وثائق العرب الأميركيين...تنظيمات مواجهة الاحتلال وتداعيات سايكس بيكو

وثائق العرب الأميركيين... تنظيمات لمواجهة الاحتلال وتداعيات سايكس بيكو

07 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

ما علاقة الأديب ميخائيل نعيمة بجمعية سرية نشأت في المهجر الأميركي؟ وكيف دعم المهاجرون العرب منكوبي الثورة السورية الكبرى عام 1925؟ وما وقع مخططات واتفاقية سايكس بيكو عليهم؟ وكيف تطورت تنظيماتهم السياسية في المهجر الأميركي مطلع القرن العشرين؟

تجيب عن الأسئلة السابقة عدة وثائق، حصل "العربي الجديد" عليها عبر الدكتور هاني بواردي الأستاذ المشارك لمادة التاريخ في مركز الدراسات العربية الأميركية بجامعة ميشيغن، والذي منحه "روي" فرح ابن أمين فرح مؤسس تنظيم سورية الحرة أرشيف والده والذي كان يحتفظ به في قبو منزله بمدينة فلينت بولاية ميشيغن.

وترصد تلك الوثائق جانبا من تاريخ المهاجرين العرب في أميركا، وتميط اللثام عن تفاعلات قوية مع أحداث الثورات العربية المبكرة في مواجهة الاحتلال، بالإضافة إلى الاهتمام بخلق تنظيمات فاعلة انتقلت من السريةإلى العلنية ثم تواصلت مع الكونغرس وحتى البيت الأبيض، لكن تلك الحيوية السياسية ما لبثت أن اختفت في نهاية الخمسينات وخاصة لدى الجيل الثاني من المهاجرين.

العمل السياسي لميخائيل نعيمة

نشر المفكر و الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة مقالا في عام 1915 بجريدة "مرآة الغرب" إحدى صحف المهجر ، تحدث فيه عن سرقات الأراضي و الاستيطان اليهودي، كما تحدث عن الدعم الفرنسي والإنكليزي لمسعى السيطرة على فلسطين، داعيا الرأي العام العربي و الفلسطيني لليقظة والتصدي لتلك المخططات، وقرأ أمين فرح، المهاجر الفلسطيني إلى أميركا (عاش ما بين 1888- 1975)، هذا المقال، كما يقول الدكتور بواردي، ليتصل بعدها بميخائيل نعيمة ويطلب انضمامه لجمعية سورية الحرة، فرد نعيمة الذي كان حينها طالب حقوق بجامعة واشنطن برسالة تعارف في السابع من مارس/آذار عام 1915.

عضوية ميخائيل نعيمة في سورية الحرة، يقول المتحدث إنها لم تذكر إلا في سيرته الذاتية و تحديدا بالجزء الثاني، و لكنه لم يتحدث عنها بشكل واضح، بل لم يذكر حتى الاسم الكامل لأمين فرح مؤسس تنظيم سورية الحرة مكتفيا بوضع رموز فقط.

الصورة
نعيمة 1

إعادة إصدار مجلة الفنون

يعتقد بواردي، أن قبول ميخائيل نعيمة الانضمام لجمعية سورية الحرة كان بهدف التواصل مع راغب متراج، أحد الأصدقاء الأثرياء المقربين من أمين فرح بمدينة فيلنت، للحصول على دعم مادي لإعادة إصدار مجلة الفنون والتي تعد المجلة الرسمية للرابطة القلمية (جمعية أدبية أسسها أدباء مهاجرون في نيويورك)، وبالفعل تمكن نعيمة من الحصول على الدعم المالي و صدرت المجلة مجددا عام 1916، محررة باسم ميخائيل نعيمة وراغب متراج، وهو ما تؤكده الصفحة الأولى والوحيدة الباقية من الرسالة الثانية بينهما، والتي يصف فيها نعيمة اهتمامه بنشر الأدب و ترجمة أعمال الأدباء الغربيين.

