أفغانستان: تمنياتنا وعقلنا

أفغانستان: تمنياتنا وعقلنا

28 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

خرجت تحليلاتٌ شتّى خلال الأسبوعين الأخيرين لمناقشة تطورات أفغانستان. قد يحلو لبعضهم الذهاب في مخيلته، لا في إطار قراءته الوقائع السياسية والعسكرية ضمن مفهوم جيوبوليتيكي ما، بل في إطار تلبية أمانيه، إلى حدّ يُصبح معها سماع أو قراءة منهجية تفكير مضحكة، لا تشبه أياً من المنطق. في السابق، كان أنصار هذه الفئة أقليةً في عالم أكثر واقعية، إلا أنهم تحوّلوا إلى أكثرية تدريجياً. لا يعود السبب إلى تراجع أصحاب التفكير الواقعي، بل إلى تطرّف أصحاب الفكر الأيديولوجي، دينياً كان أم سياسياً، بشكلٍ لا يسمح لعقلانية التفكير بالبروز. ومع أن مثل هذا السلوك معروفٌ منذ القدم، إلا أن تطوّره أصبح مدعاة للقلق، ومبعثاً لإثارة المخاوف حول منهجية التفكير وطُرُقُه وتأثيراته السلبية على المستقبل، خصوصاً مع تطور وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت.
في الملف الأفغاني مثلاً، يتحدّث عديدون عن صدام حركة طالبان والولايات المتحدة، بينما على أرض الواقع حرس الثنائي مطار حامد كرزاي في كابول، قبل انفجاري أول من أمس الخميس. يقول بعضهم عن الانسحاب الأميركي من هناك: "سيُغيّر وجه العالم وسيُحطّم أميركا"، بينما تتحدّث الحركة عن علاقاتٍ مستقبليةٍ مع الولايات المتحدة، وعن عدم السماح ببقاء البلاد قاعدة لشنّ الهجمات على الأميركيين، وصولاً إلى لقاء مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، وليام بيرنز، مع رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان، عبد الغني برادر، في كابول يوم الإثنين الماضي.
دائماً، على الإنسان أن يفصل بين تمنياته والواقع، لأن مزجهما سيؤدّي إلى تشكيل أدوات تفكير غير منطقية ولا سليمة، وسينعكس ذلك بتشكيل خوارزمية نفسية ـ اجتماعية في تعاطيه مع محيطه الضيّق (العائلة)، مروراً بالمحيط الأكبر (مكان السكن)، وصولاً إلى المحيط الواسع (العمل، الزملاء، الحياة الاجتماعية..). هذا النوع من التفكير، المبني على تغليب التمنّيات على القراءات الواقعية، سيؤدّي إلى تطرّف الشخص في الانفعالات الناجمة عن موقف أو رأي أو حدث متعلق بموضوع ما. لنفرض مثلاً أن هناك شخصين يتابعان ملف أفغانستان. سيقول أحدهما: أميركا هُزمت شرّ هزيمة أمام "طالبان" واندحرت ذليلة. أما الآخر، فسيذهب في تحليله إلى مكان مختلف، بالقول إن أميركا رمت قنبلة في قلب الوسط الآسيوي ستُنهي أدوار دول محدّدة.
في الحالتين، أخرج الشخصان تمنياتهما في أفغانستان إلى العلن، لكن الواقع مغاير تماماً. يبدأ الأمر بفهم سلوك الولايات المتحدة أولاً، المعاكس لأدبيات "الربح والخسارة" البديهية، بل تتعدّاها إلى كيفية "الخروج من الباب للدخول من الشباك". خرج الأميركيون من سايغون ـ فيتنام في 1975، لكنهم عادوا من المدخل الاقتصادي، محقّقين اختراقات واسعة في الخواصر الصينية. وثانياً، علينا فهم تفكيرنا، نحن القاطنين في الشرق الأوسط، الذين نردّد نظرياتٍ محدّدة أو نعلك مفاهيم غير واقعية في سياق ما، ونبقى مقتنعين بها، على الرغم من عدم صوابيتها، فقط لأنها تلتقي مع رغبتنا لا عقلنا.
ليست المشكلة في تصديق أمثال هذه الفئة من الناس أو في إقناع الجمهور، بل في أن التطور المتسارع في تقنيات التلفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعي يسمح في تشكيل خبر غير موجود، مع إبراز تفاصيله، وبناء الحراك السياسي عليه، وصولاً إلى تحقيق النتيجة الأساسية من تركيبه. في الواقع، تطوير هذه التقنيات من دون تحصينها من الأخبار غير الصحيحة، سيؤدّي إلى ترسيخ دور الشائعة التي تسقط عادة في اليوم التالي من تردادها بسبب سرعة اتضاح عدم حقيقتها، إلا أنها مع هذه التقنيات ستُصبح أكثر إقناعاً، تحديداً حين تُرفق بتحليل ما، خصوصاً لدى جمهورٍ ليس مطلوباً منه تغيير رأيه إذا كان مقتنعاً، بل عدم إهانة عقله في أثناء بحثه عن الحقائق، ويرفض تلقائياً كل أنواع التحليل المبني على تخيلاتٍ، لا وقائع، في سياق عملية فرز عقلية.