"بيروت 6:07" لكارول منصور: تنظيرٌ يكاد يُخفي حجم الكارثة

"بيروت 6:07" لكارول منصور: تنظيرٌ يكاد يُخفي حجم الكارثة

19 أكتوبر 2020
الصورة
كارول منصور: الصوت للناس (جوزف عيد/ فرانس برس/ Getty)
+ الخط -

 

إنْ يكن الغضب سمة "بيروت 6:07" لكارول منصور (موقع "درج")، المُنجز بعد أقلّ من 6 أشهر على مشاركتها في فيلمٍ جماعي للموقع نفسه بعنوان "العيش في ظلّ الوباء" ("العربي الجديد"، 24 إبريل/ نيسان 2020)؛ فالكلام الذي يُقال على ألسنة أصدقاء لها، بعد جريمة انفجار مرفأ بيروت (4 أغسطس/ آب 2020)، يحتاج إلى نقاشٍ يتعلّق بإنكارٍ شبه عام لمسؤولية الناس عن الخراب الحاصل في بلدهم. المسؤولية واقعةٌ على منظومة حاكمة، تستمرّ في عنفها اليوميّ ضد البلد وناسه لأسبابٍ كثيرة، أحدها كامنٌ في تخاذل لبنانيين كثيرين عن مواجهة تلك المنظومة السارقة والفاسدة والقاتلة، منذ سنين مديدة.

في الشريط المُصوِّر حديثاً (17 دقيقة)، تنقل كارول منصور غضب أناسٍ على منظومة حاكمة، لكنّ أحداً من أولئك المتضرّرين، بشكلٍ أو بآخر، من أهوال العيش اليومي في جحيم البلد، لا يتجرّأ على تحميل الناس مسؤولية التخاذل والتقوقع والعزلة، بدلاً من قيامة جماعية تهدف إلى إصلاح الحال، الفردي والعام.

لا سهولة في ذلك. هذا مؤكّد. لكنّ تخاذل لبنانيين كثيرين ـ في 30 عاماً تُعتَبر، بحسب روايات كثيرة، سلماً أهلياً ينكشف، لحظة تلو أخرى، حرباً مستمرّة ـ جزءٌ من ديمومة منظومة خارجة من حربٍ إلى وهم سلام عبر قانون عفو عام (26 أغسطس/ آب 1991). ما تفعله كارول منصور في "بيروت 6:07" يُحصَر في تعبيرٍ فرديّ عن غضبٍ، يتخلّله شتمٌ وتقريع وكلام معسول عن حبّ من طرف واحد لمدينة تسحق أبناءها، المتعلّقين بها رغم رفض بعضهم خرافة طائر الفينيق. أما المهاجرون، الذين تُسمع أصوات قلة منهم في شريطٍ يوثِّق ـ رغم كلّ شيء ـ نبض أناسٍ ووقائع موتٍ ودمار وتشويه، فلهم كلامٌ يوصف، ببساطة، بأنّه مدّع ومتصنّع و"مثقَّف"، كمن يجلس على أريكة في مدينة غربيّة أو ربما عربيّة، ويتلو فعل شوق وحبّ مستنداً إلى راحةٍ تؤمّنها الهجرة رغم مصاعبها.

 

 

بعيداً عن "تنظيرٍ" كلاميّ (يُفضَّل لو أنّ كارول منصور تكتفي بحساسيتها وانفعالاتها وهواجسها ومخاوفها وغضبها ورفضها ووجعها، بدلاً من تسجيل كلامٍ لأصدقاء لها، كما يقول التعريف بالشريط، يبدو إسقاطاً تنظيرياً على حالة خراب ووجع وموت)، يُشكِّل "بيروت 6:07" شهادة بصرية لفعلٍ جُرميّ، ولتأثيراته القاسية على أمكنةٍ وأصواتٍ ومشاعر، وإنْ يذهب بعض قائلين بها إلى مرتبة التشاوف الكلامي المبطّن، في مفردات توهم بتواضعٍ وصدقٍ وشفافية. وبعيداً عن مضمونٍ، يُراد توثيقه بصرياً لتحصين الفعل الجرمي ونتائجه وتأثيراته من كلّ تغييبٍ أو نسيان، يحمل شريط منصور كمّاً مخيفاً من المواجع والقلاقل والآلام والتمزّقات والغضب، وهذا الأخير يُترجم شتماً وتنفيساً كلامياً، في لحظة "احتفالٍ" معطّل بذكرى مرور عامٍ واحدٍ فقط على "انتفاضة 17 أكتوبر" (2019) اللبنانية.

صحيحٌ أنّ التعريف الرسمي بالشريط يقول إنّ الناجين من "انفجار هائل دمَّر بيروت" لا يزالون "يحصون خساراتهم، ويحاولون فهم ذلك الشرّ الذي يجثم على حياتهم منذ عقود"؛ إلاّ أنّ التغاضي عن جانبٍ (على الأقلّ) من هذا الشرّ، الذي يكمن (الجانب) في سلوك لبنانيين كثيرين إزاء الاهتراء اليومي لبلدهم في 30 عاماً، يُغيِّب حقائق ويتنصّل من مسؤوليات، من دون تجاوز المسؤولية الأولى الواقعة على منظومة فاسدة وناهبة تتحكّم بحيوات الناس وموتهم. تحاول منصور، بحسب التعريف نفسه، "نقل حال المدينة بعد الانفجار، عبر هواجس أصدقاء"، من خلال سؤالهم عن كيفية عيشهم الحاصل معهم في تلك اللحظة، وما بعدها بقليل، وعن الباقي في نفوسهم.

أما التقنيّ والفنيّ في الشريط، فمعقودان على تصوير آنيّ معطوفٍ على تسجيلات متداولة في وسائل التواصل وغيرها، في توليفٍ سريع للقطاتٍ مختلفة، وفي اشتغال حِرفيّ على الصوت وحضوره في اللقطة، وفي غيابها أيضاً. لذا، ورغم كلّ الملاحظات، يُشكِّل "بيروت 6:07" شهادة بصرية عن جُرمٍ وخيبات وموت وتساؤلات وهواجس.

المساهمون