الكرملين يستبعد قناة مستقلة من تغطية نشاطاته لتأييدها التظاهرات

الكرملين يستبعد قناة مستقلة من تغطية نشاطاته لتأييدها التظاهرات

15 يونيو 2021
الصورة
القناة معروفة بتغطيتها المعارضة لبوتين (فاسيلي ماكسيموف/ فرانس برس)
+ الخط -

عقاباً على تغطية تظاهرات المعارضة الروسية في الأشهر الأخيرة، أكد الكرملين أنه أوقف التعامل مع قناة "دوجد" الروسية، وقرر استبعاد مراسليها عن مواكبة نشاطات الرئيس فلاديمير بوتين وديوان الرئاسة أو المشاركة في المؤتمرات الصحافية اليومية للناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف.

ورداً على استفسار من وكالة " نوفوستي" الحكومية حول صحة الأنباء عن استبعاد مراسلي قناة "دوجد"، قال بيسكوف" قررننا منذ وقت سابق عدم التعامل مع القناة، بعد تقديمها دعماً مباشراً للتظاهرات غير القانونية"، وربط القرار بتغطية القناة تظاهرات غير مرخص لها في الأشهر الأخيرة.

وأمس الإثنين، نقل موقع " ميدوزا" المعارض عن مصدرين في القناة إنّ "سبب استبعاد صحافيي (دوجد) من الفريق المواكب لعمل الكرملين والرئيس هو تغطية القناة المباشرة والموسعة لعودة المعارض أليكسي نافالني من ألمانيا إلى روسيا (بداية العام الحالي) ولاحقاً تغطية التظاهرات الداعمة له".

توقف مراسلو "دوجد" عن حضور المؤتمر الصحافي المغلق اليومي لبيسكوف منذ 13 مايو/أيار الماضي، وقال رئيس تحرير القناة تيخون دزيادكو إن الخدمة الصحافية في الكرملين "أخبرتنا أن مراسلينا لن يسمح لهم بالمشاركة في الفريق الصحافي للكرملين".

بدأت القناة بثها في 27 إبريل/نيسان عام 2010. وأعلن القائمون عليها أنها ستكون قناة مستقلة لنقل الأحداث في روسيا بطريقة مختلفة ومستقلة لا تتبع السلطة أو المعارضة، ورفعت شعار " الأمل"، وتعرض على مدار الساعة نشرات إخبارية وبرامج حوارية وحفلات موسيقية وأفلاماً وثائقية حظيت بمتابعة كبيرة، نظراً لتطرقها لمواضيع حساسة وجدلية. واستقطبت القناة كثيراً من الصحافيين الذين غادروا عملهم من وسائل الإعلام الحكومية لأسباب سياسية أو مهنية. وفي غضون فترة قصيرة تمكنت "دوجد" من التنافس من أجل توسيع بثها كقناة على المستوى الفيدرالي، ما يعني حصولها على دعم حكومي، لكن محاولاتها باءت بالفشل، إذا سرعان ما صار ينظر إليها على أنها قناة معارضة، بعدما غطت على نطاق واسع الاحتجاجات عامي 2011 و2012 المناهضة لترشح الرئيس بوتين لولاية ثالثة.

وبحثاً عن مصادر مالية لمواصلة عمل القناة بخطها التحريري وتوجهاتها الأساسية، تحولت في سبتمبر/أيلول عام 2013 إلى الخدمة المدفوعة، لمتابعة المواد المنشورة عبر موقعها الإلكتروني وبثها المباشر وأرشيف بعض البرامج والمقابلات.

ومطلع عام 2014 تعرضت القناة لضربة قوية، بعد إثارتها جدلاً واسعاً، نتيجة طرحها في أحد البرامج الحوارية استطلاعاً للجمهور اعتبرته السلطات وكثير من المواطنين "مهيناً" لتضحيات ملايين الروس. إذ في حوار حول الذكرى السبعين لفك الحصار النازي نهائياً عن مدينة لينينغراد (سانت بطرسبورغ حالياً) ضمن برنامج تاريخي، سألت مقدمة البرنامج: "هل كان يجب تسليم لينينغراد من أجل إنقاذ حياة مئات الآلاف من البشر؟". تسبب السؤال في جدل واسع على صفحات القناة في وسائل التواصل الاجتماعي، وانتقل سريعاً ليتصدر النقاش في روسيا. ورغم أن القناة اعتذرت عن الصيغة غير الموفقة لطرح الاستطلاع وسحبته بعد نحو 20 دقيقة، إلا أن الهجمة عليها لم تتوقف. حينها استهجنت رئيسة تحرير "دوجد" ناتايا سيندييفا الهجوم الشرس على قناتها، مشيرة إلى أن القناة الحكومية "كولتورا"، المعنية بالقضايا الثقافية والتاريخية، عرضت في أحد برامجها استطلاعاً مشابهاً ونشرته على موقعها الإلكتروني من دون أن يثير جدلاً.

