الفساد في موريتانيا... ترقيات وتعيينات للمتورطين في مخالفات مالية

نواكشوط
أبو بكر سالم
نواكشوط
لحبيب ولد حدي
01 نوفمبر 2020
+ الخط -

لم تتجاوب السلطات الموريتانية مع مطالب البرلماني محمد الأمين سيدي مولود (معارض مستقل)، وزملائه النواب المطالبين بإقالة مسؤولين حكوميين، وثقت تقارير محكمة الحسابات "تورطهم في مخالفات مالية"، تنوعت بين "اختلاسات وإبرام عقود غير شرعية وعقود خدمات مجاملة"، وفق ما جاء في التقارير الصادرة عن أعلى هيئة للرقابة على الأموال العمومية، في يونيو/حزيران 2014، وإبريل/نيسان 2017 وأكتوبر/تشرين الأول 2017، ويوليو/تموز 2019. 

تجاهل الحكومة تقارير محكمة الحسابات، يراه النائب عن حزب التحالف الشعبي التقدمي (قومي) اسغير ولد العتيق تأكيداً على أنه "لا قيمة لعملها"، ما لم يتم توقيف المتورطين بالفساد، لأن غض الطرف عنهم يشجعهم على مواصلة المخالفات، والأنكى من ذلك، يقول ولد العتيق: "بدلا من محاكمتهم، تم تعيين بعضهم في مناصب جديدة، واستمر آخرون في مناصبهم"، متهما رئيس الجمهورية محمد ولد الغزواني، بغض الطرف عن توقيفهم، "كما هو الحال مع سلفه محمد ولد عبدالعزيز، كمن يؤمّن للمجرم حماية من المحاسبة أمام العدالة"، وهو ما يكشفه التحقيق عبر توثيق حالة وزراء عملوا في فترتي ولد عبدالعزيز، وولد الغزواني، ومسؤولين آخرين ما زالوا في مناصبهم الحكومية، رغم "تورطهم في المخالفات المالية". 

ومن بين الوزراء الذين عملوا مع ولد عبدالعزيز، وعُينوا في عهد الغزواني، الدكتور سيدي ولد سالم، الذي ترأس الشركة الموريتانية للبناء والتسيير العقاري (سوكوجيم) من 21 سبتمبر/أيلول 2005 حتى 5 فبراير/شباط 2009، ويشغل حاليا منصب وزير التعليم العالي وتقنيات الاتصال والإعلام في الحكومة التي تم تشكيلها في التاسع من أغسطس/آب الماضي، ومنصب الناطق الرسمي باسم الحكومة. 

وزيران متورطان باتهامات الفساد 
شهدت شركة سوكوجيم "مخالفات مالية" خلال ترؤس الدكتور سيدي ولد سالم لها، وفق تقرير محكمة الحسابات الصادر في إبريل/نيسان 2017. ومن بين المخالفات: "منح مبالغ غير مبررة لصالح البنك الموريتاني للتجارة الدولية (BMCI) بمبلغ 381.5 مليون أوقية (10 ملايين و95 ألف دولار) على شكل وثائق احتساب مستحقة وغير مسددة. لكنه بعد التثبت من الوثائق تم التأكد من عدم وجود هذا الاحتساب المستحق وغير مسدد". 

يفسر الخبير الاقتصادي محمد يسلم ولد الفيلاني، والذي يدير مكتبا استشاريا في مجالات المالية والضرائب الدولية والتشريعات في لندن، ما سبق قائلا إن "المصاريف غير مبررة، أساسها عقد مع bmci احتوى على معلومات مغلوطة، وفيها تزوير أوراق وعقود وهمية، ولم توفر الوثيقة معلومات تحليلية بحسب المحكمة"، مضيفا أنه "يوجد عقد واحد والملحقات لتبرير مرور العقد، أي أن الاحتسابات غير موجودة في الأصل، أو لم تتوفر إثباتات لتلك العلاقة". 

ويعتبر تقرير محكمة الحسابات الصادر في إبريل 2017 أن هذه "المبالغ غير المبررة من شأنها أن تشكل اختلاسا" وفقا للمادة 379 من المدونة الجنائية الصادرة في 9 يوليو 1983، ولضمان حق الرد تواصل معد التحقيق مع الوزير ولد سالم من خلال تعبئة "استمارة طلب مقابلة وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتقنيات الإعلام والاتصال" تضمنت الغرض من اللقاء، فضلا عن التواصل تليفونيا لكنه لم يتجاوب. 

