"ريش" .. لو كان الفقرُ رجلاً لَوَصَفْتُه

"ريش" .. لو كان الفقرُ رجلاً لَوَصَفْتُه

09 نوفمبر 2021
الصورة

دميانة نصّار في مشهد في فيلم "ريش"

+ الخط -

لو كان الفقرُ رجلا.. لَوَصَفتُه. قد تصحّ هذه الجملة عنواناً ثانياً لفيلم "ريش"، للمخرج المصري الشاب عمر الزهيري، والذي فاز أخيرا بجائزة أفضل فيلم عربي روائي طويل في مهرجان الجونة، بعد فوزه سابقا بجائزة أسبوع النقاد في مهرجان كان السينمائي. وإذ أثيرت حول الفيلم ضجّة لدى عرضه في الجونة، مع الإشارة إلى إساءته لسمعة مصر، كان لا بدّ من الردّ والقول إنها بالأحرى إساءة إلى سمعة الفَقْر. أجل، فالفقر لا جنسيّة محدّدة له ولا أرض، إنه هو هو في كل الأمكنة وفي كل اللغات، يزداد ضراوةً وينحو إلى التوسّع والانتشار في ظل مجتمعات ما عادت تعترف إلا بسطوة المال.
أجل، في "ريش" نكتشف أنّ النظرة إلى الفقر لم تعد تتبع فولكلورا معيّنا في رسم صورة الفقير مسلكا وملبسا ولغةً وطريقةً في شغل الحيـّزين، الخاص والعام، ففي الفقر، هذي المرّة، قلّةٌ حقيقيّة في المقتنيات، وعريُ جدرانٍ بلون التراب، وطرقاتٌ مغبرّةٌ تكاد لا تعرف أين تقع كما لو كانت ممحوّة ولا موقع لها على الخريطة. وفي الفقر شيءٌ من العفَن والتحلّل والعيش تحت مستوى الحياة، وفيه صمتٌ وقلّة تبرّم، وغياب المقدرة على الإحساس بالصدمة حيال الأغرب أو الانتفاض ضد الأسوأ. إنه العبث مقلوبا على قفاه، حيث الفرحُ القليل ينقلب غمًّا عندما يحوّل الساحرُ المدعوّ الوالدَ الطيّب الذي أراد الاحتفال بعيد ميلاد طفله دجاجةً بيضاء. وتروحُ الأمُّ المسكينة تبحث عن حلولٍ لإعادة زوجها بالتبليغ عن فقده، واللجوء إلى المشعوذين أولا، وإلى مخفر الشرطة ثانيا، حيث سيعيدونه إليها وهو في هيأة غير آدمية، مغطّى بالشحم الأسود، مليئا بالجراح والكدمات، فاقد الحركة أو الإحساس. "كان ضمن مجموعة مشرّدين من غير إثبات شخصية"، يقول لها الشرطي، فلا تتساءل المرأة عن صحّة ما يقول، ولا نتساءل نحن لأننا مدركون سلفا أنهما الخاسران مهما كان، كيفما كان، وأن أي مبرّرٍ سيُعطى عن سبب اختفاء الزوج وما آل إليه لن يغيّر شيئا من واقع الحال، وربما تساوى مع أي مبرّر آخر، لأن النتيجة ستكون هي نفسها: طبقة إضافية من الخسارة تُلقى فوق كل ما يتراكم من خسارات.
تعود المرأة بزوجها إلى البيت، لتكتشف عن قرب، وبعد محاولاتٍ عدة لتنظيفه، وتطبيبه، وإطعامه لإعادته إلى الحياة، كم أن درجة "اهتراء" زوجها باتت ما بعد الحياة. فها هو بين يديها، رثّ الجلد والروح، صامتا ومعتما وباردا كقبر، فيما هي تصفعه على وجهه في محاولة أخيرة يائسة، أن "انطُق"، قبل أن تتركه يائسة منه.
في فيلم "ريش"، نحن ما بعد القهر والإحساس بالظلم، في الدرجة القصوى من الانهزام، من القبول، من اللادراما واللاتفجّع واللاصراخ التي اعتدنا عكسها في السينما العربية عموما، وفي السينما المصرية على وجه الخصوص. نحن في لغة الصورة التي لا تحتاج حوارا أو كلاما لتقول. الكادرات السينمائية بعيدة وثابتة، وهي عندما تُظهر الوجوه في لقطاتٍ قريبة، تفعل لتبرز غياب ردّ الفعل، درجة الانفصال، والتدرّب على تمارين العيش. وقد يكون اختيار ممثلين غير محترفين لأداء بعض الأدوار الرئيسة هو من أفضل الخيارات التي قام بها المخرج، قاطعا مع الصورة السائدة للمصري أو المصرية البائسة، أولاد الحتّة أو الفقراء الجدعان. المهم أن الوالدين لم يعدما وسيلة لإنقاذ عائلتهما المكوّنة من أطفالٍ ثلاثة وقد رأيناهما يبذلان كل ما في وسعهما لتأمينهم، إذ لا وقت للتوقّف عند مواجهة مصيبة، والأم حين تيأس من إمكانية شفاء زوجها، ستريحه من عذابه وتريحها، ثم تجلس لتطعم أطفالها الصاغرين إلى برنامج تلفزيوني يبث أغنية فرحة: "بقَلنا إيه عالجنة...".
فيلم "ريش" غنيّ بقليله، معبّر بلغته البصرية، واضحٌ في خياراته الجمالية التي لا تساوم قبح الفقر. يدوم الشريط ساعتين، ومن يتلقّاه من دون صورةٍ فولكلورية مسبقة في رأسه سيستمتع بجديده وبإيقاعه الهادئ الذي يقول الأشياء بنبرة خفيضة. أجل هنا، الحزن ترف، ولا بدّ من الصّراع للبقاء.