مهرجان أولجو لسينما الجبال: أسئلة الطبيعة وموقع الإنسان فيها

مهرجان أولجو لسينما الجبال: أسئلة الطبيعة وموقع الإنسان فيها

10 ابريل 2022
فيلم الافتتاح الأميركي عنوانه "المتسلّق"، وهو وثائقي عن متسلق جبال كندي (فيسبوك)
+ الخط -

تعقيدٌ يُخفِّف منه تنظيم. لعلّ هذا العنوان مناسب لوصف السفر إلى كوريا الجنوبية في زمن كورونا. أيامٌ قليلة قبل موعد إقلاع الطائرة، كان يبدو حلم المغادرة مُشوّشاً، بينما محاولات التخفيف من القيود على أشدّها. دخول كوريا الجنوبية يستلزم حجراً لـ7 أيام، وللإعفاء منه تتوجّب معاملات عدّة. لكنّ، المُقامة دورته الـ7 بين 1 و10 إبريل/نيسان 2022، يسعى ـ بتنظيمٍ مدهش ـ إلى إحضار ضيوفه، وتوفير أكبر قدر ممكن من التسهيلات الصحّية.

في مطار سيول، صفٌّ طويل لحاملي الوثائق المطلوبة، وآخر أطول منه للّذين لا يملكونها. أوراق عدّة يحملها كلّ قادم، وأملٌ بالتخلّص من بعضها أمام كلّ كوّة يتضاءل. كلّ ما يحصل يكمن في وضع أختامٍ عليها، وربما تُضاف إليها ورقة أخرى. أوراقٌ قبل الرحلة وبعد الوصول، يتوه المرء في أيّ منها يجب تسليمها عند كلّ كوّة، ويكون الحلّ بوضعها كلّها أمام الموظّف ليختار بنفسه.

المسافر ملزمٌ باتباع خطوط صفراء أو حمراء، يقوده دليلٌ بزيّ ظهر على الشاشات الصغيرة أيام كورونا الأولى. كأنّها كائنات فضائية مخفيّة خلف أردية زرقاء أو بيضاء، ونظّارات وكمامات، لا يصل منها سوى همهمات، يحاول الأجانب تخمينها. كأنّنا هبطنا في مستشفى، لكنْ في كوكبٍ آخر. قلقٌ قبل الوصول، وقلقٌ بعده، خشية نقصان ورقة، ما يُهدِّد المُخالِف بوضعه في أول طائرة مغادرة، ليعود إلى حيث أتى.

سرعة في الإجراءات رغم كثرتها، وكثرة عدد الواصلين. تنظيم مُدهش. استقبالٌ متحفّظ مهذّب. يُجمع الأجانب المُعفَون من الحجر في ركن، يُمنع الخروج منه إلى لحظة اكتمال عدد المتوقّع حضورهم، ليُقاد الجميع في حافلة إلى مكان "مؤقّت"، كما يُطلقون عليه، لإجراء فحص كورونا، وانتظار نتائجه، قبل المغادرة إلى وجهتهم. كان فندقاً. عند الوصول، هناك مدخّنون بدوا كأنّهم وصلوا إلى جنّة، تمثّلت بشارع ضيّق للغاية، ومُعتم، يطلّ عليه الفندق. تمهّلوا قبل الدخول، وأشعلوا سجائرهم. لكنْ، لم يتسنّ لهم التدخين كثيراً، إذْ "ممنوع الوقوف" خارج المكان المخصّص لحجرهم، وممنوع التنفّس خارجاً. تُقاد المجموعة إلى ردهة الفندق التي تحوّلت إلى مكان يُشبه صفّاً مدرسياً، مع طاولات فردية عليها أوراق وأقلام. كأنّ كلّ ما حُمل من أوراق لا يكفي، إذْ يجب تحميل تطبيقات على الهاتف من الهيئة الصحية لتعبئتها أيضاً.

ارتباكٌ وأسئلة وتشويش، وموظّفون في زيّهم الفضائي، لا نرى منهم شيئاً. لكنّ مساعدتهم تأتي في الوقت المطلوب لإزالة كلّ عقبة أمام ضيوفٍ مُنهكين ومستغربين، في أجواء لا مكان فيها لحوار إنساني بين بعضهم البعض، فالجميع يريدون الخلاص، والوصول إلى الغرف، كأنّ كلّ شخصٍ ينظر إلى الآخر على أنّه، هو أيضاً، ينتمي إلى كوكبٍ آخر.