موريتانيا تتراجع سنوياً وفق مؤشر مدركات الفساد

وشغل المسؤول الثاني، الناني ولد اشروقه، منصب وزير الصيد والاقتصاد البحري خلال الفترة من 12 فبراير/شباط 2014، حتى 29 أكتوبر/تشرين الأول 2018، ووزيرا للإسكان والعمران والاستصلاح الترابي من نوفمبر/تشرين الثاني 2018، حتى إعادة تعيينه وزيرا للصيد في الحكومة السابقة التي تم تشكيلها في 22 من أغسطس/آب 2019 وقدمت استقالتها في 6 أغسطس الماضي. 

ووثقت التقارير مسؤوليته عن غياب الإطار القانوني المنظم لتسعيرة الولوج إلى الثروة وسوء ضبط سجلات ترقيم سفن الصيد وغياب وثائق المنافسة وغياب الوثائق المتعلقة بتنفيذ الصفقات وإبرام عقود مجاملة خلال عمله في الوزارة خلال الفترة من 12 فبراير 2014، حتى 29 أكتوبر 2018، وفق تقرير محكمة الحسابات 2016 /2017) الصادر في يوليو 2019، والذي أكد أن "الوزير وقع عقد إسداء خدمات لمدة غير محددة بمبلغ سنوي قدره 5.4 ملايين أوقية (142 ألف دولار) شهريا في الـ 12 من يونيو 2014، واعتبر التقرير أن "العقد غير شرعي ومجامل". 

وفي 1 فبراير 2016 وقع ولد اشروقة "عقد إسداء خدمات بمبلغ سنوي قدره 13 مليون أوقية (344 ألف دولار) شهريا وهو ما اعتبرته محكمة الحسابات عقدا غير شرعي مجاملا، بسبب توقيع العقد بالتراضي من دون الرجوع إلى أي نوع من المنافسة، الأمر الذي تعتبره بعثة المحكمة مجاملا ومبالغا فيه". 

الاحتماء بالحزب الحاكم 
إلى جانب تعيين مسؤولين متهمين بالتورط في مخالفات بمناصب جديدة، استمر آخرون في قيادتهم قطاعات حكومية حتى الآن، ومنهم القيادي السياسي البارز في الحزب الحاكم، دب ولد زين، الذي يترأس الصندوق الوطني للتأمين الصحي منذ مارس/آذار 2015، رغم تأكيد تقرير محكمة الحسابات للعامين 2016 و2017 الصادر في يوليو 2019 على "مخالفات في إبرام عقود مجاملة"، منها "إبرام عقود مساعدة قانونية مع المستشار القانوني السابق الذي استفاد من حقه في التقاعد، لمدة 6 أشهر في 3 نوفمبر 2015 بمبلغ 3.2 ملايين أوقية (84 ألف دولار)، لكنه استمر في الحصول على أتعابه إلى 30 يونيو 2017 (الشيك رقم 3411-221 البنك المركزي)"، وللحصول على حق الرد، التقى معد التحقيق، ولد زين، الذي لم ينفِ ذلك ولم يؤكده، قائلا: "هذا شأن داخلي بين الصندوق والمحكمة، ولن أرد عليه عبر الصحافة". ولدى رد مُعد التحقيق بأن "هذا لم يعد شأنا داخليا بينكما، بل هذه أموال شعب والمحكمة نشرت تقاريرها السنوية للرأي العام وهذه فرصتكم للرد على المحكمة من خلال "العربي الجديد"، أجاب ولد زين: "ردي على الاتهامات أبلغتها إلى محكمة الحسابات في وقته، ولن أضيف جديدا، ولن أسلم لكم الرد المكتوب الذي سلمته للمحكمة". 

ويعتبر النائب سيدي مولود أن "تجديد الثقة لهؤلاء خطأ سياسي كبير لا يصححه غير إقالتهم وإخضاعهم للمساطر القانونية المفترضة في مثل هذه الحالات".

