رشيد طه: موسيقى كونية وراي للمنبوذين

رشيد طه: موسيقى كونية وراي للمنبوذين

22 سبتمبر 2021
لغته الموسيقية ذات طابع مركب إذ تختزن داخلها أنماطاً موسيقية متقاطعة (Getty)
+ الخط -

لا أعتقد بوجود مستمعٍ عربي لا يعرف أغاني المُطرب الجزائري رشيد طه (1958-2018). ففي وقتٍ كانت فيه الساحة الغنائية العربيّة تعيش على نوستالجيا الطرب العربيّ، اشتغل رشيد طه بشكلٍ مُكثّف على اجتراح مشروعٍ غنائيّ مُؤثّر في خصوصيات الراي المَغاربي. جمع طه في مسيرته الفنيّة بين رقّة صوته الغنائي والموقف السياسيّ والموسيقى المعاصرة، بما جعله من المُؤثّرين في الحياة الغنائية العربيّة.

كلّ سهرة غنائية له تُرافقها حملة شرسة وموجة هستيرية من لدن صحافة غربيةٍ لا يتوقّف رشيد طه عن نقدها وتأجيج حقدها. إذ بالرغم من استقراره المُبكّر في فرنسا خلال الستينيّات برفقة عائلته. إلاّ أنّ ذلك لم يجعله ينسى هويته الجزائرية وواقعه كمُهاجرٍ وحقيقة عنف الاستعمار الفرنسي واستبداديته. لذلك جعل رشيد طه من حياته مجرّد "بطاقة إقامة" اسم فرقته الأولى التي عبّرت من خلال الراي عن آلام الجزائريين في المهجر. من حانة إلى حانة ومن خشبة إلى أخرى، استطاع رشيد طه، أن يغدو الفنّان الجزائري الأوّل الأكثر استماعاً في باريس. ومع ذلك ظلّ الإعلام الفرنسي يُلاحقه بسبب نقده اللاذع للاستعمار وترسّباته في نفوس وعقليات ومشاغل الناس. لم يشعر رشيد طه يوماً بحريّته إلا وهو على خشبة المسرح. إذ إنّ الألم الذي عاشه في سنواته الأولى بالمهجر، بدا كأنّه حكم على حياته المُستقبلية بالشقاء وهو يُعيد رسم مآسي الجزائريين عبر أغاني الراي.

لا شك في أنّ المُستمع العربي يُميّز كثيراً أغاني طه عن خالد ومامي وفوديل، سواء من ناحية الأداء أو التأليف الغنائي أو طبيعة الموسيقى الإلكترونيّة التي جعلها رشيد مجرّد عامل فنّي مُكمّل، لا سيما أنّه من أوائل الفنانين العرب، الذين انشغلوا بالموسيقى الإلكترونية وجعلوها في خدمة أغانيهم وكليباتهم. والحقيقة أنّ ميسم التجديد في سيرة طه الغنائية، يبدأ من قدرته على مزج الغناء العربي بالراي والروك والتكنو. هذا الخليط الموسيقيّ الساحر والمُتشابك فيما بينه، لا يعثر عليه المُستمع لدى الشاب خالد ومامي مثلاً. وبالتالي، فقد ساهم ضمنياً في تمييز تجربته الغنائية وجعلها تنفتح على آفاقٍ فنيّة أخرى.

