دفاتر فارس يواكيم: نجاح سلام تحجّبت ولم تحتجب

دفاتر فارس يواكيم: نجاح سلام تحجّبت ولم تحتجب

29 سبتمبر 2023
غنت أغنية واحدة من ألحان عبد الوهاب رغم إعجابه بصوتها (فيسبوك)
+ الخط -

بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر) عقوداً من حياته مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفن. تنشر "العربي الجديد" مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين والصحافيين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءات مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس، وغيرها من العواصم.

كانت المطربة القديرة نجاح سلام، التي توفيّت أمس الخميس عن 92 عاماً، تحمل الجنسيتين اللبنانية والمصرية، رسمياً وعاطفياً. في جيبها بطاقتا هوية، وفي قلبها حُبّان، لمصر ولبنان. وهويتها الفنية تحمل السمتين اللبنانية والمصرية أيضاً. غنت باللهجتين، وبألحان كبار من بيروت والقاهرة.

في بيروت ولدت سنة 1931، وفيها أسلمت الروح سنة 2023. وفيها نشأتها الأولى، في بيت عريق في المجتمع اللبناني. منه رئيس الوزراء الأسبق صائب سلام (1905 ــ 2000). جدّها هو مفتي لبنان عبد الرحمن سلام، وأبوها محيي الدين سلام، من أبرز العازفين على آلة العود، وهو أستاذها الأول الذي علّمها الموسيقى، وشرح لها فنون الأداء. ولاحقاً عندما احترفت الغناء، لحّن لها أغنية "يا ليالي الفن" و"ابتهالات".

ملكت نجاح سلام صوتاً قوياً ودافئاً وطيّعاً يتمكن من مختلف الأنغام. هذه عطية منحت لها. لكن اتقانها الغناء جعلها تستحق لقب مطربة. غنّت الألوان اللبنانية المختلفة، وبرزت في الأغنيات المصرية كأنها كانت بنت شبرا. كما أنشدت قصائد باللغة الفصحى، وهي كانت تجيد لغة الضاد. أنشدت الأغنيات الوطنية، كما ترنّمت بالأغاني العاطفية. غنّت قصيدة أمين تقي الدين "الله يا لبنان ما أجملك" (لحنها خالد أبو النصر)، ولحّن لها أمجد العطافي، زوج ابنتها سمر: "لبنان يا درّة الشرق" و"قانا".

وأنشدت 26 بيتاً من قصيدة "فلسطين" لبولس سلامة (من أصل 319 بيتاً) لحنها نجيب السراج. لم أتمكن من سماع الأغنية، لكنني كنت متأكداً من أن نجاح سلام أنشدتها. وحين شرعت في تأليف كتابي "حكايات الأغاني" لجأت إلى نجاح سلام أسألها، ففوجئت بذاكرة قوية، إذ ألقت على مسامعي فوراً الأبيات التي غنتها قبل ستين سنة.

وحين تعرّضت مصر للعدوان الثلاثي سنة 1956، كانت مقيمة في القاهرة، فبادرت إلى تسجيل أغنية وطنيّة من شعر محمود حسن إسماعيل وألحان رياض السنباطي "أنا النيل مقبرة للغزاة". وحين عقدت الوحدة بين مصر وسورية غنت: "بدي عريس" من كلمات محمد سلمان وألحان عفيف رضوان. ومع كلاهما تعاونت وأنشدت: "يا طير يا طاير/ خذ البشاير/ من مصر واجري/ على الجزائر" في أوج نضال الجزائريين من أجل نيل الاستقلال. وبعد حرب أكتوبر 1973، شاركت محمد جمال ومحمد سلمان في نشيد "سورية يا حبيبتي" (كلمات ولحن محمد سلمان)، وقد نال هذا النشيد شهرة جعلته أشبه بمنافس النشيد الوطني. كذلك الحال مع أغنيتها "يا أحلى اسم في الوجود يا مصر" التي تسكن وجدان كل مصرية ومصري. وهذه كتبها إسماعيل الحبروك، ولحنها محمد الموجي الذي كان من قبل أهداها لحن "ما أحلى الغنا بعد الرصاص ما اتكلم" وهي من نظم صلاح جاهين.

