نقمة النفط التشادي... تلاعب بالعائدات وإهدار في شراء السلاح

الصورة
تبديد أموال النفط في شراء المعدات العسكرية
08 نوفمبر 2021
+ الخط -

بدا الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي متحسرا على كيفية إنفاق عائدات نفط بلاده، التي اعترف بالتصرف فيها بـ"بطريقة سيئة" وعدم انفاقها كما ينبغي، وفق ما قاله في حوار مع قناة TV5 Monde الفرنكوفونية في 25 يونيو/حزيران 2017. 

لكن على الرغم من مرور عدة سنوات عقب ذلك الاعتراف، لم تتغير طريقة التعامل مع تلك العائدات ولا عمليات الإنفاق، التي تخالف اشتراطات البنك الدولي لتمويل مشروع تطوير الطاقة الإنتاجية لحقول النفط وخط أنابيب من دوبا، جنوبي تشاد، وحتى سواحل دولة الكاميرون، بطول 1070 كيلومترا، عبر قرض بقيمة 140 مليون دولار أميركي، على أن تخصص نجامينا 80% من العائدات لقطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والزراعة والثروة الحيوانية، حسب ما تقول تيريز موكومبيه، العضو السابق في هيئة الرقابة والإشراف على الموارد البترولية CCSRP (تشكلت في عام 1999 من تسعة أعضاء، بينهم 4 من المجتمع المدني، وقاض في المحكمة العليا، ونائب برلماني، وعضو في مجلس الشيوخ (ألغي 2009 وأعادته التعديلات الدستورية عام 2020)، ومدير الخزينة والمدير الوطني للمصرف المركزي لدول وسط أفريقيا BEAC). 

وتضيف القاضية موكومبيه، التي تعمل في محكمة نجامينا الابتدائية، أن تشاد لم تلتزم بالشروط التي وضعها البنك الدولي، ولم يستفد المجتمع من موارد البترول كما يجب، وهو ما يؤكده النائب في البرلمان التشادي، الضرير بيرال مبيكو، لـ"العربي الجديد"، قائلا، "الناس يتساءلون أين ذهبت عائدات النفط ولماذا لم تؤدِ دورها في التنمية". 

ووافق البرلمان التشادي على شروط البنك الدولي في الثلاثين من ديسمبر/كانون الأول 1998. وفي 11 يناير/كانون الثاني 1999، صدر القانون رقم 001 بشأن إجراءات إدارة عائدات النفط من حقول كوميه ومياندوم وبولو، والذي تضمن فرض إجراءات صارمة على إدارة عائدات النفط على أن يكون الإشراف عليها من قبل CCSRP، وعمل وديعة مصرفية تبلغ 10% من الدخل المتوقع في حساب مجمد بسيتي بنك يتم تخصيصه للأجيال المقبلة، واستثمار 80% على الأقل في مشروعات تنموية متنوعة، فيما يتم تخصيص 5% لمناطق إنتاج النفط وإنشاء التجمعات السكنية على طول أنبوب النفط، وفق البرلماني مبيكو. 

كيف تم إنفاق عائدات النفط؟ 

بدأت صادرات تشاد النفطية في نوفمبر/تشرين الثاني 2003، لكن الدولة تسلمت أول عائداتها النفطية في يوليو/تموز 2004 بعد دفع الديون المستحقة للبنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي، بحسب ما ذكرته رئيسة قسم شمال أفريقيا في الوكالة الفرنسية للتنمية دلفين دوربو فالشير في كتابها "حوكمة النفط في تشاد: قانون إدارة العائدات"، الصادر في إبريل/نيسان 2005، والذي أوضح أن الإنتاج بلغ 63 مليون برميل في عام 2004، وبالمثل في عام 2005، علما أن سعر البرميل كان عند حدود 20 دولاراً أميركياً، بحسب المصدر ذاته. 

وتراجع إنتاج النفط إلى 46.4 مليون برميل في عام 2018، وزادت كمية الإنتاج في عام 2019 لتصل إلى 51.8 مليون برميل، فيما تراجع الإنتاج في عام 2020 نتيجة لتأثير كوفيد 19 ووصل إلى 27 مليون برميل، بحسب التقرير السنوي لمبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية تشاد EITI، الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2020، ويبلغ الإنتاج اليومي للنفط التشادي 140 ألف برميل، يتم تصدير 90% منها، بحسب تقديرات البنك الدولي لعام 2018. فيما تصل الاحتياطات المؤكدة إلى 1.5 مليار برميل، وفق المصدر ذاته.

وبلغ سعر برميل النفط التشادي 49.4 دولارا أميركيا في عام 2017، ووصل إلى 65.1 دولارا في 2018، وتراجع في عام 2019 إلى 61.4 دولارا، ليتراجع أكثر إلى 57.5 دولارا في عام 2020، وفق التقرير القُطري رقم 134/20 الصادر عن صندوق النقد الدولي في إبريل/نيسان 2020. 

