هل تشعل أسعار الغاز ثورات أوروبية وتطيح حكومات؟

هل تشعل أسعار الغاز ثورات أوروبية وتطيح حكومات؟

05 سبتمبر 2022
عبّر المحتجون عن سخطهم تجاه أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة (Getty)
+ الخط -

لم تعد حرب الطاقة المشتعلة بين روسيا وأوروبا مقتصرة على الضغط الاقتصادي الشديد المتبادل بين الجانبين، ومحاولة موسكو شق الصف الأوروبي لتفتيت العقوبات المفروضة عليها، بل ترتسم ملامح اضطرابات أوروبية أكثر عمقاً تصل إلى حد الثورات الشعبية وإطاحة حكومات على خلفية الفواتير الضخمة التي يدفعها المواطنون

ما إن هدأت مخاوف الأوروبيين قليلاً حيال الشتاء المقبل، بعد إعلان العديد من الحكومات تباعاً خلال الأسابيع القليلة الماضية زيادة مخزونات الغاز إلى مستويات كبيرة، تصل إلى حدود 90% في بعض الدول، حتى أعلنت روسيا، قبل يومين، أن خط أنابيبها الرئيسي إلى أوروبا لن يستأنف التدفقات كما هو مخطط له، ما يمثل ضربة للجهود الأوروبية، ليس فقط بالنسبة إلى رفع مستويات المخزون، بل أيضاً قد يؤدي إلى استنزاف ما جُمع لمواجهة أيام عجاف تدنو من كبار المستهلكين.

وأُغلق خط الأنابيب "نورد ستريم 1" الذي ينقل الغاز الطبيعي الروسي إلى ألمانيا يوم 31 أغسطس/آب، بسبب ما قالت الشركة الروسية المنتجة للغاز "غازبروم" إنها أعمال صيانة ستستغرق ثلاثة أيام انتهت السبت الماضي. لكن الشركة الروسية، أعلنت، يوم الجمعة، أنه لن يكون بإمكانها استئناف التدفقات، مشيرة إلى تسرب زيت في توربين الغاز الرئيسي في محطة بورتوفايا للضخ بالقرب من مدينة سان بطرسبرغ.

ارتفاع كبير للأسعار 

ويتوقع محللون للطاقة في مؤسسات مالية عالمية، أن يؤدي تعطل تدفقات الغاز الروسي عبر الخط إلى ارتفاع كبير في الأسعار اعتباراً من اليوم الاثنين، ومن المحتمل أن تحاكي ارتفاعات الشهر الماضي.

ووفق تقرير لبنك الاستثمار الأميركي غولدمان ساكس، فإن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا سترتفع قرب مستوياتها القياسية التي سجلتها خلال أغسطس/آب الماضي. إذ نقلت وكالة بلومبيرغ الأميركية، أمس الأحد، عن داميان كورفالين، رئيس أبحاث الطاقة في البنك، أن إعلان موسكو توقف الإمدادات لأجل غير مسمى، من المحتمل أن "يعيد إشعال حالة عدم اليقين في السوق في ما يتعلق بقدرة منطقة الاتحاد الأوروبي على إدارة المخزونات خلال فصل الشتاء".

وعدم استئناف الإمدادات عبر "نورد ستريم 1" يزيد من مخاطر انقطاع التيار الكهربائي ويشعل موجة غلاء السلع والخدمات من جديد، بينما كانت دول الاتحاد الأوروبي قد عكفت على تكوين مخزون مؤقت لفصل الشتاء. ومع التطورات الأخيرة يمكن أن يزداد الوضع سوءاً بمجرد أن تتضاءل المخزونات، وخاصة مع اقتراب نهاية موسم التدفئة، أو إذا تعرضت القارة لنوبات برد شديدة.

ويتوقع محللون للطاقة في مؤسسات مالية عالمية، أن يؤدي تعطل تدفقات الغاز الروسي عبر الخط إلى ارتفاع كبير في الأسعار اعتباراً من اليوم الاثنين

وتشير روسيا إلى مشكلة تتعلق بصيانة خط الأنابيب المتوقف، فيما تتهم الحكومات الغربية موسكو بالبحث عن ذريعة لقطع الإمدادات، رداً على العقوبات التي فُرضت عليها بعد غزوها لأوكرانيا نهاية فبراير/ شباط الماضي.

و"نورد ستريم 1" أكبر خط أنابيب غاز روسي إلى أوروبا من ناحية الكمية التي تبلغ 55 مليار متر مكعب سنوياً. ويمتد هذا الخط المزدوج عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا. وفي العامين الماضيين فاق بالفعل طاقته المبينة على لوحة بياناته، محققاً 59.2 مليار متر مكعب في عام 2021.

