دروس إعلامية: كيف تقتل زوجتك وتنجو؟

06 فبراير 2021
الصورة
الضحية زينة كنجو (تويتر)
+ الخط -

يفترض بهذا المقال أن يكون موضوعياً، وأن يكون هادئاً ويتعامل مع قضية قتل الشابة زينة كنجو على يد زوجها، بصفتها ملفاً قضائياً، تتابعه الجهات المختصة. لكنه لن يكون كذلك. فكلما اتسعت رقعة "الموضوعية" في معالجة قضايا قتل النساء في لبنان والعالم العربي، ازداد الإعلام ومعه جزء من الرأي العام فجوراً.

آخر تجليات هذا الفجور، ما رأيناه ليلة أمس في نشرة أخبار قناة MTV التي فتحت هواءها 8 دقائق، لإبراهيم غزال ليبرّر جريمة قتل زينة خنقاً.

8 دقائق متواصلة أخبرنا فيها القاتل، عن علاقته بزوجته، عن "خادمتين" موجودَتين في البيت لخدمتها فقط، عن "العز" الذي كانت زينة تعيش فيه، عن ندمه، عن خنقها، عن قتلها عن "طريق الخطأ"، عن هروبه إلى تركيا، عن عودته المتوقعة يوم الإثنين إلى لبنان. تبرير، خلفه تبرير، خلفه تبرير آخر. سريالية الحديث لا تحتمل، بل تبدو أقرب إلى مشهد مسرحيّ رديء، من إخراج الإعلامي سمير يوسف الذي أجرى المقابلة.

لم يطرح يوسف سؤالاً مفيداً واحداً على غزال: "كيف عمبتقضي وقتك؟"  يسأله، كرفيقين يتكلمان بعد زمن للاطمئنان على ما آلت إليه أحوالهما. ثمّ "هذا اللقاء لا يهدف إلى تبرير أي موضوع، لكن برأيي يجب أن تعود إلى لبنان وتسلّم نفسك للقضاء، كي نفهم ما هي الحقيقة". يريد يوسف الحقيقة رغم أن الرجل اعترف أكثر من 3 مرات في المقابلة أنه هو من قتل زوجته.

تأتي هذه المقابلة بعد تسريب صوتي لغزال مع شقيقة كنجو، يقول فيها إنه ضبطها مع رجل آخر في البيت، فقتلها، وهو ما يناقضه في المقابلة حيث يشير أكثر من مرة إلى أنهما كانا معاً ليلة الجريمة، وكانا جالسين يأكلان ويشربان إلى أن وقع خلاف بينهما.

لا يسأله سمير يوسف عن هذا التضارب في رواياته، لا يسأله عن أي تفصيل في الحقيقة، بل يعطيه الوقت الكامل لتبرير الجريمة، لخلق رأي عام متعاطف مع القاتل قبل عودته إلى لبنان وبدء محاكمته.

سلوك يوسف الإعلامي يمكن تعميمه على كل القنوات اللبنانية التي تتعامل مع العنف الأسري، ومع جرائم قتل النساء على مستويين

وفي كل الأحوال لم ينتظر أحد من سمير يوسف أي تصرف مختلف. هو الرائد في تبييض صفحة قتلة النساء في لبنان. فعلها أول مرة في يوليو/تموز 2018 حين أعطى جان ديب الذي قتل زوجته نسرين روحانا حوالي ساعة من الوقت ضمن برنامج "عاطل عن الحرية" على قناة MTV، ليشرح خلفيات ودوافع جريمته. وفعلها مجدداً في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 مع محمد النحيل قاتل زوجته منال عاصي. حوّل يوسف، القاتلَين إلى صاحبَي قضية. قدمهما للرأي العام كرجلين عاشقَين حريصَين على "شرفهما"، بينما صورت نسرين ومنال كمعاقبتين على أفعالهما. وها هو يكررها للمرة الثالثة مع قاتل زينة كنجو.

سلوك يوسف الإعلامي يمكن تعميمه على كل القنوات اللبنانية التي تتعامل مع العنف الأسري، ومع جرائم قتل النساء على مستويين: الأول هو اعتبارها حوادث معزولة، لا ممارسات متجذرة بالثقافة الاجتماعية في لبنان ومحمية من المؤسسات الأمنية والقضائية والدينية. فتغطيها بصفتها أحداثاً أمنية، جرائم مشابهة للسرقة ولإطلاق الرصاص العشوائي، وتبييض الأموال...

المستوى الثاني هو التعامل معها كفضائح تجذب المشاهدين، وبالتالي ترفع نسب المشاهدة والرايتينغ. يختار الإعلام عناوين في أغلبها مثيرة أو جنسية في الترويج لتغطيتها لجرائم العنف ضد النساء: "قاتل زوجته زينة يروي تفاصيل الجريمة ويكشف عن قراره النهائي"، "ما هو السر الذي كشفه زوج زينة كنجو لشقيقتها؟"، "مفاجأة جديدة في قضية قتل زينة كنجو"... وتبلغ الإثارة المبتذلة ذروتها في برامج التوك شو الاجتماعية، لتخرج أسرار شخصية أو شائعات أو تلفيقات إلى العلن على اعتبارها حقائق مثبتة. فيفتح الهواء لسوق اتهامات بحق ضحايا لم يعدن موجودات للدفاع عن أنفسهنّ: هذه خائنة، وهذه تشرب الكحول، وهذه متعجرفة، كلهنّ يستحققن القتل، ويستحق قاتلوهنّ مساحة وإعلاماً وتعاطفاً.

يشارك الإعلام في تسطيح وتتفيه قضايا العنف الجنسي والجسدي والنفسي ضد النساء، يكرّر العبارات نفسها التي خلقها النظام الأبوي وصدّرها، من الشرف إلى الانتقام إلى ملكية أجساد النساء، وخياراتهنّ، ومصائرهن

يشارك الإعلام في تسطيح وتتفيه قضايا العنف الجنسي والجسدي والنفسي ضد النساء، يكرّر العبارات نفسها التي خلقها النظام الأبوي وصدّرها، من الشرف إلى الانتقام إلى ملكية أجساد النساء، وخياراتهنّ، ومصائرهن. يأتي ذلك على وقع أرقام رسمية  كشفت قبل أيام ارتفاعًا كبيرًا وواضحًا بالعنف الأسري بنسبة 96.5 في المائة في لبنان. هذه الأرقام الرسمية التي يتوقّع أن يكون ضعفها على الأقل  هو الحقيقي، إذا أخذنا بعين الاعتبار عدد النساء اللواتي لا يبلغن عن تعرضهن للعنف. 

إبراهيم غزال قتل زينة كنجو، وأعطته قناة MTV كل المساحة ليمشي في جنازتها.

المساهمون