أجواء غريبة، وعالم بارد ثقيل، تُبعث فيه إلى الغرفة، مع كيس طعام. غرفة فندق عادي، إلاّ أنّها تحتوي على ما لا يقلّ عن 10 ليترات من المياه المعدنية، ومستلزمات قضاء أيام الحجر، من فرشاة أسنان إلى أكياس الزبالة.

يجب الانتباه: هناك صوتٌ غريب، كالذي يُسمَع في أفلام الفضاء، يُعلن ـ بعد رنّ جرس إنذار ـ بأنّ الأكياس يجب أن توضع أمام الباب كلّ صباح. الصوت نفسه يُعلن أنّ هناك وجبة طعام تنتظره. وعندما تكون النتيجة سلبية، يُسمَح للمحجورين ـ بعد أقلّ من 24 ساعة على وصولهم ـ بتنفّس هواء حرية محدودة، ثم يذهب كلّ واحد منهم إلى وجهته.

هل يكفي حبّ السينما وحده لخوض التجربة؟ بالتأكيد، هذا جزء أساسي. لكن أيضاً المغامرة بحدّ ذاتها، في هذا الزمن العجيب، ورؤية تلك القارة الآسيوية، التي اشتهرت بصرامة تنفيذ الإجراءات. والفضول أيضاً، للتعرّف على مهرجانٍ جديد في نوعه، متخصّص بأفلام الطبيعة، الجبال منها تحديداً، كونه يقام في مقاطعة تقع جنوب شرق كوريا الجنوبية، مُحاطة بالجبال، وسياحية، وتتمتّع بجو دافئ نهاراً وبارد ليلاً، أقلّه في هذا الوقت من السنة.

افتتاحُ المهرجان، بشعاره "دائماً معك"، والطبيعة مكوّن رئيسيّ في فعالياته كلّها، من عروض وغناء وألعاب ونقاشات، كان في صالةٍ ضخمة خارجية، كأنّها نفق مفتوح من الجهتين. كلّ شيء جاهز لمواجهة البرد الليلي: مقاعد عليها مساند مُدفّأة بوسيلة طبيعية، وأغطية صوفية، وكتل محشوّة بمادة، يكفي تحريكها لتبثّ دفئاً في اليدين. اهتمام بالضيوف الأجانب، مع أجهزة ترجمة فورية، ومُقَدِّم إضافيّ للحفلة يُتقن لغة الإشارة. كلّ ما يدلّ على إمكانياتٍ، يتمتّع بها المهرجان، المدعوم من السلطات المحلية والوطنية. التكريم هنا ليس لنجمٍ سينمائي، بل لبطل رياضي من أبطال تسلّق الجبال. إنه هونغ بين كيم، أوّل شخص معوَّق يتسلّق الجبال الـ14 الأعلى في العالم، التي تُسمّى مجتمعةً 8 آلاف، وهذا رغم فَقْدانه أصابعه الـ10، بعد بلوغه القمّة العريضة، التي يبلغ ارتفاعها 8047 متراً، الواقعة في سلسلة جبال كاراكورام، على الحدود الباكستانية الصينية.

فيلم الافتتاح أميركي: "المتسلّق" (2021)، لبيتر مورتيمر ونايك روزن. وثائقيّ أًنجز بتعاون مُتسلّق جبال كندي شاب مع مخرج سينمائي متمرّس في الجبال. مارك أندريه لوكلير يتسلّق فقط من أجل متعة التسلّق. يُزيد على موهبته شغفَه وبراءته. معه، حدث تطوّر في تسلّق الجبال الفردي الحرّ. طول الرحلة، التي استمرت عامين صعوداً إلى قمم جبال الألب العالية، وشلالات المياه المتجمدة شديدة الانحدار، يستكشف بيتر علاقة مارك بالطبيعة، وبحثه الذي لا هوادة فيه عن المغامرة، والمخاطر التي يتحمّلها لمتابعة شغفه.

