جيرترود شتاين وبيكاسو... ذكريات عن لوحة وكرسي مكسور

جيرترود شتاين وبيكاسو... ذكريات عن لوحة وكرسي مكسور

26 يناير 2024
جيرترود شتاين أمام لوحة بيكاسو في بيتها الباريسي (فرانس برس)
+ الخط -

في كتابها عن بيكاسو، تذكر الكاتبة الأميركية جيرترود شتاين (1874 – 1946)، أنها جلست لساعات على كرسي مكسور، بينما جلس بيكاسو مقابلها على كرسي مطبخ صغير أمام حامل الرسم. تصف شتاين كيف كان هذا الشاب، المتوهج بالموهبة، يمزج ألوانه على لوحته ويضع الفرشاة على القماش متوتّراً. على مدار أشهر، ظل بيكاسو يرسم ويمسح ملامح شتاين في غضب وهو غير راض عن النتيجة، حتى أصيب بالإحباط، ثم سافر بعدها إلى إسبانيا من دون أن يكمل اللوحة. عندما عاد بيكاسو إلى باريس مرة أخرى في شتاء عام 1906، كان قد أكمل اللوحة بعيداً عن صاحبتها. وحين قدمها لها هديةً، دهشت من النتيجة، كما تقول؛ إذ كان أسلوبه في رسم ملامح وجهها غير مألوف.

في هذه اللوحة، اختفت السمات الطبيعية الأصلية لملامح شتاين، وأصبح وجهها يشبه القناع المنحوت من الحجر، مع ملامح محددة بشكل صارخ. عندما اعترضت شتاين على صورتها معلنة أنها لا تشبهها، أجاب بيكاسو بهدوء: "لا بأس، مع الوقت ستشبهك".

كانت هذه اللوحة واحدة من الأعمال القليلة التي حملتها معها شتاين أثناء فرارها من باريس قبل سيطرة الألمان على المدينة، وهي العمل الوحيد أيضاً الذي ذكرته في وصيتها.

تستقر اللوحة اليوم في متحف متروبوليتان في نيويورك، وهي واحدة من أكثر لوحات بيكاسو شهرة وثورية. تكشف اللوحة عن الملامح الأولى للمرحلة التكعيبية التي عُرف بها بيكاسو. والأهم من ذلك، أنها باتت تمثل رمزاً لهذه العلاقة الوطيدة التي جمعت بين بيكاسو وصاحبة الصورة.

هاجرت شتاين من الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين لتستقر في العاصمة الفرنسية، في الوقت نفسه الذي انتقل إليها بيكاسو، وواجه كل منهما التعقيدات نفسها كمغتربين يعيشان على هامش مجتمع الفن والأدب الباريسي. لم تكن العلاقة التي جمعت بيكاسو وشتاين قاصرة على هذه اللوحة فقط؛ إذ امتدت صداقتهما لسنوات، وكان لها أثرها البالغ على التجربة الإبداعية لكليهما.

التقت الكاتبة الأميركية بالفنان الإسباني بعد سنوات قليلة من استقرارها في باريس، وكان بيكاسو وقتها شاباً في الرابعة والعشرين من عمره. انضم التكعيبي مع آخرين إلى الصالون الذي كانت تنظمه شتاين في بيتها كل أسبوع، وجمع عديداً من الفنانين والموسيقيين والمسرحيين والكتاب الطليعيين، ومن بينهم هنري ماتيس وجورج براك.

ربطت هذه اللوحة بين التشكيلي الإسباني والكاتبة الأميركية إلى الأبد، وكانت شاهدة على التغير الذي لحق بأسلوبهما في الرسم والكتابة. مثلما مهدت اللوحة للمرحلة التكعيبية عند بيكاسو، فقد واكبت أيضاً التغير في أسلوب السرد عند شتاين.

تذكر جيرترود شتاين في كتابها كيف أن روايتها الأولى "ثلاث أرواح" كانت تلتمع تفاصيلها في ذهنها بينما كان بيكاسو يعمل على صورتها. تدور الرواية المُشار إليها حول ثلاث نساء من الطبقة العاملة، واستخدمت خلالها الكاتبة أسلوباً تجريبياً يتسم بالبساطة في اللغة والعبارات. في هذه الرواية، تجاوزت شتاين جميع قواعد السرد المتعارف عليها وقتها، وبدا أسلوبها مثل لوحة تكعيبية متعددة الزوايا والتفاصيل.

منذ ذلك الحين، بدأت ملامح الكتابة تتشكل عند شتاين لتتخذ منعطفاً جديداً. يقول الشاعر العراقي ياسين طه حافظ في مقدمة ترجمته لكتاب بيكاسو إلى العربية، إن أسلوب شتاين اتسم منذ ذلك الحين بالتأكيد على الانطباعات وعلى حالات العقل الخاصة أكثر مما على رواية القصة؛ أسلوب يُعنى بالكلمات من أجل صوتها وإيحاءاتها أكثر من عنايته بمعانيها الحرفية.

لقد مثلت جلسات الرسم التي كانت تقضيها شتاين أمام بيكاسو خروجاً جذرياً لكليهما من أسر قواعد التعبير الأدبي والفني التي سادت خلال القرن التاسع عشر إلى براح الإبداع في القرن العشرين.

من أجل تسليط الضوء على تلك العلاقة الوطيدة والمؤثرة التي جمعت بين شتاين وبيكاسو، يستضيف متحف لوكسمبورغ في باريس حتى الثامن والعشرين من يناير/ كانون الثاني الحالي معرضاً تحت عنوان "جيرترود شتاين وبابلو بيكاسو... ابتكار اللغة".

يُنظم المعرض بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل بابلو بيكاسو، ويقدم استكشافاً شاملاً لقرن من الفن والشعر والموسيقى والمسرح. يضم مجموعة مختارة من الأعمال التي تعكس التحولات الجذرية في الممارسة الفنية خلال القرن العشرين. إلى جانب أعمال بابلو بيكاسو، يضم المعرض أعمالاً مهمة لهنري ماتيس وآندي وارهول ومارسيل دو شامب، وغيرهم من العلامات البارزة في هذا القرن.

لا يقتصر العرض على الفنون البصرية وحدها، بل يتطرق أيضاً عبر النقاشات المصاحبة له إلى تجارب أخرى في مجالات متنوعة من الإبداع، كالمسرح والموسيقى والشعر. لقد تأثرت كل هذه التجارب، كما تقول سيسيل دوبريه، منسقة المعرض، بالحرية الفنية والروح الثورية التي دافع عنها بيكاسو وشتاين، هذه الروح التي شكلت مسار الفن والشعر والثقافة خلال القرن العشرين.

دلالات

المساهمون