منصة Omegle... إغلاق عالم من العشوائية اللامتناهية

منصة Omegle... إغلاق عالم من العشوائية اللامتناهية

24 نوفمبر 2023
مساحة تنتمي لزمن ما قبل تسريب المعلومات وتقنين المحتوى (كارستِن ريدِر/ فرانس برس)
+ الخط -

ودّع كثيرون خلال الأيام الماضية منصة "أوميغل" (Omegle) للتعارف العشوائي التي دشنت منذ 13 عاماً؛ إذ أعلن القائم عليها أنها ستغلق للأبد، وتختفي من عوالم الإنترنت، لتنضم إلى متحف التطبيقات والخدمات المنقرضة، كمتصفح الإنترنت "إكسبلورر"، وبرنامج المحادثات "إم إس إن ماسينجر"، ومتصفح الصور الخاص بـ"غوغل". تلك التطبيقات عرفها جيل الألفية الثانيّة، ولم يسمع بها جيل زِد.

واجهت "أوميغل" دوماً مشكلة بسبب غياب الرقابة على محتواها، خصوصاً أن التعارف العشوائي عبر الفيديو تحول إلى نكتة متكررة، سواء بسبب المحتوى الإباحي الذي يفاجئ المتصفحين بشكل دائم، أو تحوله إلى مساحة للتحرش بالأطفال. وهي المفارقة التراجيدية التي تحولت إلى نكتة متكررة، إلى حد أن مسلسل "ساوث بارك" الشهير أنتج حلقة كاملة عن هذه المساحة الخطرة، ساخراً من انتشار المستخدمين المستعدين دوماً لاستعراض أنفسهم، وإيقاع المتصفحين في حبائلهم. لكن، بالطبع، نقرة واحدة تكفي للانتقال إلى مستخدم آخر. وهذا بالضبط عنصر الغواية في "أوميغل"، أي إمكانية الانتقال من شخص إلى آخر، من دون أي سبب سوى الرغبة الشخصية. لا خوارزميات ولا رقابة، مجرد عشوائيّة لا متناهية.

المنصة التي أنشئت عام 2009 قائمة على لقاء بين غريبين، عشوائية المنصة تصلهما مع بعضهما البعض، تحت شعار "الإنترنت مليء باللطفاء، فلنلتقِ بهم". الأمر أشبه بِرهان؛ إذ لا يمكن أن نعرف من سنلتقي، وإن كان عارياً مثلاً أم لا، لطيفاً أم متنمراً. تسبب هذا في وجود مئات الفيديوهات المنتشرة على "يوتيوب" عن أشكال لقاءات غريبة تحول بعضها إلى لعبة، كما في الفيديوهات الشهيرة للمستخدم Hyphonix الذي يصف نفسه بـ"الأصلع غريب الأطوار على أوميغل"، والذي يستفيد من المنصة لتصوير مقالب مرعبة توقع بالمستخدمين، مقالب لاقت رواجاً، وأكسبت Hyphonix أكثر من مليون متابع.

غواية "أوميغل" سببها المجهولية، لا أحد يعرف الآخر، هي أشبه بمغامرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها. الغرباء كلياً يلتقون للحديث أو الرقص أو الغناء، أو كما قرار المحكمة الصادر أخيراً، لغواية الأطفال ودفعهم إلى ممارسة أفعال إباحية ومشينة. وهذا بالضبط ما حول المنصة إلى مساحة خطرة، انتهى أمرها بتسوية سريّة، من خلال دفع 22 مليون دولار لامرأة، اتهمت المنصة بأنها سهلت تعرضها للابتزاز والتعنيف حين كانت بعمر الـ11 عاماً، لتكون الضربة القاضية بعد أكثر من 50 دعوى مشابهة، ذكر فيها اسم "أوميغل".

الشهادات والتسجيلات حول الغرائب في المنصة منتشرة في كل مكان، خصوصاً أنها لا تنتمي للشكل الجديد من وسائل التواصل الاجتماعي التي تمنع وجود المجهولين، بل تفرض على أًصحاب الحسابات تأكيد هويتهم، كـ"فيسبوك" و"إنستغرام" و"إكس". غواية أن تكون مجهولاً لم تعد مقبولة في عالم شديد التواصل، وخاضع لخوارزميات تصل كل واحد منا مع ما يتناسب مع محتواه السابق. وهنا بالضبط كانت "أوميغل" رائدة. لا شيء يُفرض على أحد، بل إن شروط استخدامها لم تعدل سوى مرة واحدة عام 2022.

هي مساحة تنتمي لزمن ما قبل تسريب المعلومات والخوارزميات وتقنين المحتوى، ذاك الزمن الذي كان فيه الإنترنت مكاناً "خطراً"، ولا بد من الحذر عند استخدامه. نفى مؤسس "أوميغل"، ليف كيه-بروكس، غياب الرقابة على محتوى الموقع ومستخدميه، لكن وثائق المحكمة تقول إن بروكس هو الموظف الوحيد في الشركة، التي أسسها حين كان بعمر 18 عاماً. في حين أن "فيسبوك" يوظف نحو 15 ألف مراقب محتوى، ويراهن "إنستغرام" على الذكاء الاصطناعي. أما "إكس"، وعلى الرغم من طرد إيلون ماسك آلافاً من مراقبي المحتوى، فإنه أكد أمام الاتحاد الأوروبي أنه سيستخدم الذكاء الاصطناعي وعدداً من المراقبين، إلى جانب تفعيل الرقابة التي يمارسها المستخدمون أنفسهم عبر ميزة "ملاحظات مجتمع المستخدمين". حتى "ريدِت" نفسه يحوي نحو 900 شخص مع اختلاف أسلوب عملهم، لكن الجهد البشري موجود.

المفارقة الغريبة أن "أوميغل" الذي أغلقه بروكس طوعياً بقوله إن "الإدارة لم تعد ناجحة، مالياً أو نفسياً. بصراحة، لا أريد أن أصاب بنوبة قلبية وأنا في الثلاثينيات"، لا يحوي سوى مراقب محتوى واحد، وهو بروكس نفسه، والباقي، حسب قوله، متطوعون.

اللافت، وعلى رغم كل السمعة السيئة التي لاحقت الموقع، حقق مطلع هذا العام أكثر من 70 مليون زيارة خلال شهر واحد. وهنا المُستغرب في الدعوى القضائيّة، كونها استهدفت "شكل" الموقع، بوصفه منصة لا تحوي ما يكفي من التحذيرات. فقط سؤال واحد: "هل عمرك أكثر من 18 عاماً؟". تقول المدعية: "لا حاجة حتى لوضع تاريخ الميلاد"، أي نقرة واحدة فقط تكفي لدخول عوالمه، إذ يحمي "أوميغل" مستخدميه من الملاحقة القانونيّة، لينتهي الأمر باتهام المنصة بأنها تسهّل "الاتجار بالبشر". التهمة التي لم تَثبت، لكن، ألا يمكن أن تطلق على منصات، أخرى كـ"أوميغل"، أو الموقع الإباحي الشهير "بورن هاب" الذي أزال العام الماضي ملايين الفيديوهات المسربة؟ أو تطبيق إنستغرام نفسه الذي كُشف منذ فترة عن حلقة اتجار بالأطفال ضمن صفحاته؟ ربما نعم. لكن يبدو أن قدرة "أوميغل" على مواجهة الدعاوى القضائية أقل. لماذا؟ لعلّ غياب الإعلانات، وضآلة رأس المال الذي لا بدّ من الحفاظ عليه، سببان مرجّحان.

المساهمون