"بشائر" بايدن

15 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

منذ الإعلان، غير الرسمي إلى الآن، عن فوز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، بانتخابات الرئاسة الأميركية، بدأنا نشهد العديد من التحولات السياسية العالمية، سواء في المواقف أو الأفعال. تحولات قائمة على تصور طبيعة الحكم الجديد في الولايات المتحدة، وتفاعله مع القضايا العالمية، وهو حكماً قاد إلى أن تغييراً كبيراً سيطرأ على السياسة الأميركية بعد السنوات الأربع التي عاث فيها الرئيس الخاسر دونالد ترامب فساداً في أكثر من ملف. فساد لم يكن حكراً على قضايا المنطقة العربية، بل تنقل من العلاقة مع الاتحاد الأوروبي إلى التحريض البريطاني على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، بدون اتفاق، وصولاً إلى الحرب التجارية مع الصين. وهي قضايا لا يبدو أنها ستنتهي قبل مغادرة ترامب البيت الأبيض.

ما يهمنا أكثر هو قضايا المنطقة العربية، إذ صدر عدد من الإشارات إلى تعديلات في مشهد التحالفات والعداوات القائمة في المنطقة، والتي كان لترامب دور كبير في تغذيتها أو اللعب على تناقضاتها. يمكن النظر مثلآً إلى الخصومة الحالية بين السعودية وتركيا، وما يمكن أن تشهده من تطورات في المرحلة المقبلة. فبعد الإعلان الإعلامي عن فوز بايدن، وخلال أقل من ساعات أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمراً "بتقديم مساعدات عاجلة للأشقاء في تركيا للتخفيف من آثار زلزال أزمير". قد يكون الإعلان طبيعياً في حال جاء في ظل ذروة مأساة الزلزال الذي عاشته تركيا، إلا أن اللافت أنه جاء بعد نحو أسبوعين من ذلك، وبعد إزالة غالبية تداعيات الزلزال. مثل هذا الإعلان قد يأتي في سياق رسالة ضمنية من السعودية إلى تركيا، ومن خلفها إلى الإدارة الأميركية الجديدة، عن استعداد المملكة لسحب فتيل التوترات في المنطقة. الأمر الذي قد ينطبق على المصالحة الخليجية، وعلى حرب اليمن، لكن بانتظار ما قد تحمله الإدارة الأميركية الجديدة من مطالب وشروط وسياسات.

في السعودية أيضاً، وفي إطار الإشارات على تخفيف القبضة الحديدية في الداخل، خصوصاً بعد الحماية التي أمّنها ترامب للمملكة بعد جريمة قتل الكاتب الصحافي جمال خاشقجي، صدرت مؤشرات في الأيام الماضية، خصوصاً بعد التأكد من حتمية فوز بايدن واتجاه ترامب إلى الاستسلام، لإمكان إطلاق ناشطات سعوديات معتقلات، وذلك على ما يبدو في استباق لطريقة تعاطي بايدن مع ملف حقوق الإنسان في السعودية، ولا سيما أنه أطلق خلال حملته الانتخابية تهديدات تتعلق بالتعاطي بشدة مع المملكة، خصوصاً على خلفية جريمة قتل خاشقجي. الأمر الذي من المؤكد أنه لن يحدث، فالكلام الانتخابي شيء، والفعل السياسي شيء آخر، خصوصاً عند النظر إلى كمية المصالح الأميركية مع دول الخليج عموماً، والسعودية خصوصاً، والتي لا تتغير مع تغير رئيس، بل هي راسخة ضمن منظومة الحكم بغض النظر عن هوية ساكن البيت الأبيض وانتمائه. مع ذلك، فإن مطالبة السعودية بإظهار "حسن نية" تجاه الإدارة الأميركية في ملف حقوق الإنسان وغيرها من الملفات ستكون أولوية لدى الرئيس الأميركي، وهو ما قد تبدأ المملكة فعله قريباً.

الأمر نفسه يمكن أن ينسحب على الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أو "الديكتاتور المفضل" بالنسبة إلى دونالد ترامب. فهذه "الأفضلية" لن تكون موجودة مع الإدارة الجديدة، والقاهرة ستكون مطالبة بـ "مبادرات حسن نية" أيضاً في ما يتعلق بحقوق الإنسان، وهو ما بدأ النظام المصري فعلياً التفكير به عبر الحديث عن إمكان إطلاق بعض المعتقلين. 

هذه المؤشرات، وغيرها، قد تكون جيدة، لكنها ليست "بشائر" انقلاب كامل في السياسة الأميركية، بل هي "عمليات تجميلية" اعتادت الإدارات الديمقراطية القيام بها، وبايدن لن يحيد عن هذا الخط.