سوشيلا رامان: الموسيقى في مختبر العالم

30 سبتمبر 2020
الصورة
تحضر الآلات الهندية وتمتزج أصواتها بالآلات الغربية (جون سوبر/ ريدفيرنز)
+ الخط -

انطلاقاً من ألبومها الأول، salt rain، عام 2001، وصولا إلى ألبومها السابع الأخير، ghost gamelan، الصادر عام 2018، سعت المغنية البريطانية من أصل هندي سوشيلا رامان (Susheela Raman)، إلى توسيع اختباراتها الموسيقية ضمن خطوات منتقاة بعناية، حرصت فيها على تقديم أعمال غنائية متفردة في الذوق، نابعة من حسية عالية في المغنى والأداء، وتطمح لبناء علاقة موسيقية بين ثالوث الإنسان والطبيعة والأرض.
عملية الانتقاء هذه، لا تخضع إلى ضوابط وحدود عند رامان. جرأة أعمالها وعروضها المتنوعة، التي تدور في فلك القديم والمعاصر، تكشف لنا عن دراسات وبحوث بذل لها الكثير للوصول  إلى صيغ تركيبية تنتشل الفنون الموسيقية من نمطيتها وتمنح أفقاً أوسع للتجريب. ليس على صعيد المهنة فحسب، فهي لا تكتفي بالتسلل  بين مختلف الأنماط الموسيقية (سول، روك، موسيقى العالم، آر آند بي، فولك، جاز، كانتري) ودمجها بشكل خاص مع الموسيقى الكارناتيكية، التي تعتبر شكلا موسيقيا  شعبيا مرتبط بالولايات الواقعة جنوب شبه القارة الهندية، بل تدأب باحثة عن روابط ثقافية لمشتغلين موسيقيين من مختلف الجنسيات والاعراق في عملية  خلق علاقات موسيقية واثبة شكلًا ومضمونًا.

آداب وفنون
التحديثات الحية

أولى هذه الروابط انطلقت بعد زواج رامان من المنتج والعازف الفرنسي سام ميلز. هذا الأخير كان سجل البوم real sugar عام 1997 بالتعاون مع المغني البنغالي بابان داس بول، وهو ما شكل نقطة بداية انطلقت من داخل المشهد الموسيقي الباريسي، ما حدا بالزوجين إلى تشكيل أرضية مشتركة ينقبان من خلالها عن تقاطعات محتملة بين الأشكال الكلاسيكية الهندية والغربية المعاصرة.
كان salt rain نموذجا أوليا ناجعا قدمت فيه رامان مزيجا ساحرا ومحدثا لمقطوعات شعائرية صوفية تموج على أنغام الجاز والبوب، مستخدمة لغات عدة تنوعت بين السنسكريتية والإنكليزية والتاميلية (نسبة لـ تاميل نادو، موطن رامان الأصلي). رشح هذا الإصدار لجائزة ميركوري للموسيقى، وفازت على إثره بجائزة أفضل وافد جديد من قبل راديو "بي بي سي 3". 
في عام 2003، تفتح رامان المجال في ألبومها الثاني love trap أمام التجربة الإثيوبية، مستعينة بأغاني محمود أحمد، أحد أشهر المطربين الإثيوبيين. ربما كان المغزى في هذا الإصدار إيجاد سلوك موسيقي مختلف، رغم جمالية الأداء وبراعة المزج الآلاتي بين موسيقى الجاز والموسيقى الإثيوبية، يوحي عن عملية تفسير للموسيقى الإثيوبية أكثر منه من عملية تعبير ومزج.  


نضوج التجربة عند رامان أخذت تثمر بشكل متسارع. أعمال لكبار النجوم من ستينيات وسبعينيات القرن العشرين شكلوا تحدياً جديداً ومختلفاً لرامان، إذ عمدت في ألبومها الرابع "3/1 33"، الصادر عام 2006، إلى تسجيل بعض المسارات الموسيقية الخاصة بهؤلاء النجوم، مثل أغنية oh my love للمغني الإنكليزي جون لينون، وأغنية like a rolling stone لبوب ديلان، وأغنية voodoo chile لعبقري الغيتار جيمي هندريكس.


