الشطّار والعيّارون .. هل كانوا لصوصًا أم شرفاء؟

نوادر وأشعار وحكايات عن بطولات أسطورية، تنوقلت من جيل لآخر حتى أصبحت جزءًا من التراث الشعبي، تدور حول طائفة من اللصوص المتمرّدين، الذين عُرفوا بأكثر من اسم؛ مثل، الشطّار والعيّار والفتيان والحرافيش وغيرها، مارس هؤلاء اللصوص نشاطهم في عواصم الخلافة الإسلامية على مرّ العصور، سواء في بغداد أو دمشق أو القاهرة.

هذه الطوائف يعود السبب في ظهورها إلى ضعف الدولة، وتراجع دور الحكام، علاوة على ذلك سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لذلك خرج هؤلاء اللصوص لمواجهة الظلم والفساد ولكن بأسلوب غير شرعي.


أيقونة المقاومة
في عام 196 للهجرة، بدأ الصراع بين الأمين والمأمون على عرش الخلافة العباسية، خلال تلك الفترة، ظهرت لأوّل مرّة طائفة العيّارين، التي رأت أن تقف بجانب محمد الأمين وجنوده ضدّ المأمون، ورغم دفاعها عن بغداد بقوّة إلا أنها انهزمت، لكنّها بعد ذلك أصبحت مصدر قوّة سياسية للخلفاء المتعاقبين خلال الحروب والفتن التي تعرّضت لها الدولة العباسية.

في كتابه "الشطار والعيارون حكايات في التراث الشعبي"، يصف الكاتب محمد رجب النجار العّيارين، قائلًا: "كانوا يشكّلون العصب الرئيسي في هذه الانتفاضات الشعبية الثائرة كمًا ونوعًا، والتي يقوم بها العوام الذين وصفهم المؤرّخون بالغوغاء والفسّاق والسفلة والأوباش والرعاع .. واللصوص"، ويعود سبب دفاعهم عن المدينة إلى رغبتهم الشديدة في عدم الرحيل من مدينتهم حتى لو أصبحت أنقاضًا وتركها لأي لص أو محتل، فضلًا عن عدم امتلاكهم المال الذي يسمح لهم بالرحيل إلي مدينة أخرى، مخلفين وراءهم آثار الهزيمة وأكوامًا من الذكريات.


ثوار أشقياء
يصف النجار في كتابه، تأثير الواقع السياسي والاجتماعي على ظهور تلك الطائفة، قائلًا: ازدهار حركة العيارين والشطّار في بغداد من جرّاء التمايز الطبقي والتباين الاقتصادي الذي كان يزخر ذلك الحين في المجتمع البغدادي ومن بعده المجتمع القاهري والشامي، حيث كان السلاطين والولاة وقادة الجند والأمراء والأثرياء يعيشون في أقصى درجات الترف، على حين كان عامة الشعب من الفقراء والمعدومين، لذلك كانت أفعالهم كافة، بهدف إعادة توزيع الثروة بشكل عادل بين كافة طبقات المجتمع.

في بلاد الشام، قاد طوائف الأحداث الكثير من الثورات والحركات الشعبية ضد الفاطميين، والتي بدأت بثورة ابن عصودا سنة 358 للهجرة، تلك الثورات أفرزت بطولات شعبية، وأبطالا شعبيين، ما زالوا عالقين في ذاكرة التاريخ والضمير الشعبي في آن واحد.

أما مصر، فقد عرفت نظام الفتوة الرسمية، وذلك عندما ألبس الخليفة العباسي المستنصر بالله الملك الظاهر بيبرس سراويل الفتوة، حسبما أورد ابن المعمار البغدادي في كتاب الفتوّة، ومع مرور الزمن أصبحت الحركات الشعبية يطلق على أصحابها اسم الحرافيش، وهي التي تحدث عنها الكاتب نجيب محفوظ في رواية حملت الاسم نفسه.


لصوص شرفاء
اقترنت سيرة العُيّار والشُطّار بآداب عسكرية وسلوكية، جعلت قصص أبطالها التي دوّنها الأدباء في الكتب، مثل الأحلام التي تراود النائم، لما تحتويه من شجاعة وشهامة وإغاثة للملهوف، وغيرها من الأخلاق الاجتماعية الكريمة.

وقد صاغت حركة الفتوة دستورها على مرّ الزمان، وذلك لأنهم لم يكونوا لصوصًا تقليديين، لذا نرى أحد زعمائها، ويدعى عثمان الخياط ينصح أصحابه، قائلًا: "اضمنوا ثلاثًا أضمن لكم السلامة، لا تسرقوا الجيران واتقوا الحرم ولا تكونوا أكثر من شريك مناصف، ويقول عن نفسه أيضًا، ما سرقت جارا، وإن كان عدوًا ولا كريمًا، ولا كافأت غادرًا بغدره".

كذلك نجد ابن حمدي، اللص الشريف يوصي قطاع الطرق، قائلًا: "لا تعترض لأرباب البضائع اليسيرة، التي دون الألف درهم، وإذا أخذت ممن حاله ضعيفة شيئًا فقاسمه فيه، واترك شطر ماله في يديه".


الأبطال الشعبيون
التراث العربي حافل بالكثير من الأبطال الشعبيين، والذين كانت قصص تمردهم على الأوضاع السائدة، ذات شكل ملحمي، ويُعد من أبرزهم:


علي الزيبق
تدور في فترة المماليك، وتتحدّث عن صراع علي الزيبق مع دليلة المحتالة وابنتها زينب ورجالها من أجل تحقيق العدل، الذي حُرم منه الناس في بغداد والقاهرة، وذلك من خلال ألاعيبه، ومساعدة العياق والشطّار له.


حمزة البهلوان
تحكي عن قصة أمير يربي العيار والشطّار على النمط العسكري، ويعلّمهم أصول الفروسية، وتمتلئ السيرة بالكثير من قصص الفتوة وقاطعي الطرق، ولكن بشكل ملحمي، وصراع العرب والفرس، ودور حمزة وشطّاره في النصر على جنود بلاد فارس.


الظاهر بيبرس
وتأتي أهمية تلك السيرة، في أنها بدأت في العصر المملوكي وانتهت مع بدايات العصر العثماني، حيث حوّلت شخصية حقيقية، هي السلطان الظاهر بيبرس البندقداري إلى شخصية أسطورية، ودوره الملحمي في الصراع ضد الإقطاع المملوكي ثم الصراع ضد الصليبيين والتتار، وبذلك تم المزج بين الحقائق التاريخية والخيال الشعبي، بالإضافة إلى أنها تحتوي على نماذج بطولية مساعدة هامة؛ مثل، عثمان الحلبي وأبو بكر البطرني، وجمال الدين شيحة.

كما تمتاز تلك السيرة، بأنها رد فعل لواقع اجتماعي جائر متسلط، وفي شقّها السياسي رد فعل لواقع سياسي ممزق مهدّد، حسبما أورد النجار، في كتابه.