بداية شهرة نجاح سلام من العاصمة اللبنانية بيروت بأغنية ذات طابع بدوي "حوّل يا غنّام" (كلمات وألحان إيليا المتني)، ثم انطلقت بأغنيات لبنانية، وانسجم صوتها بصفة خاصة مع ألحان ثلاثة موهوبين: فيلمون وهبي وعفيف رضوان وسامي الصيداوي الذي لحن "يا غزيّل ميّل" و"يا جارحة قلبي". أما عفيف رضوان، ففضلاً عن الألحان الوطنية، فقد خصّها بأغنيات اشتهرت، منها "غزالي" و"يا ظريف الطول" و"انقر يا دف"، وهذه اشترك ثلاثة في أدائها: نجاح سلام مع نصري شمس الدين ومحمد سلمان. أما فيلمون وهبي، فهو ملحن الكثير من أغاني نجاح سلام، ومنها "برهوم حاكينا"، و"الشاب الأسمر جنّني"، و"ودّيله سلامي يا طير الحمام"، و"دخل عيونك حاكينا" (دويتو مع محمد سلمان)، وأغنية "القطر جه وحبيبي ما جاش" أنشدتها باللهجة المصرية سنة 1948 كما لو أنها تمهيد لولوج ميدان الغناء المصري.

في القاهرة سجلت لحساب "بيضافون" أغنية "حوّل يا غنام"، وأغنية "يا جارحة قلبي". ونالت نجاح سلام بسرعة إعجاب كبار الملحنين، وكان رياض السنباطي الأثير لديها، وقالت إنها تعلّمت منه فنوناً جديدة في الأداء. قدّم لها السنباطي ألحاناً مختلفة، منها "انحني يا تاريخ" و"يا ظالمي" (من سحر عينيك). ويبقى لحنه "عايز جواباتك" في صدارة قائمة أغانيها، وقد نال شهرة واسعة في عموم العالم العربي.

سأكتفي بذكر أغنية من ألحان كل مبدع: "يا شمعدان حارتنا" لكمال الطويل، "إيه الحكاية" لمنير مراد، "حاسب ما تلومنيش" لبليغ حمدي، "زنوبة" لفريد الأطرش (هذه غنتها صباح في فيلم إزاي أنساك) ولدى تسجيل الأسطوانة أهدى فريد الأطرش اللحن إلى نجاح سلام. ومن زكريا أحمد غنت "بنتُ كرم يتّموها". ومحمد الموجي هو ملحن أغنيتها "يا مالكاً قلبي" من كلمات الشاعر أحمد مخيمر. وبعد سنوات، نظم الأمير عبد الله الفيصل قصيدة تحمل المطلع نفسه، وهي من الوزن الشعري نفسه، الأمر الذي أتاح لمحمد الموجي أن يكرر اللحن نفسه، لكن بصوت عبد الحليم حافظ. وبلحن سيد مكاوي غنّت "صلاة قلب"، وأهداها كارم محمود لحن "صبح الصباح".

لفت نظري أنه في هذا السجل الحافل بأسماء الشعراء والملحنّين لم أعثر إلا على أغنية وحيدة من ألحان الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، وهي أغنية "سكّة السعادة"، وشهرتها أقل من نظيراتها. هذا على الرغم من إعجابه البالغ بصوتها وقدرتها على الأداء، وقد سمعت منه ثناءه فذكر أن نجاح سلام مطربة، وعلّق "ودي درجة أعلى من المغنيّة"، وأضاف أن بوسعها أداء مختلف المقامات والتنقل بينها في سهولة تامة. ومن المطربة سمعت ثناء كبيراً وعبارات إعجاب صريح بمن أسمته "أستاذ الأساتذة في التلحين والأداء". وقد فاتني أن أسأل موسيقار الأجيال ومطربة لبنان ومصر عن سبب عدم تكرار التعاون اليتيم.

وكان في ظني أن نجاح سلام لم تغنّ من ألحان الأخوين رحباني. وكنت في زيارة لها، فصحَّحَت ظني. وقالت إن التعاون تمّ في البدايات، في أول مشوارها ومشوارهما. سنة 1950 غنيت من ألحانهما "وقّف خُدني بأوتومبيلك". وضاعفت دهشتي بقولها إنها غنت أيضاً من ألحانهما "شباك الهوى"، وهذه "دويتو" قدّمته مع نصري شمس الدين.

وكان وديع الصافي من أبرز أصدقائها، على الصعيدين الفني والإنساني. كلاهما كان معجباً بالآخر. وثمة تسجيلات متوفرة في قنوات التواصل الاجتماعي تتضمن تسجيلات مشتركة رائعة لهما. في سنة 1965 أنتج وديع الصافي أوبريت "نهر الوفا"، وقام بدور البطولة أمام نجاح سلام. وفي هذا المهرجان غنّت من ألحان وديع الصافي: "بعلمي كنتو تحبّونا"، و"حلوة وغندورة"، ودويتو من تلحين وليد غلمية، شاركها فيه وديع الصافي "يا نهر الوفا رجعنا".

