أندرو وعبثية المقارنة

أندرو وعبثية المقارنة

15 يناير 2022
الصورة

الأمير أندرو في موكب عيد الميلاد السنوي في لندن (9/6/2018/Getty)

+ الخط -

يبدو عبثياً، إلى حد ما، الحديث عن محاكمة رؤساء جمهورية وحكومات ومجالس نيابية ونواب ووزراء وأمراء، في دولٍ تحافظ على سيادة القانون فوق كل شيء آخر. عبثيٌّ الكلام عن تجريد الأمير أندرو في بريطانيا من كل صلاحياته ومناصبه وحقوقه، كأحد أعضاء العائلة الملكية البريطانية، بسبب دعوى مرفوعة من سيدة أميركية تتهمه بالاعتداء عليها قبل عقدين، حين كانت قاصراً. باتت المقارنة سخيفة بين هذه الدول التي تطبق القوانين على حكامها قبل مواطنيها ودولنا التي يتفاخر أصحاب السلطة فيها بقدرتهم على النجاة من القضاء. أصبح لزاماً علينا وقف المقارنات، لأنها لم تعد مجدية، ولا تحقق الصدمة القانونية والإنسانية منها، لغرض تطبيق المحاسبة على كل من تسلّم سلطة في بلادنا التعيسة.

يبدو الواقع أحياناً أكبر من فكرة إصلاحية نحاول تسويقها، بغية تأكيد حق الناس في محاسبة مسؤوليهم. يفرض هذا الواقع علينا التعاطي مع هذه الأنباء بصيغةٍ مغايرة، تبدأ في الأساس في الاقتناع بأن التغيير عبر إجراء المقارنات هو أكبر جدار يقف بوجه جوهر التغيير بحد ذاته. لم تنجح أي مقارنةٍ سابقةٍ في إحداث تحوّل عميق في حياتنا مع الأنظمة. لذلك، يكمن التغيير في مدى حاجة الفرد والمجتمع إلى أمر مختلف وإيجابي عما يعيشه من سلبيات، ومن تدهور اقتصادي - اجتماعي. يبدأ كل شيء من سؤال ذواتنا: هل نحن راضون عما يحصل معنا؟ وراضون عن الخدمات المفترض أن تقدمها السلطات إلينا؟. .. لدى كل فرد في كل بلد ألف سؤال ومليون إشكالية عن حياته. الإنسان لا يعيش عمرين. عمراً واحداً بالكاد. يستحق هذا العمر أن نخرج من روتين قاتل يدمّر شخصياتنا ونفوسنا، لا أن نتحوّل إلى قنابل موقوتة، ننفجر في وجه أفراد آخرين يشبهوننا في عدم رضاهم عن حياتهم.

تحتاج هذه القنبلة للانفجار في موضعها الصحيح: بمن دفعنا إلى الهاوية. ابسطوا خريطة العالم العربي، وانظروا إلى البلدان التي يشوبها القلق كل صباح على مساء اليوم عينه، لا على اليوم التالي. ستجدون دولاً كثيرة وأفراداً ومجتمعات هائلة. هذه الفئات لا تحتاج إلى مقارنات أضحت مكرّرة ومعروفة، بل تحتاج إلى دافع لنقض مسار حياتها والخروج من الموت البطيء الذي يتآكلها. ما أصعب العمر الواحد على إنسانٍ يريد الخروج من حصار يهدّه إلى عالم رحب، وما أسهل هذا العمر، حين يقرّر هذا الإنسان محاولة تغيير سلبيات الحياة.

في السابق، كنا نقول إن التغيير قد يكمن في النوم باكراً أو اعتماد نظام غذائي صحي، أو غيره. يصلح هذا النوع من التغيير في أوقات أكثر حرية، بينما اليوم نتعاطى مع أنماطٍ من العبودية وكأنها حرية مشروطة. حقيقة لا يتعلق الأمر بشعارات سياسية برّاقة، ويمكن العودة إلى التاريخ القديم والحديث للاطلاع على سقوط دول وأنظمة وشعوب، فقط لأنها رفعت شعاراتٍ لم تلحظ الحقوق الفردية، من طعام وطبابة وتعليم وحرية، بل تمحورت حول "الاستعداد الدائم" لمواجهة مجهولٍ على شكل بلاد مجاورة أو عقائد مختلفة. ويمرّ العمر الواحد من دون أن تقع المواجهة. والأبشع أنه يمر من دون الحصول على الحقوق الفردية، ولا على الحرية بحد ذاتها. هنا يبقى علينا أن نسأل ذواتنا: "هل يستحق أن يُهدر عمرنا على أشياء قد لا تحصل؟"، فقط لأن أنظمتنا اختارت أن تواجه مجهولاً ما، وقمعت في هذا السبيل كل رأي مختلف وكل حرية ممكنة، وأسكتت كل كلام حق؟ لا أحد يستحق ذلك. لا أحد يستحق أن يذهب عمره الواحد هدراً، ففن الانتظار الأبدي لكل نظام وحكم سلطوي لا يعبأ بالناس وحقوقهم، هو فعل حياة لهذه السلطات، ومصدر عيش لا ينضب.