ولم يبد نعيمة أهمية في مؤلفاته لتنظيم سورية الحرة رغم ما نادى به من تحقيق الاستقلال، وخاصة في ظل ضرورة التأريخ له باعتبار أن الجمعية محاولة من العرب الأميركيين لدعم استقلال سورية والقومية العربية،  بحسب بواردي.

الدعم المالي للثورة السورية الكبرى

تكشف الوثيقة الثالثة، والمعنونة بـ "لجنة إعانة منكوبي سوريا"، جانبا من حملة الدعم المالي من أجل مساعدة الثوار، إبان الثورة السورية الكبرى، التي اندلعت ضد الاحتلال الفرنسي في 21 يوليو/تموز 1925 بقيادة ثوار جبل العرب في جنوب سورية، وانضم لهم عدد من المجاهدين من مختلف مناطق سورية ولبنان والأردن تحت قيادة سلطان باشا الأطرش، وجاءت الثورة كرد فعل على السياسات الديكتاتورية التي اتبعتها السلطات الفرنسية لتمزيق سورية إلى دويلات، وإثارة النزعات الطائفية ومحاربة الثقافة والطابع العربي للبلاد.

الصورة
منكوبين

و بسبب استحالة إرسال المهاجرين للدعم المالي للثوار  مباشرة، لجأوا إلى الحاج أمين الحسيني مفتي القدس ليحولها إلى سلطان باشا الأطرش، ما يؤكد وجود تنسيق وتعاون بين السوريين والفلسطينيين، وأشقائهم المهاجرين في أميركا.

تأسيس حزب جديد في المهجر

تحول العمل التطوعي لـ "لجنة إعانة منكوبي سورية"  إلى نضال أكثر تنظيما تحت راية  "حزب سورية الجديدة"، الذي شارك في تأسيسه كل من أمين فرح، و الشاعر والناشط السياسي عباس محمود أبو شقرا  الذي هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1907 و أصدر جريدة البرهان في 1920، لينتخب سكرتيرا عاما لحزب سورية الجديدة سنة 1926، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من المهاجرين العرب بمنطقة ديترويت بولاية ميشيغن.

الصورة
واشنطن 2

كان هدف الحزب، ضمان بقاء سورية مستقلة و غير متجزئة، و التصدي لمخطط اتفاقية سايكس بيكو الهادف إلى تقسيم منطقة الهلال الخصيب العراق، وسورية، والأردن، وفلسطين و لبنان.

وجرى تنظيم فروع الحزب بشكل دقيق، إذ جاء في الوثيقة الصادرة عن المركز الرئيسي للحزب في ديترويت و تحديدا بمبنى هامبر في منطقة هايلند بارك، بأنه على سكرتير كل فرع أن يقدم كل ثلاثة أشهر بيانا وافيا إلى السكرتير العام مبينا عدد الأعضاء وقيمة الأموال الموجودة في صندوق الفرع، وعلى كل فرع الاجتماع على الأقل مرة واحدة في الشهر، وفي كل اجتماع يتبرع كل عضو بما تجود به نفسه و يرسل المال في خلال ثلاثة أيام بعد جمعه إلى السكرتير العام، ليرسل من مركز الحزب إلى اللجنة المركزية في مدينة القدس باسم الثورة.

وتوضح الوثيقة السادسة من أوراق أمين فرح الصادرة عن فرع نيويورك، أن حزب سورية الجديدة، لم يكن نشاطه مقتصرا على منطقة ديترويت، بل كانت له فروع أخرى بعدة ولايات أميركية وبمناطق متفرقة في كندا والمكسيك.

