إنتاج عام 2019 وإخراج جون لي هانكوك، وبطولة كيفن كوستنر وودي هاريلسون. يروي أحداث قصة حقيقية حدثت في ثلاثينيات القرن الماضي، عن زوجين (بوني وكلايد) قاما بجرائم عديدة، سبّبت الرعب وقتها. ليس الفيلم عنهما، بقدر ما هو عن رجلي الشرطة المتقاعدين اللذين استعانت بهما حاكمة ولاية تكساس للقبض عليهما أو قتلهما. لا تظهر شخصيتا بوني وكلايد إلا في المشهد الأخير، مشهد قتلهما. يبدوان على امتداد الفيلم كما لو أنهما أسطورة، يتم التحدّث عن تعلق أهالي ولاية تكساس بهما، على الرغم من أن جرائم القتل التي ارتكباها تجاوزت الخمس عشرة جريمة، وهو أمر كان يحيّر رجال الشرطة، لا في الفيلم فقط، وإنما في الحقيقة، إذ يقال إن المشاركين في جنازتيهما قد تجاوزوا عشرين ألفاً، وهو عدد كبير جداً، لا يحظى به سوى النجوم أو السياسيين والزعماء الكبار عند رحيلهم. 

ما هو السرّ في تعلق الناس بمجرمين من هذا النوع، حتى يبكيهم الكبار والصغار لحظة رحيلهم؟ على الشبكة نفسها، عرض مسلسل إسباني بعنوان "البروفيسور"، ضمن أربعة مواسم، وهو عن عصابة تقوم بعمليات سرقات كبيرة جداً، ويتتبع أيضاً جرائم قتل. نال المسلسل شهرة عالمية واسعة، وتعاطفاً منقطع النظير مع العصابة، إلى درجة العشق والوله لأبطال المسلسل، وينتظر عشاقه المواسم اللاحقة بفارغ الصبر، ليس لأن المسلسل عظيم، بل بسبب تعلقهم بشخصياته وأبطاله، ورغبتهم بأن تحقق عصابة البروفيسور مزيداً من الانتصارات في عملياتها! وفي شهر رمضان الماضي عرض، عربياً، مسلسل "بمية وش" من إخراج المصرية كاملة أبو ذكري، عن عصابة تقوم بعمليات نصب وسرقة، ضحاياها من كل طبقات الشعب المصري وفئاته، وليس فقط الأغنياء، بل تبدو الطبقة المتوسطة، في المسلسل، الأكثر عرضة لعمليات النصب التي تقوم بها العصابة. ومع ذلك، لاقى المسلسل نجاحاً كاسحاً، وتعاطفاً مبهراً مع شخصياته من المتابعين، على الرغم من أن هذه العمليات، في الواقع، تحدث وتسبب لضحاياها، محبي المسلسل، القهر وكسرة القلب، نتيجة تعرّضهم للنصب، ومنهم من قد يفقد حياته من هول الصدمة؟! 

يفسر بعض الناس تعلق المشاهدين بشخصيات الدراما الإجرامية بذكاء الصنّاع في حبك شخصياتهم، وجعلها محبوبة وظريفة وخفيفة الدم وقريبة إلى القلب، ما يقرّبها من مشاهد يبحث في الدراما عن التسلية والإثارة، وربما هذا صحيح في كل حال، إذ دائماً ما يتم اختيار شخصيات الدراما التي يرغب صنّاع العمل في أن يتم التعاطف معها، ضمن شروط تتعلق بالكاريزما وخفة الدم والذكاء، وهي صفاتٌ محبّبة في الواقع أيضاً، وليس فقط في الدراما. ولكن ماذا بخصوص "بوني وكلايد"، وهما حقيقيان وليسا دراميين؟! يقول بعضهم إن متلازمة استوكهولم هي ما يتحكّم في علاقة غالبية البشر مع المجرمين والخارجين عن القانون، ومع الطغاة والجلادين، أي مع كل من يجعلنا ضمن دائرة ضحاياه، وهو ما يفسّره علم النفس بأنه "إحدى طرق الدفاع عن النفس"، وكأننا في التعاطف مع المجرم الذي يسيء لنا وتبني قيمه نحاول إفهامه أننا مثله، نشبهه، فنظن، نفسياً، أن خطره لن ينالنا، هي لعبةٌ نفسيةٌ مركبةٌ ومعقدة، ككل ألعاب النفس البشرية المشابهة.

بيد أن ثمّة شيئاً آخر، بعيداً عن متلازمة استوكهولم، هو الميل البشري إلى الخروج عن القوانين الموضوعة، طوال نشأة البشرية ومراحل التطور، أن الإنسان كائن حرّ، لا توجد أية قوانين تحدّ من حريته، كل أنواع الحرية، ومع نشوء الحضارات البشرية، تم وضع قوانين ناظمة لحياة البشر، وقيّدت من حريته المطلقة شيئاً فشيئاً، حتى لم يبق له من هذه الحرية ما يمكن أن يمسكه بيديه، ولا على أي صعيد، وبات مهدّداً بالعقوبات، في حال خرقه القوانين التي تقيد حريته. كانت "شريعة حمورابي" الأصل، وقبلها تحدثت الأساطير عن عقوبات من الآلهة لمن يخالف أوامرها. هناك دائماً سلطات وقوانين وعقاب، وهناك من عليه الالتزام تجنباً للعقوبات، وبما أن الخوف هو السيد في الغالب، فثمة إعجابٌ خفي لدى الغالبية ممن يكسر هذا الخوف، ويخالف القوانين. وبما أننا لا يمكننا أن نفعل مثله، فنحن نتعاطف معه. خفيةً إن كان التعاطف يسبب العقوبة، وعلناً إن كان التعاطف متاحاً. ابحثوا إذا عن الحرية، هي الأصل في كل ما نفعل.