"أونيست تريلرز": متعة الحقيقة الساخرة

"أونيست تريلرز": متعة الحقيقة الساخرة

09 اغسطس 2022
ألفرد هيتشكوك كان أول من جعل الفيديو الترويجي عملاً فنياً (Getty)
+ الخط -

لا نعلم بدقة متى استقل الفيديو الترويجي للأفلام أو الـ Trailer، وأصبح شكلاً فنياً منفصلاً. صحيح هو تعريف بالفيلم الذي سنراه في الصالات، وتقنية دعائيّة لجذب الجمهور مدتها دقائق، لكنه يمتلك جماليات تميزه عن غيره، كخلق التشويق، والتلاعب بفضول المشاهد والمونتاج السريع وغيرها.  

يقال إن ألفرد هيتشكوك كان أول من جعل الفيديو الترويجي عملاً فنياً، وذلك في الفيديو الترويجي الخاص بفيلمه "سايكو" الصادر عام 1960. حالياً أصبح الأمر أشد تعقيداً، إذ يُتهم الفيديو الترويجي بأنه "خدعة" تجاريّة كي "نحضر" الفيلم وندفع ثمن البطاقات، بل أن البعض يبالغ ويقول إن الفيديو الترويجي، أصبح هو الفيلم، أما الفيلم نفسه. فليس إلا محاولة لتحويل المشاهدة إلى لعبة، مهمة المشاهد فيها ملء الفراغات واكتشاف ما لم يذكر في الفيديو الترويجي. 

استخدمنا كلمة "خدعة" في البداية لأننا أمام طُعمٍٍ، الهدف منه نهاية شغل مقعد في الصالة، أو دفع اشتراك في إحدى منصات البث المنزلي (نتجاهل هنا البث المقرصن)، وكأي خدعة، هناك ما هو مبالغ به، ووعد بالمتعة يطلقه الفيديو الترويجيّ ولا بد للفيلم أن يلبيه أو يحققه، وبعد نهاية الفيلم، نرى أنفسنا إما مخدوعين بالفيديو الترويجي أو فرحين لأن الفيلم يستحق المشاهدة. 

مقاربتا "خدعة" و"عمل فني" هما الأساس الذي تقوم عليهما قناة اليوتيوب Honest Trailers، التابعة لقناة Screen Junkies، اللتان تأسستا عام 2011. ففي Honest Trailers أو "الفيديو الترويجي الصادق" نشاهد مونتاجاً جديداً للفيديو الترويجي الأصلي مع تعليقات من جون بايلي، أو "رجل الصوت" The Voice Man ذاك الذي يتبنى شخصية رواة الفيديوهات الترويجيّة المستمدة من العشرينيات والثلاثينيات، ليعلق بصوت رخيم وعميق على ما نراه، متبنياً شخصية الصادق المتهكم كاشف العيوب. أي أنّه ينتقد الفيلم من دون أي مراعاة لسياسات التسويق، ليقدم لنا محاكاة ساخرة عن الفيديو الأصلي. لكن هذه المرة الهدف ليس السخرية فحسب، بل "الحقيقة"، أي التعريف بالفيلم بعيداً عن الربح، عبر انتقاده والإشارة إلى عيوبه، وفي بعض الأحيان، الحديث عن محاسنه. 

"يحرق" الفيديو الترويجي الصادق الفيلم إن أردنا استخدام المصطلح الشعبي المتداول، أي يكشف عن أحداثه، في ذات الوقت يشير إلى مكامن الضعف فيه أو التكرار والتشابه مع أفلام أخرى كاسراً الوهم حول فرادة الفيلم. مثلاً هناك فيديو ترويجي صادق لكل أفلام كريستوفر نولان، والتي نكتشف أنها جميعاً متشابهة ذات الأبطال وذات الحكاية في الكثير من الأحيان، يسخر أيضاً  في الفيديو رقم 100 من فيلم "خمسون ظلاً للرمادي" عبر مقارنته بسلسلة أفلام مصاصي الدماء Twilight. فإن كان الأخير فانتازيا للمراهقين، فالأول، فانتازيا للبالغين. هذه المقاربات وقراءة الأفلام بوصفها يتخاطب بعضها بعضاً، تحوي رؤية نقدية ملفتة ووعياً بالنوع السينمائي. ووصل الأمر أخيرًا إلى وجود فيديو ترويجي صادق لكل فيلم يصدر جديداً. 

يستعرض "رجل الصوت" قدرته على الإلقاء في نهاية كل فيديو، طالباً من المشاهدين أن يتركوا له عبارة كي ينطقها بصوت الجذاب، فاتحاً الباب أمام التفاعل مع الجمهور، وتلبية رغباتهم الطفوليّة. لكن، في إحدى المرات، لم يكن "رجل الصوت" الشخصية الوحيدة المهيمنة، إذ وقف بوجهه Deadpool (بطل خارق من سلسلة مارفل)، المعروف بأنه يكسر الجدار الرابع ويخاطب المشاهدين لأنه يدرك كشخصية أنه في فيلم يدور حوله. ففي الفيديو الترويجي الصادق لـ Deadpool الذي بث عام 2015، يقتحم البطل الخارق الذي لا يموت (يؤدي دوره راين رينولدز) شاشة "يوتيوب" ليعلق على الفيلم الذي يحمل اسمه، نازعاً السلطة من "رجل الصوت"، مادحاً الفيلم وما فيه، وساخراً من القناة نفسها. ومن هذا الفيديو بالذات نكتشف أثر هذه القناة على الجمهور، فبالتأكيد رينولدز لم يقم بذلك من نفسه بل تم الاتفاق مع شركة الإنتاج، ليتحول الفيديو الترويجي الصادق نفسه، إلى وسيلة للترويج للفيلم. 

تستفيد Honest Trailers من نزق المشاهدين ورغبتهم بمعرفة "الحقيقة" للترويج لفيديوهاتها، وهذا الملفت. نحن لسنا أمام محاكاة ساخرة بالمعنى الدقيق، أي نسخة ساخرة تتجنب الجديّة، بل نسخة أكثر قدرة على الوصف ورصد "الحقيقة" وراء الفيديوهات الترويجية الأصلية، ما يخلق نوعاً من المقاربة النقدية الساخرة لصناعة هوليوود، إلى حد أنّ جو روسو أحد مخرجي فيلم "كابتن أميركا: جندي الشتاء"، صرح أنه كان يأخذ بعين الاعتبار شكل الفيديو الترويجي الصادق الذي سيبث بعد الفيلم، إذ قال مرةً متهكماً إنه حاول صناعة الفيلم ليكون منيعاً ضد هذه الفيديوهات.

المساهمون