وتمثل أبرز أهداف الحزب الذي ضم كلا من أمين فرح، عباس أبو شقرا، و محمود أبو الفيلات وغيرهم من المهاجرين العرب في الوقوف بوجه مطامع الأوروبيين في بلاد الشام كما يقول الدكتور بواردي، كما كان أكثر تنظيما و انتشارا من تنظيم سورية الحرة السري، لعدة أسباب، أبرزها نشر مناضليه لآرائهم وتطلعاتهم باللغة الإنكليزية، وكذا الضغط السياسي عن طريق التواصل مع أعضاء الكونغرس الأميركي لإطلاعهم على قضيتهم، وما ساعدهم في ذلك أيضا حسب المتحدث كونهم من المهاجرين المستقرين ماديا الذين جمعتهم قضية سورية.

كلل نجاح مناضلي حزب سورية الجديدة بعقد مؤتمرين، كان ثانيهما بولاية ميشيغن في 27  يناير/كانون الثاني عام 1927، وضم أعضاء الفروع في مختلف الولايات وكندا والمكسيك، حضره كضيوف كل من الأمير شكيب أرسلان، إلى جانب نسيب صيبعا وكانا يمثلان بلاد الشام في عصبة الأمم.

نواة الهوية العربية الأميركية

في عام 1929، زاد الاستيطان الصهيوني بنسب عالية و سلبت أراضي الفلسطينيين وممتلكاتهم، فأعلن الحاج أمين الحسيني في 16 مايو/أيار عام 1936 "يوم فلسطين" و دعا إلى إضراب عام، و بعد أشهر من الإضراب اندلعت الثورة التي عرفت  بـ "الثورة الكبرى" ضد الانتداب البريطاني على فلسطين، للمطالبة بالاستقلال، وإنهاء سياسة الهجرة الصهيونية المفتوحة.

وعبر العرب المهاجرون عن تضامنهم و مساندتهم بتأسيس تنظيم الجامعة العربية 1936- 1941، والذي حصلنا على وثيقة قانونه الأساسي، ويعتبر هذا التنظيم من بين أكبر المؤسسات السياسية العربية في المهجر، ونشط في مجال التعريف بالثقافة والتاريخ العربيين من جهة، و دعم الاندماج في المجتمع الأميركي من جهة أخرى.

الصورة
واشنطن 3

 

ونظمت الجامعة العربية أربعة مؤتمرات واعتبر مؤتمرها الرابع المنعقد بولاية ميشيغن ميلادا للهوية العربية الأميركية، إذ قال أحد المتحدثين بالمؤتمر ويدعى جوزيف جوزيف: "نحن عرب فخورون بإرثنا العربي، ولكننا فخورون أيضا بكوننا عربا أميركيين"، وتوضح كلمات المشاركين، إدراك أهمية وجود جالية عربية أميركية قوية ومنظمة.

و قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، ظهرت عام 1943 مؤسسة عربية أميركية سياسية جديدة، تدعى معهد الشؤون العربية الأميركية بنيويورك، أسسها فؤاد شطارة بمساعدة العديد من مؤيدي القضايا العربية، كان أبرزهم حبيب إبراهيم كاتبة، و انضم إليها الدكتور فيليب حتي أحد المختصين بشؤون الشرق الأوسط.

الصورة
واشنطن 4

كما حظي المعهد بحسب محدثنا بمشاركة وليام إرنست هوكينغ، وترمت روزفلت حفيد الرئيس الأميركي تيودور روزفلت و عميدة كلية برنارد هيلدا جيلدر سليف، وكان مديره الدكتور خليل طوطح.

استطاع المعهد الاقتراب من  مراكز صنع القرار بالولايات المتحدة أكثر من أي مؤسسة عربية أخرى، إذ تمكنوا من توصيل صوتهم للكونغرس و حتى البيت الأبيض، و لكنهم لم يكونوا بنفس قوة المؤسسات اليهودية والتي كانت تفوقهم تمثيلا و ميزانية بكثير، ولكن مع نهاية 1950 وبعد النكبة ازدادت المضايقات على أعضائه و داعميه، وتمت مقاطعة كل من يقدم الدعم المادي للمعهد العربي الأميركي،ما أجبر القائمين عليه على تعليق نشاطه عام 1951.