مسارات دافئة تموج على ألحان موسيقى الروك آند رول والبلوز، مصطبغة بأسلوب رامان الخاص في تليين أدائها مع المقاطع اللحنية وتهييجها في مقاطع أخرى. ونلاحظ، ليس في هذا الإصدار فحسب، بل في مجمل أعمالها، حضورا دائما للآلات الهندية التقليدية من صنوج ونحاسيات وآلات وترية ونفخية وايقاعية، إلى جانب آلات الغيتار والدرامز والكمان، أشهرها آلة الجونجز والمرواس والجاميلان.
ولعل الحضور الأبرز لهذه الآلات نجده في ألبوميها الأخيرين: queen betwen الصادر عام 2014، والذي شهد تزاوجا تناغميا بين الروك والتاميل الشعبية والموسيقى الراجستانية والصوفية "القوالية" التي تبعث على النشوة والاصطفاء، متعاونة مع أبرز عازفي القوالية، رضوان معظم وكوتلي خان، تلامذة الموسيقي الباكستاني الشهير نصرت فتح علي خان. وghost gamelan الذي جاء احتفاءً بالموسيقى الأندونيسية وتراثها الشعائري، وتحديدًا تراث سكان جزيرة جاوا الأندونيسية التي تشتهر فيها آلة الجاميلان ذات الجذور الهندوسية والبوذية.


منحت تلك الآلات في هذين الإصدارين شكلا موسيقيا متناغما يكون أقرب إلى صوت الأجراس الكنائسية، مضافًا إليها الأنماط الغربية المعاصرة؛ فبلغت النتائج مبلغًا شاعريًا مركبًا يصيب الروح في سكينة عائمة يغذيها التعبير الكوريغرافي في عدد من العروض المسرحية التي تستوحي ثقافات إثنية خاصة ببلدان جنوب آسيا. 
مفردات التزاوج الموسيقي عند رامان تستمر  لتطاول أيضًا مظاهر الموسيقى العربية. ولعل أبرز المحطات التي تذوقتها رامان وتذوقها المستمع العربي تلك التي جمعتها مع مغني الراي الجزائري الشاب مامي عام 2012 في أغنية nagumomo، ومع معلم الكناوة الشهير حميد القصري، وذلك ضمن فعاليات مهرجان الصويرة في دورته الثانية والعشرين عام 2019.


يشار إلى أن أسلوب سوشيلا رامان الموسيقي المتنوع والهجين أتاح لها الفرصة للمشاركة في عروض سينمائية، فشاركت في فيلمين هنديين: الأول (wajma) صدر عام 2013 للمخرج الأفغاني بارماك أكرم، والفيلم الرومانسي gypsy الذي صدر في مارس/ آذار الماضي للمخرج راجو مورجان.
في كل تجربة موسيقية تقدمها رامان لا يعبُر المستمع أو المشاهد من خلال صوتها وأدائها كما يظن للوهلة الأولى، بل من خلال نفسه، وهذا ما يميز أعمال رامان عن غيرها.

فهي، وإن تملك التجربة بكامل حريتها، إنما لتمريرها وتذوقها ما يسمح لمستسيغيها بالانفصال المادي عن المكان والزمان، ليبحث عن أماكن غير مكتشفة في الذات البشرية؛ فالموسيقى التي تقدمها رامان متنوعة وفريدة وغامضة. تكون مستكينة وحالمة تارة، وفوضوية وحيوية وعفوية تارة أخرى. وقد يكون لها تأثير مهدئ علاجي أحيانا، وصاخبا في أحيان أخرى. تجارب لها أبعاد سيكولوجية مختلفة متناثرة ومتآزرة في آن. ذلك على صعيد الصوت. أما على الصعيد الحركي الراقص في جميع عروضها المسرحية، فما هو إلا تمثيل تعبيري (كوريغرافي) لمجمل الأحاسيس الدفينة المتحررة من قيود النفس وانضباطها. 

المساهمون