ويشير تقرير محكمة الحسابات الصادر في يوليو 2019 أن المدير السابق لميناء نواكشوط حسنة ولد أعلي، لديه مشاكل مالية في حساب البيع نقدا، خاصة بالرصيد وضعف نظام الرقابة الداخلية وعدم نجاعة إدارة الرقابة وعدم احترام البنية الهيكلية وعدم ملاءمة التخصصات مع الوظائف وصرف مزايا من دون موافقة الوزارة الوصية وتكفل غير مبرر بالديون ومشاكل في مخصصات الحج عبر منح مزايا غير مستحقة لرئيس وأعضاء مجلس الإدارة بمجموع 4 ملايين أوقية قديمة خلال الفترة المراقبة، وتسبيقات مالية غير شرعية لصالح رئيس مجلس الإدارة جعلته مدينا بحوالي 7 ملايين أوقية قديمة وعدم استرداد تسبيقات وقروض لبعض العمال، واتفاقية مساعدة فنية مع أحد مفوضي الحسابات بما يشكل تعارضا للمصالح وهبات وإعانات غير شرعية وخسارة كبيرة في الحقوق على البضائع وتراكم متأخرات كبيرة على الزبائن وعدم وجود ضمانات مصرفية لأغلب مستغلي الميناء وإبرام "عقود إشهار مجاملة". وبالرغم مما سبق، عُين ولد أعلي مديرا للشركة الوطنية للصناعة والمناجم "اسنيم" في 7 نوفمبر 2018 (أقيل منها في أغسطس 2019) أي بعد أشهر من إقالته من إدارة ميناء نواكشوط الذي أمضى فيه 3 سنوات من 2015 إلى 2017.

تراجع موريتانيا في مؤشر مدركات الفساد 
على الرغم من وجود ملفات فساد عديدة تضمنتها تقارير محكمة الحسابات في قطاعات حكومية مختلفة، وبعض المتسببين بها ما زالوا يديرون تلك القطاعات، إلا أن لجنة التحقيق البرلمانية (شُكلت بموجب المادة 11 من الأمر القانوني رقم 92-03 الصادر في 18 فبراير 1992 والمتعلق بسير عمل الجمعيات البرلمانية، والمادتين 123 و124 من نظامها الداخلي، والقرار رقم 01 الصادر في 30 يناير/كانون الثاني 2020) حققت في 11 ملفا فقط، وفق ما جاء في التقرير الذي سلمته لجنة التحقيق إلى القضاء نهاية يوليو الماضي. 

لجنة تحقيق برلمانية حققت في 11 ملفاً للفساد فقط

وكشفت نتائج تقرير لجنة التحقيق البرلمانية "اندفاع الدولة في ميدان البنى التحتية والعقارات في إبرام عقود، ما كان لها أن تبرم، إلا وفقا لمسطرة الصفقات العمومية، وفي بعض الحالات النادرة طبقا لمسطرة الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص"، والذي أحصى 109 "من العقود في ملف البنى التحتية بمبلغ يصل إلى 430 مليار أوقية قديمة (11 مليارا و229 مليونا و448 ألف دولار)". "ولا يمكن أن نصدق أن الدولة كانت تجهل حجم الخروقات القانونية المرتكبة، ما دامت 89% من هذه الصفقات تمت عن طريق التفاهم المباشر"، كما تقول لجنة التحقيق البرلمانية. 

تضاعف الدين الخارجي المستحق على موريتانيا

الوقائع السابقة أدت إلى تراجع موريتانيا في مؤشر مدركات الفساد لثلاثة أعوام متتالية، إذ حلت في الدرجة 142 عالميا في عام 2016، وفي المرتبة 143 في 2017، وفي عام 2018 حلت في المرتبة 144. وهي مؤشرات قوية على استشراء الفساد في موريتانيا، وفق ما يقول المحلل الاقتصادي الموريتاني، الحسين محمد عمر، مشيرا إلى تضاعف الدين الخارجي المستحق على موريتانيا، من ملياري دولار في 2008، إلى 3.57 مليارات دولار في 2013، ثم 3.83 مليارات دولار في 2016، فيما بلغ 5.21 مليارات دولار في العام 2018، وفق ما جاء في قاعدة بيانات البنك الدولي، مؤكدا أن الفساد مع تلك الديون خطر بالغ على الاقتصاد، خاصة أن الحكومة تعتمد في 70% من موازنتها السنوية على الضرائب.