ورغم كل هذه العائدات، يؤكد الدكتور دوباهيدي سامادنغار، أستاذ الاقتصاد بكلية الإدارة والاقتصاد في جامعة نجامينا الحكومية، لـ"العربي الجديد"، أن الحكومة التشادية لم توظف العوائد النفطية في القطاعات الأساسية وفق المتفق عليه مع البنك الدولي.

ما ذكره سامادنغار بدأ مبكرا، إذ يكشف جدول هيئة الرقابة والإشراف على الموارد البترولية (خلال الفترة من يوليو/تموز 2004 حتى يونيو/حزيران 2005) أن معدل التزام الوزارات ذات الأولوية بموارد النفط المخصصة مسبقا على النحو التالي: الثروة الحيوانية 3% والصحة العامة 10% والأعمال الاجتماعية 12%، والمياه والبيئة 39% والزراعة 43%، والأشغال العامة والنقل 86%، وتهيئة الأراضي والتخطيط العمراني 94%، والتربية الوطنية 95%، والتعليم العالي 95%، وفق تأكيد القاضية موكومبيه لـ"العربي الجديد"، وهو ما يؤكده ناصر النائي آدم، نائب عميد كلية العلوم الاقتصادية في جامعة نجامينا لـ"العربي الجديد". 

و"كان بإمكان الثروة النفطية التشادية دعم النظام التعليمي المتدهور، إذ إن تلميذاً واحداً من أصل ثلاثة ينجح في بلوغ الصف الأخير من المرحلة الابتدائية"، وفق التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع، الشباب والمهارات: تسخير التعليم لمقتضيات العمل، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في عام 2012. 

وسجلت تشاد، بحسب التقرير، نسبة 45% من الرجال و26% من النساء فقط ممن يملكون القدرة على القراءة، وهو ما يؤكد أن القوانين التي تنص على إنفاق إيرادات الموارد الطبيعية على قطاعات ذات أولوية لا يمكنها أن تضمن حصول قطاع التعليم على حصة كافية، ففي الاستراتيجية الوطنية للحد من الفقر، تم التخطيط لتخصيص 21% من ميزانية الفترة الممتدة من 2004 وحتى 2007 للتعليم، لكن ما خصص في الواقع 13% فقط".

"صحيح أنه لا يمكن نكران حصول قطاع التعليم على جانب من عائدات النفط، إذ تم بناء مدارس في ربوع البلاد، ومدرستين كبيرتين في كل دائرة من دوائر العاصمة، لكنّ الإنفاق لم يكن مدروسا، إذ لم توفر الحكومة موارد بشرية، كتوظيف عاطلين جدد للعمل في مجال التدريس" بحسب إفادة مدير الموارد البشرية السابق في وزارة التربية الوطنية محمد عبد الرحمن أليفا لـ"العربي الجديد".

غياب التوزيع العادل للثروة النفطية فجر الصراعات الأهلية 

والوضع في مجال البنية التحتية ليس بأحسن حال، إذ تم رصف 3 آلاف كيلومتر من الطرق خلال الفترة من عام 2005 وحتى 2020، وهي نصف المسافة التي كان من المقرر رصفها خلال تلك الفترة، حسب ما يقول جون جازفينيان، المدير التنفيذي لمركز الشرق الأوسط في جامعة بنسلفانيا ومؤلف كتاب "التكالب على نفط أفريقيا"، مضيفا لـ"العربي الجديد" أن الطرقات التي تولت رصفها شركة يملكها شقيق ديبي تتصدع بعد مرور عام من الرصف، ليعاد رصفها مجددا في كل عام بأموال تدفعها الحكومة. 

لكن طاهر عيسى، نائب مدير الشركة التشادية للهيدوركربونات (SHT)، يرد قائلا لـ"العربي الجديد":" صحيح، كان يمكن القيام بأفضل مما كان. لكن ينبغي ألا نكون متشائمين وننسى الفصول والطرق التي قامت الحكومة التشادية بإنشائها، مع الإشارة إلى بناء جامعات ومستشفيات في ربوع البلاد، وكل ذلك بفضل أموال البترول".

الإنفاق العسكري 

ذهبت الأموال المقتطعة من مخصصات قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية لشراء معدات عسكرية، حسب ما يقول البرلماني مبيكو، مضيفا: "تشاد، التي تصدر النفط على مدى عقدين من الزمن، استغلت العائدات في شراء الولاءات والصراعات الداخلية". 

