"كراهية": تشويقٌ بصريّ لقصّة عادية

"كراهية": تشويقٌ بصريّ لقصّة عادية

15 أكتوبر 2021
النقيب هارون شليكتان يتوسّط فريق التحقيقات في "كراهية" (الملف الصحافي)
+ الخط -

 

عشية ترقيةٍ يستحقّها، جرّاء حِرفيّته المهنيّة وحُسن سلوكه في دائرة شرطة إسطنبول، يتعرّض النقيب هارون شِليكتان (يلماز إردوغان) لمحاولة قتلٍ، تؤسِّس مساراً جديداً في حياته، منبثقاً من ماضٍ ينساه. "كراهية" (ترجمة حرفية للعنوان التركي Kin، أو "ضغينة"، كترجمةٍ للعنوان الإنكليزي Grudge)، للمخرجة التركية توركان داريا (إزمير، 1971)، يروي راهناً مفتوحاً على ذاك الماضي، الحاضر بقوة وعنف وحدّة في امرأة وشقيقها، يسعيان معاً إلى ثأر مُنتظَر منذ سنين. والثأر، إذْ يُحرّكهما في سعيهما الدؤوب والخفيّ إلى تحقيق عدالةٍ فردية، يُشكِّل نواة درامية مشغولة بحِرفية أفلامٍ مُشوِّقة.

ذات وقتٍ، يُكافأ شِليكتان على أفعاله، المتمثّلة بمكافحة أنواعٍ مختلفة من الجرائم، بمنحه "جائزة أفضل شرطيّ لهذا العام". أعضاء فريقه يُحبّونه، فهو يُعاملهم كضابط وأبٍ وصديق في وقت واحد. يحتفل معهم في ليلةٍ، ستكون بداية مسار انحداريّ له صوب الهاوية. في تلك الليلة، يخطفه سائق سيارة أجرة، ويُحاول قتله فيفشل. يُقتَل السائق، لكنّ شِليكتان يُخفي الأمر عن الجميع، قبل أنْ يُعثر على السائق نفسه معلّقاً على رافعة بناء ضخم قيد الإنشاء، أمام مقرّ الشرطة. يُكلَّف هو وفريقه بالتحقيق. المسألة حسّاسة. رئيسه يُلحّ عليه بكشف الوقائع والحقائق، فالقيادات العليا تُريد إغلاق الملف بالعثور على هوية المقتول، وسبب قتله، والقاتل.

رغم أنّ جُرمه دفاعٌ عن النفس، يختار هارون شِليكتان الصمت. الترقية أهمّ، وإلحاح قائده عليه (افعل ما تشاء بعد ترقيتك) عاملٌ ضاغط. العثور على الجثة مدخلٌ إلى خرابٍ أكيد. العثور على دليل يؤكّد وجوده في سيارة الأجرة، المركونة إلى جانب الرافعة، يبقى سرّاً يتحكّم به من سيكون مُطارِدُه. التحقيقات تتعقّد، وظهور غول جانكر (دويوغو سارِسّين) فجأة في مقرّ الشرطة، بهدف تسليم نفسها بتّهمة القتل، يزيدها تعقيداً، فهي تريد لقاء خاصاً مع شِليكتان نفسه، لتكشف له وقائع ما يجري: إنّها شقيقة تونجاي (جِمْ يغيت أوزومُغْلو)، أحد أعضاء فريق التحقيق، أصغرهم سنّاً، وأكثرهم قرباً من عائلة النقيب، الذي يقول له بعد توبيخِ مهنيّ عادي: "إنّك فتى طيّب. لا تتغيّر. لكنْ، لا تُظهر للجميع كم أنّك طيّب القلب. لا تنسَ: ما أسهل أنْ تكون طيّباً، وما أصعب أنْ تكون عادلاً".

 

سينما ودراما
التحديثات الحية

 

قولٌ كهذا ينطبق على تونجاي تماماً. هو من يعثر على الدليل، فيُخفيه لوقتٍ. يراقب النقيب بعينين تقولان حرصاً عليه. ينتبه إلى التصرّفات كلّها لقائده. ملامحه تشي بطيبةٍ وبراءة، فهو بارعٌ في إخفاء ما يضمره ويشعر به. في الدقائق الأخيرة من "كراهية" (106 دقائق)، تنكشف علاقته بغول جانكر، التي تضع وشماً على إحدى يديها يعكس شيئاً مما تجهد في بلوغه: "العدالة للجميع". غير أنّ مفهوم العدالة، كالمفاهيم كلّها، يختلف من شخصٍ إلى آخر. النقيب هارون شِليكتان يعتقد أنّ مهنته كشرطيّ تهدف إلى الاقتصاص من المجرمين، والمشاركة في تحقيق العدالة للضحايا ولذويهم. غول وتونجاي (اسمه الحقيقيّ إمره تورال) يعتبران تنفيذ الثأر، المدفوع بغضب وحقد وغليان، عدالة.

لن تتردّد غول في ارتكاب أي فعلٍ دموي وعنيف، في رحلتها إلى هارون. في غرفة التحقيقات، في مقرّ الشرطة، تُكلِّفه بمهمّة، وإلا فالفضيحة تنتظره. قتله سائق سيارة الأجرة مُصوَّرٌ، وموعد بثّه على مواقع التواصل الاجتماعي قريبٌ. المهمة؟ عليه أنْ يقتل قائده. فهما معاً يُلقيان القبض على والدها قبل أعوامٍ، بتهمة قتله 6 أشخاص في مطعم. حينها، يُشكّك هارون في أنّه مُرتكب الجريمة، لكنْ من دون فائدة. يُقتل الأب (البريء) في السجن، فتُصاب غول وشقيقها (يعترف لاحقاً بتسميمه هؤلاء الأشخاص الـ6، لأنّهم يُذلّون والده، الطبّاخ عندهم، كلّ يوم) بغضبٍ يُشعل الكراهية فيهما، ويدفعهما إلى الانتقام.

يمتلك "كراهية" (نتفليكس) مفردات الفيلم البوليسي التشويقي. الجانب النفسي (صدمة الشقيقين إزاء اعتقال الأب، واليُتم الإضافي لهما، والتأثير القاتل لموته في السجن ظلماً، والسعي الدؤوب إلى الثأر) حاضرٌ في إطار ملائم للسياق الدرامي، من دون غلبةٍ على أي شيء آخر. الخاتمة مليئة بالعنف أيضاً، فاكتمال الثأر يترافق ونهاية مصائر الثلاثيّ، وبعض المصائر متشابهٌ، يُختزل بكلمة واحدة: الموت، مع اختلاف أشكال تحقّقه بينهم.

لكنّ التشويق البوليسي، المُطعَّم بشيءٍ من النفسيّ، محصورٌ بقصّة عادية.

المساهمون