3 عوامل وراء قصف روسيا موانئ البحر الأسود

3 عوامل وراء قصف روسيا موانئ البحر الأسود

15 سبتمبر 2023
الدخان يرتفع من ميناء أوديسا الذي يتعرض لهجوم صاروخي عنيف بشكل شبه يومي (Getty)
+ الخط -

انصبّ تركيز وسائل الإعلام العالمية في الشهور الأخيرة على تداعيات الهجمات الروسية على الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود، وعلى اتفاقية تصدير الحبوب الأوكرانية، وما تسببه من أزمة على سوق الحبوب العالمي وإمدادات القمح والغذاء، وذلك لأن الهجمات الروسية تكثفت بعد رفض موسكو تجديد اتفاقية تصدير الحبوب بداية من 18 يوليو الماضي، وجاءت في وقت تخوض فيه الاقتصادات الكبرى في أميركا وأوروبا معركة كبح جماح التضخم التي تهدد مستقبل النمو العالمي. ولكن ما هي الأبعاد الأخرى لتكثيف الهجمات الروسية على الموانئ الأوكرانية؟ وما هي مصالح روسيا في البحر الأسود؟

وفق محللين، تعد الهيمنة على البحر الأسود "قضية وجود" بالنسبة لروسيا، كما يمثل البحر الأسود مصدر القوة الاستراتيجية لروسيا، اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وبالتالي تعتمد عليه في تمدد نفوذها الاستراتيجي في العالم. ويعود تاريخ المواجهة بين روسيا والقوى الكبرى على البحر الأسود لقرون، إذ بدأت المواجهة منذ نشوء الإمبراطورية العثمانية وتواصل التنافس الجيوسياسي بين روسيا والغرب طوال عقود الحرب الباردة.

على الصعيد الاقتصادي، يمكن النظر إلى ثلاثة عوامل اقتصادية رئيسية تهم روسيا وتحفزها للهيمنة على البحر الأسود، وفق هؤلاء المحللين. أول وأبرز هذه العوامل هو أن روسيا تعتمد في تجارتها العالمية على موانئ البحر الأسود وكذلك في وارداتها، وهو ما يعني أن خسارتها الحربية لموانئ البحر الأسود تعني خنقها اقتصادياً من قبل القوى الغربية وتركها تحت رحمة ممر واحد ضيق بين اليابان وكوريا الجنوبية، وهما دولتان حليفتان لواشنطن، وهو ممر تسو شيما الذي يمكن أن تغلقه اليابان في أية لحظة أمام حركة التجارة الروسية.

ورغم أن روسيا دولة نووية كبرى تحسب لها الولايات المتحدة وأوروبا ألف حساب، إلا أنها من الناحية الاقتصادية دولة متوسطة، إذ لا يتجاوز حجمها الاقتصادي 1.7 تريليون دولار، أي أقل من اقتصادات العديد من دول أوروبا الغربية، كما أنها ليست دولة متطورة تقنياً. وبالتالي، فإن حرمانها من الهيمنة على موانئ البحر الأسود، يعني تلقائياً حرمانها من التجارة ومرور حاويات النفط والحبوب، وبالتالي عدم قدرتها على تمويل الحرب الدائرة في أوكرانيا.

في هذا الشأن، يقول الخبير الروسي بول سترونسكي في تحليل بمركز كارنيغي الأميركي للدراسات، إن لدى روسيا مصالح اقتصادية حيوية لا ترغب في خسارتها، وبالتالي تستميت في الهيمنة عليه.

وحسب نشرة "إنيرجي انتيليجنس" الأميركية، تستهدف موسكو من تكثيف الهجمات على البحر الأسود السيطرة على حركة السفن داخل وخارج بحر قزوين، التي تعد مهمة لتصدير النفط عبر خط أنابيب اتحاد أنابيب قزوين (CPC)، الذي ينقل حوالي 1.4 مليون برميل يوميا من النفط الخام الكازاخستاني والروسي إلى الأسواق العالمية عبر محطة يوزنايا أوزيريفكا بالقرب من نوفوروسيسك.

ويعد ميناء نوفوروسيسك، أكبر ميناء روسي على البحر الأسود، حيث يقوم بشحن ما بين 450 ألفا إلى 600 ألف برميل يوميا من النفط الخام الروسي و150 ألفا إلى 250 ألف برميل يوميا أخرى من الخام الكازاخستاني إلى الأسواق العالمية. كما تصدّر روسيا عبر الميناء كميات تتراوح بين 400 ألف و450 ألف برميل يوميًا من المنتجات البترولية، خاصة الديزل وزيت الوقود، حسب ما ذكرت "إنيرجي إنتيلجينس" الأميركية.