ويؤكد تقرير "التخلص من لعنة الموارد" الصادر عن معهد المجتمع المفتوح ومركز دراسات السياسية في الجامعة الأوروبية المركزية في إبريل/نيسان 2004، نقلا عن أوليفر موكوم من خدمات الإغاثة الكاثوليوكية وأحد أعضاء هيئة الرقابة والإشراف على الموارد البترولية، استخدام الدولة قسماً من عائدات النفط لشراء أسلحة من دون العودة إلى المجموعة. ويشير التقرير ذاته إلى أن الحكومة التشادية تسعى جاهدة إلى التصرف بإيرادات النفط الوطني بعيدا عن سلطة ورقابة المجموعة. 

الصورة
تشاد 3

وقامت الحكومة التشادية، التي كانت تتعرض لضغط من قبل قوة تمرد، بإعادة توجيه الإنفاق العام إلى أهداف عسكرية، وارتفع نسبة الدعم العسكري من إجمالي الدخل المحلي غير النفطي من 2% في العام 2005 إلى أكثر من 14% في العام 2009، وفق التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع، وزاد الإنفاق على الجيش التشادي البالغ 40.7 مليون يورو في عام 2004 إلى 465.3 مليون يورو في عام 2010، وفق ناجيتولباي فريدريك، رئيس اللجنة الكاثوليكية لمكافحة الجوع من أجل التنمية CCFD terre solidaire (منظمة فرنسية غير حكومية) وعضو CCSRP ، مؤكدا لـ"العربي الجديد" أن الجيش التشادي خاض حروباً ضد جماعات متمردة، وعندما ضعف المتمردون، دخلت البلاد في حرب ضد الإرهاب وواجهت الجهاديين في مالي وقوات بوكو حرام. 

وزادت نسبة الإنفاق العسكري في دول أفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 3.4 في المائة في عام 2020 ليصل إلى 18.5 مليار دولار، وكانت أكبر الزيادات في تشاد بنسبة (+31 في المائة) ومالي (+22 في المائة) وموريتانيا (+23 في المائة) ونيجيريا (+29 في المائة)، وفق ما توثقه بيانات الموقع الرسمي لمعهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام، والصادرة في 26 إبريل 2021، لتدخل البلاد في دوامة لم تنته، إذ أدى غياب التوزيع العادل للثروة النفطية إلى تكاثر الحركات المسلحة وتفاقم الصراع في تشاد، حسب ما يقول لـ"العربي الجديد" الدكتور محمد صالح أيوب، أستاذ علم الاجتماع في جامعة نجامينا.

نظام تعليمي متدهور

تعويضات غير كافية للمتضررين

يبلغ عدد سكان تشاد نحو 15.9 مليون نسمة، وفق إحصاء عام 2019، والمستمد من قاعدة بيانات البنك الدولي، وتصنف تشاد على مؤشر التنمية الإنسانية لعام 2020 -الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة- ضمن أقل دول العالم نموًا، إذ جاء ترتيبها في المرتبة 187 من بين 189 دولة شملها المؤشر.

ولا تزال تشاد ضمن أكثر 20 دولة فسادًا على مستوى العالم، إذ حصلت على 20 درجة فقط من بين 100 كما يظهر على مؤشر تقرير الشفافية الدولية لعام 2020، وحلت في المرتبة 160 من بين 180 دولة شملها التقرير. 

الموارد النفطية لم تحد من الفقر في تشاد

وحدد القانون رقم 001 بشأن إجراءات إدارة عائدات النفط من حقول كوميه ومياندوم وبولو نسبة 5% من العائدات للمجتمعات المحلية، تعويضاً عن الإضرار الناتجة عن استخراج النفط، مثل تسرب النفايات وشق الطرقات في الحقول الزراعية، بيد أن المتضررين لم يحصلوا على تعويضات كافية، وفق ما أكده أوليڤر موكوم، لـ"العربي الجديد" مشيراً إلى أن شركة إكسون موبيل قدمت لبعض المتضررين دراجات ومعاول ومحاريث والقليل من المال، ووقعوا على عدم إمكانية مطالبة الشركة بشيء في المستقبل، وفق قوله. 

وقدمت شركة إكسون موبيل ما بين 200 إلى 900 دولار لقرابة 1600 مزارع، من دون إمكانية عودتهم إلى عملهم، حسب وعودها السابقة لهم، كما يقول أرنولد دنقامناجي، رئيس منظمة الدفاع عن المتضررين من استخراج النفط في تشاد، والذي لفت إلى أن 10% فقط ممن حصلوا على تعويضات بات بإمكانهم ممارسة عملهم، لكن المزارع جيدانقار ديدا يرى أن تعويضه بمبلغ 600 دولار غير كاف، كما يقول لـ"العربي الجديد" مضيفا: "هذا مبلغ قليل تبدد سريعا بعد التغيرات التي وقعت لمنطقة كوميه ودوبا مع وصول آلاف العمال الأجانب للعمل في استخراج النفط".