بعد الجدل الواسع، قرر معظم مقدمي خدمات "الكابل" والأقمار الاصطناعية عدم توفير خدماتهم للقناة، واستبعادها عن قائمتهم. حينها بات مستقبل القناة على المحك، وأعلنت الادارة أنها لن تستطيع الصمود لأكثر من ثلاثة أشهر، نظراً لعدم وجود موارد مالية، وأقرت خطة طوارئ خفضت بمقتضاها عدد الموظفين ورواتبهم. وفي ضغط إضافي على القناة حينها، أعلن مصنع " كراسنوي أكتيابر" رفض تمديد عقد الإيجار، بعد انتهاء مدته في 20 يونيو/ حزيران عام 2014. وبعد اعتراضات قانونية مُدد العقد لسبعة أشهر، لكن إدارة المصنع طالبت بإفراغ مقر التلفزيون قبل منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني، بحجة الحاجة إلى إصلاح شامل في المصنع الموروث من الحقبة السوفييتية والواقع وسط موسكو.

اضطرت القناة إلى البث لنحو ثلاثة أشهر من شقة في موسكو، قبل أن تجد مقراً جديداً لها. وتسبب بثّ القناة تحقيقات عن فساد بعض المسؤولين الروس في مشكلات كثيرة. وفي ديسمبر/كانون الأول عام 2015، دهم الادعاء الروسي العام مقر القناة، بحجة وجود مخالفات في مراعاة حقوق العمال وأنظمة إطفاء الحرائق، وحينها ربطت وسائل إعلام روسية الحملة بفيلم استقصائي أعده "صندوق مكافحة الفساد"، التابع للمعارض أليكسي نافلني، كشف فيه عن فساد أبناء المدعي العام في روسيا يوري تشايكا وحيازتهم على عقارات في الخارج وكيف أبعدوا منافسيهم داخل روسيا.

اللافت أن قناة "دوجد" تعدّ واحدة من المنصات الإعلامية المعارضة النادرة التي لم تصنف في قائمة "العملاء الأجانب"، واستطاعت أن تدير أوضاعها المالية بطرق مبتكرة، ففي مارس/آذار عام 2014 نظمت حملة تبرعات لمدة أسبوع، استطاعت خلاله جمع مبلغ يكفي لاستمرار العمل لنحو 50 يوماً. عاد شبح الإفلاس مرة أخرى يطارد القناة، بعد إقرار مجلس الدوما (البرلمان) الروسي صيف 2015 قانوناً يمنع عرض إعلانات ترويجية في القنوات المدفوعة. وفي مواجهة خيار الإغلاق تحولت القناة بالكامل إلى نموذج الاشتراك المدفوع على كل البرامج والبث، ورفعت الاشتراكات بنحو خمسة أضعاف مرة واحدة.

ووقعت إدارة القناة عقوداً مع المفوضية الأوروبية وبعض المؤسسات التابعة لها، لترويج بعض برامج المفوضية في روسيا تحت عنوان "روسيا هي أوروبا". توفر هذه العقود قرابة مائة ألف دولار سنوياً للقناة حسب بياناتها الضريبية، ما يسمح لها ــ إضافة إلى التبرعات الداخلية واشتراكات المشاهدين ــ باستمرار بثها.

ولن يؤثر قرار الكرملين كثيراً على عمل القناة، رغم انه كان يضمن لمراسليها مرافقة بوتين في رحلاته الداخلية والخارجية بطائرة مرافقة من دون دفع ثمن النقل، وكذلك الحصول على برنامج العمل اليومي والأسبوعي للفعاليات ولقاءات الرئيس وديوان الكرملين، والمشاركة في مؤتمر بيسكوف اليومي المغلق عبر الهاتف.

ومن الواضح أن قرار الكرملين استبعاد مراسلي "دوجد" جاء إثر تراكمات طويلة، فالقناة واكبت أحداث تظاهرات 2018 و2019 في شكل واسع، وشكلت منصة لجميع المعارضين، وفتحت بثها المباشر مجاناً على موقع القناة وعلى منصة " يوتيوب" لمواكبة نشاطات المعارضة لفترات متقطعة منذ التظاهرات على استبعاد مرشحي المعارضة الليبرالية من الانتخابات. وأغضبت القناة السلطات عبر تغطيتها المباشرة خطوة بخطوة لعودة نافالني مطلع العام الحالي، ورافقته من برلين على متن الطائرة، وخصصت عشرات المراسلين في المطار وشوارع موسكو والمدن الروسية، وغطت تظاهرات يناير/ كانون الثاني وفبراير/شباط وإبريل/نيسان من العام الحالي. وألغت في إبريل/نيسان الماضي حفلاً موسيقياً للاحتفال بذكرى انطلاق بثها، لتزامنه مع تظاهرات للمعارضة، وأكدت حينها أنها تفضل نقل الحدث بدلاً من الاحتفال.

المساهمون