ويرى محللون أن روسيا عبر الهيمنة على البحر الأسود ستمكن الأسطول الروسي من التحرك بحرية وحرمان أوكرانيا من عوائد التجارة مع الدول الغربية ووصول الإمدادات العسكرية، خاصة تصدير الحبوب، وبالتالي الضغط تلقائيا على الدول الغربية التي تعاني من تضخم أسعار الغذاء.

كما تمنح الهيمنة كذلك موسكو حرية كاملة في المتاجرة مع الدول المتشاطئة على البحر الأسود بحرية، بعيداً عن الرقابة الغربية، واستيراد ما تريده من السلع الغربية المحظورة عليها عبرها، خاصة دول مثل جورجيا وأرمينيا.

ولاحظت بيانات تجارية سبق أن نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية ارتفاعا كبيرا في تجارة دول مثل أرمينيا وجورجيا وأذربيجان مع ألمانيا وباقي الدول الأوروبية الغربية. ولاحظت الصحيفة إعادة تصدير هذه الدول للمواد المستوردة إلى روسيا.

وتمكن الهيمنة على البحر الأسود موسكو من الحفاظ على نفوذها السياسي والاقتصادي على موارد آسيا الوسطى التي تعتمد عليها في النفوذ التجاري على الأسواق العالمية، مثل النفط والغاز الطبيعي وخام اليورانيوم والذهب، وفق محللين دوليين. وتشكل هيمنة الشركات الروسية على موارد هذه الدول مصدر ثراء ونفوذ اقتصادي كبير للدب الروسي في العالم.

ويلاحظ أن دول آسيا الوسطى تصنف على أنها دول حبيسة وتعتمد في تجارتها على المنافذ البحرية الروسية. وفي حال خسارة روسيا لحرب البحر الأسود، فإنها ستفقد تلقائياً نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي في دول آسيا الوسطى. وتعتمد روسيا مثلا بدرجة كبيرة على خام اليورانيوم الكازاخستاني والأوزبكستاني في الهيمنة على سوق الوقود النووي الذي تمد به المفاعلات النووية الغربية في أوروبا وأميركا.

يلاحظ في هذا الصدد، أن الرئيس الأميركي جو بايدن بعد وقت قصير من غزو روسيا لأوكرانيا، وتحديدا في مارس من عام 2022، وقع أمرًا تنفيذيًا يحظر استيراد النفط الروسي والغاز الطبيعي والفحم الروسي إلى الولايات المتحدة، ولكنه تجاهل حظر الوقود النووي. والسر في ذلك يعود إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها يعتمدون بشكل كبير على استيراد اليورانيوم والوقود النووي الروسي.

ووفقًا للرابطة النووية العالمية، تمتلك روسيا وحدها 48 مليون وحدة عمل تخصيب، مقابل 33 مليون وحدة من بين 81 مليون وحدة تخصيب في العالم. وتعني خسارة البحر الأسود تراجع هيمنتها على اليورانيوم في آسيا الوسطى.

على صعيد النفوذ الاستراتيجي والعسكري، تستهدف موسكو عبر هيمنتها على شواطئ البحر الأسود حماية وجودها من هجمات حلف شمال الأطلسي والنفوذ إلى قلب الأراضي الروسية أو السيطرة على أهم ميناء للأسطول الروسي في شبه جزيرة القرم، وهو ميناء سيفاستوبول، كما تستهدف كذلك تقويض تماسك حلف شمال الأطلسي من خلال محاولة تأجيج الانقسامات بين أعضاء الحلف على طول البحر الأسود.

يذكر أن عدد موانئ البحر الأسود يبلغ 65 ميناء تتوزع بين 6 دول، هي روسيا وجورجيا وتركيا وأوكرانيا وبلغاريا ورومانيا. على ساحل يبلغ طوله نحو 5 آلاف كيلومتر. وتتنوع الموانئ بين التجاري والسياحي والعسكري ونقل الركاب.

وتعدّ تلك الموانئ طريق عبور مهما لتصدير الطاقة نحو أوروبا من آسيا، حيث تقع أهم مراكز إمدادات الطاقة في العالم في منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى. وتشكل أيضا منفذا مهما للحبوب الغذائية إلى جميع دول العالم، حيث تُصدّر روسيا وأوكرانيا، أهم مُصدّرين للقمح في العالم، الحبوب عبر موانئهما على البحر الأسود.