وما إن أعلنت العديد من الحكومات الأوروبية الأسابيع الأخيرة تكوين مخزونات مرضية من الغاز، حتى انخفضت أسعار الغاز أخيراً، بينما تؤكد توقعات المحللين أن هذه الانخفاضات سرعان ما ستتحول إلى زيادات غير مسبوقة من جديد. ويدور سعر الغاز الطبيعي في الأسواق الآسيوية حالياً حول نحو 45 دولاراً لمليون وحدة حرارة بريطانية.

وكانت هيئة تنظيم الطاقة في ألمانيا قد ذكرت، السبت الماضي، أن مستويات التخزين وصلت إلى 84.5%، وذكرت هولندا، يوم الجمعة، أنها ستصل إلى هدف الاتحاد الأوروبي بملء مواقع تخزين الغاز إلى 80% في وقت مبكر من الأسبوع الجاري. كذلك قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش زيارة للجزائر نهاية الشهر الماضي، إن مخزونات الغاز في بلاده في حدود 90%. 

سلاح الغاز 

ويرى محللون أنّ روسيا تستخدم الغاز كسلاح لزعزعة القرار الأوروبي، وربما القضاء على تماسك وحدة القرار الأوروبي في المستقبل وإشعال نار ثورات شعبية بسبب الفواتير الضخمة التي يدفعها المواطنون للكهرباء والتدفئة.

وبالفعل، شهدت العاصمة التشيكية براغ مظاهرات عارمة قادها عشرات آلاف المواطنين ضدّ الحكومة، للمطالبة بتوفير المزيد من المساعدات، وسط ارتفاع فواتير الطاقة، في ما يعد أكبر مظهر من مظاهر السخط والاستياء التي عبّر من خلالها المحتجون تجاه أسوأ أزمة ارتفاع لتكاليف المعيشة التي تشهدها البلاد منذ ثلاثة عقود.

وملأ ما يقرب من 70 ألف متظاهر ساحة "وينسيسلاس" في وسط العاصمة التشيكية، يوم السبت، وفقاً لتقديرات الشرطة، وحمل بعضهم لافتات تُندد بعضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي والتحالف العسكري لحلف شمال الأطلسي.

والتضخم في جمهورية التشيك، المدفوع بشكل رئيسي بارتفاع تكاليف الإسكان وارتفاع أسعار الطاقة، هو الأعلى حالياً منذ عام 1993، كما يتوقّع البنك المركزي في البلاد أن يبلغ ذروته عند حوالى 20% في الأشهر المقبلة.

من جهتها، أعلنت الحكومة تقديم مساعدات إلى المواطنين تبلغ قيمتها 177 مليار كرون تشيكي (أي ما يُعادل 7.2 مليارات دولار) أو نحو 3% من الناتج الاقتصادي للبلاد. ومن المقرر أن تشمل حزمة الإجراءات الجديدة زيادات في المعاشات التقاعدية وزيادات في أجور موظفي الدولة و66 مليار كرون تشيكي لدعم الطاقة.

شهدت العاصمة التشيكية براغ مظاهرات عارمة قادها عشرات آلاف المواطنين ضدّ الحكومة، للمطالبة بتوفير المزيد من المساعدات، وسط ارتفاع فواتير الطاقة

في المقابل، اعتبر رئيس الوزراء بيتر فيالا، الذي تعدّ حكومته من بين أنشط المؤيدين والداعمين الأوروبيين للصراع الأوكراني ضد روسيا، أنّ التظاهرة نظّمها متعاطفون موالون لروسيا ومتأثرون بدعاية الكرملين، حسبما ذكرت وكالة أنباء "سي تي كيه" التشيكية. 

المعارضة تُصعد 

وتطاول الأزمة دولاً أخرى، إذ أعلنت الحكومة السويدية تقديم ضمانات على شكل سيولة لمرافق دول شمالي أوروبا والبلطيق، حيث حذّرت رئيسة الوزراء السويدية ماغدالينا أندرسون، من أن قرار روسيا وقف الإمدادات عبر "نورد ستريم 1" يُعرّض الاستقرار المالي في المنطقة للخطر.

وقالت "أندرسون" للصحافيين، يوم السبت، في استوكهولم إن الضمانات المصممة لمساعدة الشركات التي تكافح من أجل تلبية متطلبات الضمانات المتزايدة اللازمة لتداول الكهرباء، ستصل إلى "مئات المليارات" من الكرونة السويدية، وستكون سارية المفعول قبل إغلاق أسواق الأسهم، يوم الاثنين.

ويجعل ارتفاع الأسعار في أوروبا من شراء المرافق وبيعها للكهرباء أمراً أكثر تكلفة بسبب الضمانات الإضافية المطلوبة لضمان الصفقات في أسواق الطاقة التي تواجه اضطرابات غير مسبوقة.

وأصبحت سياسة الطاقة نقطة اشتعال في النقاش السياسي السويدي، حيث أعلنت المعارضة سياساتها الخاصة في الأسابيع الماضية التي تهدف إلى تخفيف آلام الأسر وإلقاء اللّوم على الحكومة وتحميلها مسؤولية نقص الطاقة في الجنوب بعد إغلاق بعض المفاعلات النووية قبل بضع سنوات.