وبالرغم من أنّ طه يُقدّم نفسه داخل برامجٍ فرنسيّة في كون أغانيه تنتمي إلى موسيقى الروك. إلاّ أنّ المتأمّل جيّداً لألبوماته الغنائية سيكتشف أنّه فنّان راي بامتياز، ولكنّ وفق مسارٍ مُتقدّمٍ ومُتطور من مساره. لأنّ لغته الموسيقيّة ذات طابعٍ مُركّب، فهي تختزن داخلها أنماطاً موسيقيّة مُتقاطعة تمزج النغمة الشرقية بالآلة الغربية المعاصرة. هذا الأمر، جعل رشيد طه بمثابة استثناءٍ داخل الراي المَغاربي. صحيح أنّ خالد استطاع في السنوات الأخيرة التركيز على موسيقى "الهاوس" والتكنو، لكنّه سرعان ما سقط في موسيقى غربية فجّة تتّسم بضحالة الكلمة وصخب الآلة. أما عند المُغنّي رشيد طه فالقالب الغنائيّ راي شرقي مُطعّم بموسيقى غربية. هذا الاختلاف الموسيقي كرّس طه باعتباره مُجدّداً للراي على مستوى التوليف الموسيقي. هذا مع أنّ صوته المُتقطّع بدا وكأنّ أوصاله وحباله قد قُطّعت بسكّين الغربة والألم. لذلك بقي في نظر النقاد الأكثر تواضعاً على مستوى الصوت من الشاب نصرو والشاب حسني وخالد.

عند مامي وخالد والزهوانية وميمون الوجدي وسعيدة فكري، يُصبح الراي على اختلاف وتباين جماليّته معروفاً ومُستساغاً بالنسبة لأذن المُستمع العربي. أمّا عند رشيد طه فإنّ المرء يرتبك من كثرة الإيقاعات وزخم الآلات الشرقية والغربية. فهذا الخليط المُتجانس يعثر عليه المُستمع في ألبوم "زوم" (2013). حيث يختلط النفس الشرقي بالغربي ويُكوّنان معاً موسيقى عصرية تتجاوز مختلف حدود وأشكال الهويات الفنيّة المُنغلقة. إنّ "زوم" يُشكّل طفرة قويّة في مساره رشيد طه الغنائيّ. لأنّه ألبوم ثائر على الأشكال الغنائية والقوالب الموسيقيّة. فأغانيه تتجاوز البعُد المَغاربي والعربي وتنفتح بقوّة على لغةٍ هارمونية كونية. والحقيقة أنّ هذا التعدّد في استخدام موسيقى مُتنوّعة. يجد ضالته وسحره في جسد رشيد طه المُتعدّد المَواهب والمُنفتح على التجريب. فيديو كليبات كثيرة قديمة بالأبيض والأسود تُصوّره يرقص على خشبة المسرح ويحتفي بمُنجزه الموسيقيّ. لكن فيما بعد ستُصبح هذه الرقصات أشبه بلوحاتٍ مُستقلّة داخل سهراته. يُغنّي ويرقص ويُمسرح جسده ويُطوّعه موسيقياً في آن واحدٍ. إنّها رقصة الجسد المذبوح والمُنهك المُحتفي بآلامه رغم آلام الغربة وفتنة الضياع.

في سنة 1998 سيجتمع رشيد طه وفوديل وخالد في سهرة تاريخيّة بباريس. لقد بدا فرسان الراي الجزائري وكأنّهم يمتلكون العالم بأغنية "عبد القادر". من كان يتصوّر أنْ ينزل هذا اللون الفنّي إلى حضيض الغناء العربي، أمام تجارب غنائية مغربيّة وجزائرية هزيلة برزت في مطلع الألفية الجديد. في تلك السهرة بدا رشيد طه بكامل مرحله وشغبه وفوضاه. خاصّة وأنّه قد دشّن في تلك المرحلة عزمه على الغناء المُنفرد بعد قطع صلته بفرقته "بطاقة إقامة".

مع ذلك فقد ظلّ حريصاً على أداء أغانٍ مُزدوجة مع فنّانين وموسيقيين كبار من العالم. حيث لم يعُد الراي مع رشيد طه فنّاً مغاربيّاً أو عربياً. وإنّما لغة موسيقيّة كونية يسمعها العالم. وإلاّ كيف نُفسّر نجاح سهرات رشيد طه العالمية وقدرته على التأثير في خلق جمهورٍ فرنسيّ خاصّ مُتابع لأغانيه وسهراته وبرامجه التلفزيونيّة ويوميّات حياته الشخصية على درس الأغنية والفجيعة والألم الذي ظلّ ينخر جسده لسنواتٍ طويلة؟

المساهمون