"حاجزٌ" لبناني يفضح مخفيّاً بسلاسة درامية

28 أكتوبر 2020
الصورة
باسكال سينيوري في "حاجز": تردّد يؤدّي إلى اتّهام (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -

في 16 دقيقة و11 ثانية، يختزل "حاجز" (2020، إنتاج مارين فاييان)، لداليا نمليش، بعض ارتباك حالة لبنانية منبثقة من "انتفاضة 17 أكتوبر" (2019). الحكاية (سيناريو وحوار باسكال سينيوري) عادية: فرح (سينيوري) وأنتوني (أحمد حمّادي شاسين) مرتبطان أحدهما بالآخر بعلاقة عاطفية. هي ناشطة ميدانية في الانتفاضة. هو فرنسي من أصل لبناني، يأتي إلى لبنان لحظة الانتفاضة لزيارة جدّته المريضة، لكنّ السبب مختلف، إذْ يظهر أنّه قادمٌ لـ"إنقاذ" فرح من اضطراب يظنّ أنتوني أنّه خطر عليها، وعلى الحريات. لكنّ حاجزاً يُقيمه مسلّحان اثنان، هما رياض (جوليان فرحات) وسامر (محمد ياسين)، رفقة كلبهما (جوكر)، يفضح كلّ شيء، بسبب حماسة مفرطة لسامر، وتردّد كبيرٍ لفرح إزاء اعترافٍ بوضعٍ حميميّ خاصٍ بها.

تتراكم تفاصيل لصُنع مشهدٍ، يبدأ بمواجهة سلمية لفساد سلطة ونهبها، برفع شعار "كلّن يعني كلّن"، المُتداول بكثرة في الانتفاضة اللبنانية الأخيرة، وينتهي بـ"سوء فهم" يستغلّه سامر لتثبيت موقعٍ جديد له في تنظيمٍ منتمٍ إليه. ختامٌ منبثقٌ من تردّد واستغلال، يلتقيان في لحظةٍ واحدة، فتنكشف مسائل مخبّأة بين أنتوني ووالديّ فرح، وفي ذات أنتوني أيضاً، الذي له تفكيرٌ تُناقضه فرح بتفكير مختلفٍ تماماً عنه. بهذا، يتحوّل الحاجز إلى حيّز يكشف ويُعرّي ويفضح، وتواجه العلاقة الثنائية بين الحبيبين أحد مفاصل سيرتها، وتُقال أشياء عن بلدٍ وآراءٍ باختزال مكثَّف وكافٍ نسبةً إلى المضمون المتكامل للحكاية.

 

 

في اللحظات الأولى، تُقال أشياء واضحة تُحدِّد مسار فرح، المنخرطة في الانتفاضة، والمشاركة في تظاهراتها واحتفالاتها. "انتفاضة 17 أكتوبر"، بحسب "حاجز"، تُتقن مواجهة فسادٍ ونهبٍ، بحراك مدنيّ سلميّ، وتعيش فرحاً ورقصاً في ساحات المواجهة والتحدّي. التصوير (فاطمة رشا شحاده) يلتقط تلك اللحظات كلّها، مانحاً التوليف (آدم جمّال) مادة لغربلة صُورٍ، تتكامل معاً في قراءة عناوين عدّة بسلاسة سينمائية: معنى العلاقة العاطفية والخفايا التي يُظنّ أنّها تُصنَع لحمايةِ آخرٍ؛ مواقف عامة إزاء سياسةٍ وتفكيرٍ ورؤية؛ منطق الحرب الأهلية واستمراريته بعد 29 عاماً على النهاية المزعومة للحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990)؛ ثقافة مليشياوية راهنة، تفرض قواعدها في غياب الدولة؛ تساؤلات عن الهجرة والبقاء والوطن والهويّة؛ إلخ.

وفرة العناوين مطلوبة، فاللحظة اللبنانية ـ اللاحقة لـ"انتفاضة 17 أكتوبر" تحديداً ـ مليئة بها، والنصّ يبلورها في سياق سلسٍ ومبسّط، معتمداً اللغتين العربية والفرنسية بالأسلوب اللبناني الواقعي في التحدّث بهما، وغالباً بتداخل إحداهما بالأخرى. فـ"حاجز" ـ المُشارك في مسابقة الأفلام القصيرة، في الدورة الـ4 (23 ـ 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2020) لـ"مهرجان الجونة السينمائي" ـ يكشف شيئاً من نبض بلدٍ واجتماعٍ وثقافةٍ وسلوكٍ، متحرّراً من كليشيهات وطنية ضيّقة، ومسرفاً في تبيان وقائع ومسارات ولغةٍ وأقوال وأنماط تفكير وعيش، بتكثيف دراميّ وجمالية مبسّطة.

المساهمون