وقد تطيح المعارضة اليمينية حكومة الأقلية الاشتراكية الديمقراطية بقيادة رئيسة الوزراء "أندرسون" ومجموعتها من الأحزاب الداعمة، نظراً للصراع القائم بين الكتل المتنافسة قبل انتخابات 11 سبتمبر/أيلول المقبل.

بدورها أعلنت شركة الطاقة الفنلندية "فورتم أويج" الأسبوع الماضي، أنّ تكلفة الضمانات اللازمة للتداول في أسواق الطاقة في دول أوروبا الشمالية ارتفعت بمقدار مليار يورو (مليار دولار) في أسبوع إلى 5 مليارات يورو، باستثناء الضمانات التي قدمتها شركتها الفرعية في ألمانيا "يونيبر إس إي". 

استعدادات حكومية 

وتستعد فنلندا لاتخاذ إجراءات مماثلة، حسبما قالت وزيرة المالية الفنلندية أنيكا ساريكو على "تويتر" مطلع الشهر الجاري. وطلبت سوق الطاقة الأوروبية هذا الأسبوع مزيداً من الدعم الحكومي للمتداولين لضمان شرائهم وبيعهم مصادر الطاقة، إذ إن مليارات اليورو التي طُرحَت كضمان للتداولات تستنزف السيولة وتجعل الأسعار أكثر تقلباً.

صنفت وكالة موديز العالمية للتصنيف الائتماني في أغسطس/ آب، 6 دول في الاتحاد الأوروبي، على أنها "الأكثر انكشافاً" على فرضية وقف روسيا إمدادات الغاز عن دول التكتل

وفي إيطاليا من المتوقع أن تصل تكلفة استيراد الطاقة إلى نحو 100 مليار يورو (99.5 مليار دولار) خلال العام الجاري، بحسب وزير الاقتصاد الإيطالي دانييلي فرانكو، خلال منتدى أمبروسيتي السنوي للأعمال في "تشيرنوبيو"، السبت الماضي.

وكشف الوزير أن الحكومة أنفقت 33 مليار يورو منذ بداية العام لتبديد أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد، لكن هذه الاستراتيجية مكلفة جداً ولا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

والشهر الماضي، أعربت 16 نقابة ألمانية عن غضبها من ارتفاع أسعار الغاز، مطالبة حكومة بلادها برفع جميع العقوبات عن روسيا من أجل عودة تدفق الوقود الأزرق بشكل طبيعي. كذلك تعددت مظاهر السخط الاجتماعي في العديد من الدول لتتعدد الإضرابات العمالية، احتجاجاً على الغلاء وارتفاع كلف المعيشة.

ومع توقف الإمدادات عبر "نورد ستريم 1"، يوم السبت، فإن الضغوط على الحكومة الاقتصادية والاجتماعية على الحكومة الألمانية مرشحة للتصاعد، إذ قالت الشركة المنظمة لشبكة الغاز في ألمانيا، السبت، إنه لا يمكن استبعاد حدوث مزيد من التدهور، رغم أن وضع الإمدادات آمن حالياً.

وكانت روسيا تمدّ الاتحاد الأوروبي بـ 41% من حاجته من الغاز الطبيعي، قبل أن تتراجع النسبة إلى ما دون 30% في الوقت الحالي، وسط مخاوف أوروبية من قطع كامل للغاز قبل حلول الشتاء.

وصنفت وكالة موديز العالمية للتصنيف الائتماني في أغسطس/ آب، 6 دول في الاتحاد الأوروبي، على أنها "الأكثر انكشافاً" على فرضية وقف روسيا إمدادات الغاز عن دول التكتل، موضحة أن الدول الست هي ألمانيا، والتشيك، والمجر، وإيطاليا، وسلوفاكيا، والنمسا.

وذكرت أنّ خفض الإمدادات أكثر أو وقفها، سيؤدي إلى الإضرار بالنمو وزيادة التضخم في دول التكتل "كما أنه يزيد من احتمالية حدوث أزمة مخاطر ائتمانية".

ووفق تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية في يوليو/تموز الماضي، فإن أوروبا ستضطر إلى دفع أموال أكثر لشراء شحنات الغاز الطبيعي المسال خلال العام الجاري وربما حتى عام 2025 بسبب عدم وجود الغاز المسال الكافي لتلبية الطلب العالمي، لكن في النهاية ستتمكن من الحصول على كميات الغاز المسال البديل لغاز الأنابيب الروسي.

ولفتت الوكالة إلى أن إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا تراجعت من نسبة 45% من إجمالي سوق الغاز الأوروبي في العام الماضي إلى 31% في إبريل/ نيسان الماضي.

المساهمون