وشاركت في أداء أغنيات من مختلف دول الخليج العربي، أشهرها "يا ريم وادي ثقيف" وهي لطارق عبد الحكيم، وكان قد غنّاها بصوته أيضاً. وفضلاً عن الذين سبق ذكرهم، غنت أيضاً من ألحان الشوام: من سورية غنت في بداياتها لحن أمير البزق عبد الكريم "رقّة حسنك وسمارك"، ثم من محمد محسن لحن "دنانير"، ومن لبنان لحن محمد جمال "عالمينا"، و"محتار قلبي"، ومن سليم الحلو "ع اللالا"، ومن شفيق أبو شقرا "يا صورة المحبوب"، ومن نقولا المنّي "ع مسرحك يا دنيا"، ومن حسن غندور "طاب الهوى طاب".

تزوجت نجاح سلام محمد سلمان مرتين بينهما طلاق، كانت الزيجة الأولى سنة 1955. وهو حبها الوحيد الأكيد. والد ابنتيهما سمر وريم. وعلى الرغم من الطلاق، فإن العلاقات بينهما ظلت جيدة، بفضل حب الابنتين لهما معاً، وبفضل الذكريات الكثيرة المشتركة، في أفلام مصرية ولبنانية، وفي أغان وأناشيد. كما تزوجت بعد ذلك من فؤاد مقبل، وعدنان العلي، لكنها لم تنجب سوى سمر وريم.

كانت عازفة ماهرة على العود، وخفيفة الظل سريعة البديهة حاضرة النكتة.

في خمسينيات القرن الماضي ازدهرت الأفلام الغنائية في السينما المصرية، وسطعت نجوم بطلات الأفلام اللبنانيات نور الهدى وصباح، ونجاح سلام. كانت بدايتها السينمائية سنة 1952 في فيلم "على كيفك" (إخراج حلمي رفلة) وإلى جانبها تحية كاريوكا، وليلى فوزي، ومحسن سرحان، ثم في أفلام شاركها البطولة فيها نجم الكوميديا إسماعيل ياسين: "ابن ذوات"، و"دستة مناديل"، و"الدنيا لما تضحك"، و"الكمساريات الفاتنات" و"ما حدش واخد منها حاجة"، وفي هذا الفيلم الأخير شارك محمد سلمان أيضاً في التمثيل والغناء. وكان فيلم "الشيطان" آخر أفلامها المصرية، مثّلته في سنة 1969 مع فريد شوقي وشمس البارودي، وهو من إخراج محمد سلمان.

عادت نجاح سلام إلى لبنان في أواخر الخمسينيات، وأخرج محمد سلمان أول أفلامه اللبنانية سنة 1958 "اللحن الأول"، وكان من بطولتها ووديع الصافي، ثم قامت سنة 1960 ببطولة فيلم "في قلبها نار"، ومعها نزهة يونس وعصام الشناوي، ثم مجموعة من الأفلام التي أخرجها محمد سلمان، وأبرزها: "مرحبا أيها الحب"، ومعها سامية جمال وعبد السلام النابلسي، و"يا سلام ع الحب"، وفيه شارك فهد بلان لأول مرة في السينما، والمطرب العراقي الكبير ناظم الغزالي، والنجم الكوميدي اللبناني الصاعد آنذاك حسن علاء الدين (شوشو). وفي فيلم "عمر المختار" الذي أخرجه مصطفى العقاد، شاركت نجاح سلام بالغناء.

وبعدما اشتعلت الحرب الأهلية في لبنان سنة 1975، توجهت نجاح سلام إلى القاهرة، وظلّت مقيمة فيها حتى سنة 2010. لكنها كانت تكثر الزيارات إلى بيروت. وفي إحداها، تحديداً سنة 1993، نالت وسام الأرز الوطني اللبناني برتبة كومندور قلّدها إياه الرئيس إلياس الهراوي (1926 ــ 2006). وعلى صدرها حملت أوسمة أخرى لبنانية وعربية، أبرزها وسام "الشهيد الجزائري"، ولا يناله إلا الشخصيات التي كان لها أثر في مساندة النضال الجزائري في سبيل الاستقلال. أمضت نجاح سلام السنوات الأخيرة من عمرها في بيروتها، وغلبت عليها النزعة الروحانية، وارتدت الحجاب عام 2000، ورددت قائلة "التحجب وليس الاحتجاب". وظلت قريبة من الناس.

المساهمون