أما فيلم الختام، "ليلة الغابة"، للألمانيين أندريه هورمان وكاترين ميلههن، فقصّة طفلين بلغا سنّ الرشد، وفهِما عائلتيهما من خلال المشي لمسافات طويلة. بول وماكس صديقان حميمان. في بداية العطلة الصيفية، هربا إلى البرّية، متابِعَين القرائن التي خلّفها والد بول. في رحلتهما، يواجهان تحدّيات أكبر بكثير مما كانا يتخيّلانها، ما دفعهما إلى مواجهة أفضل مخاوفهما، واكتشاف نقاط قوتهما الحقيقية. كما في هذا النوع من الأفلام، تمثُل الطبيعة في تصوير رائع معتنى به وبكادراته، وتكون عاملاً مهمّاً في اكتشاف الذات، وقدراتها وحدودها. هذا يثير اهتمام المُشاهد، ويحثّه على التفكير، ويبعث فيه مشاعر جديدة، وربما اهتمامات مستقبلية، بعد أنْ توقظ فيه ما لم يُفكّر به يوماً ربما. هنا تكمن قدرة هذه السينما، التي تكتفي أحياناً بالصورة لإثارة غنى التجارب الإنسانية، والدفع إلى التأمّل فيها. السينما، هنا أيضاً، أداة ثقافية للتبادل بين الشعوب، ولهؤلاء الذين يحبّون الجبال والسينما معاً.

في الدورة الـ7 للمهرجان، هناك 148 فيلماً من 42 بلداً، تُعرض في صالات مغلقة ومفتوحة. المسابقة الرسمية تتضمّن 30 فيلماً من 14 دولة، مُقسّمة على 3 عناوين: "تسلّق الجبال"، و"استكشاف المغامرة"، و"ناس الطبيعة". معظمها أفلامٌ وثائقية قصيرة وطويلة، لا سيما من سويسرا، ضيف الشرف.

لكنْ، للروائية مكانٌ أيضاً، لا سيما في أقسام أخرى عدّة، أهمّها مسابقة الفيلم الآسيوي، التي تمنح فيها هيئة ترويج السينما الآسيوية "نتباك" جائزتها. في مسابقة الفيلم الآسيوي، فيلمان عربيان: "ريش" (2021) للمصري عمر الزهيري، وروائي قصير (15 دقيقة) لافت بكادراته وفكرته: "ثم يأتي الظلام" (2021) للّبنانية ماري روز الأسطى. فيه، يسود ضبابٌ، وتهبّ رياح عاصفة، وتتحوّل الغابة إلى ظلام، مع رجلين يقطعان شجرة في غابة، في أحد جبال لبنان، ويحاولان سحبها كجثة. إنه انهيار العلاقة بين الطبيعة والإنسان، ويعقب هذا انتقامٌ ما.

فيلم روائي قصير آخر (34 دقيقة)، ولوحة حنونة مثيرة للعواطف: "بدونك" (2021) للمخرج الشاب جيه هون بارك. اعتاد زوجان عجوزان العمل بوّابَين في صالة للاحتفالات. حين يتفشّى كورونا، تُغلق الصالة. ومع مرور وقت طويل على بقائهما معاً، تتعزّز علاقتهما، ويُفكّران بترسيخها، والاحتفال ـ ولو مرة في حياتهما ـ في الصالة التي يعملان فيها. صورة مؤثّرة عن علاقة إنسانية، تقوى مع الزمن ومصائبه. أما الوثائقي "أُشيكا رياح التغيير" (2021)، للكوري ميونغ يون كيم، فيتناول حياة أناسٍ اختاروا التخلّي عن حياة المدن، للعيش في قرية صغيرة وسط جبل أوشيكا مورا في اليابان، ويرصد بدقّة التغييرات التي تطرأ على الطبيعة، وعلى حياة سكّان الأماكن المعزولة، مع المشاريع البنائية. هذا عبر قصّة سايمون، الذي جاء من إنكلترا قبل 30 عاماً، وأقام في هذه القرية، التي ترحّب بالوافدين الجدد، ساعياً إلى حياة هادئة، تسير على إيقاع بطيء. لكنْ، منذ بداية حفر الأنفاق عبر الجبال، بدأت تغييرات عدّة تحدث.

يعرض هذا القسم أيضاً أفلامٌ روائية طويلة، كـ"حتّى الغد" (2022) للإيراني علي أصغري، و"شجرة الجوز" (2020) لمحمد حسين مهدويان، عن قصف قوات صدّام حسين قرية كردية بالمواد الكيمائية. في "بانوراما"، عُرض "سبايا" للكردي العراقي هوجير هيروري، الذي يُثير قضية الإيزيديات المختطفات من قبل "داعش".