مغالطات النقاش حول جدوى المقاطعة

مغالطات النقاش حول جدوى المقاطعة

23 أكتوبر 2023
أمثلة سابقة للمقاطعة الشعبية أتت أكلها ومفاعيلها (الأناضول)
+ الخط -

أدمن الغرب عموماً النظر إلينا كعرب - ونحن للأمانة والإنصاف ساعدناه - أننا أسواق استهلاكية ومواد استعمالية، جرى تنميطها عبر التبعية حيناً، وربط المصالح إلى حد وهم البقاء غالب الأحايين، ما أدخلنا، أو جلنا على الأقل، قفص الاستهلاك وفخ اللذة والنفعية.

هكذا، بتنا، مع التراكم والإدمان، نرى بحقوقنا أو طرح أهداف تتعدى أقفاص التبعية معصيةً، وفي رفع سقف التعاطي للمطالبة بالدور والتنافس عقوقاً... وإن فعلنا ما هو أبسط حقوق الشعوب والدول التي لها من الجغرافيا والثروات والتاريخ ما يضعها على القمة، أو استخدمنا، وقت تتعاظم ملامح تلاشينا، أقل الأسلحة فتكاً، كالمقاطعة، فوقتذاك تتطور وصوفه لنا، لتبدأ من التعصّب والشوفينية وتنتهي بالتطرف والإرهاب.

فهل توجع المقاطعة عالم الشمال الإنتاجي إلى الحد الذي يخرجه عن صواب المحافظة على شركاء كما قطط الخشب، تصطاد له من المواقف والثروات ما يشاء، حتى من دون أن تأكل؟

أول ما يقفز إلى ذهن المتلقي أو المستهلك حين سماع طلب المقاطعة هو: وما جدوى المقاطعة؟ هل ما أستهلكه من منتجات لتلك الدولة سيؤثر عليها؟ وهل نحن فقط من يستهلك، أم ثمة اسواق عديدة تتلهف لتلك المنتجات الجيدة بمواصفاتها وسعرها؟

وربما يتمادى المستهلك بأسئلته، ليصل إلى الأثر المؤقت للمقاطعة على اقتصادات قوية تعبر منتجاتها العالم وتجوب الأسواق، بواقع انسحاب متكرر من المقاطعة والقطيعة، تعتمده جلّ الأنظمة العربية تحت ضغط الكرسي والبقاء عليه.

ولا يجهد المتلقي طلب المقاطعة نفسه بمزيد من التفكير حول خسائر المقاطعة أو ضرورة التحريض على بدائل محلية، بخاصة في دولنا العربية التي استمرأت الاستهلاك وأدمنت السلع المستوردة من دون أن تفكر بإيجاد بدائل تغير من الواقع الاقتصادي المحلي برمته.

فمن يصدّر سينتج ومن ينتج سيشغل عمالة ويستفيد من القيم المضافة للمواد الأولية وتزيد الصادرات العملة الأجنبية لديه فتتحسن عملته ويقوى احتياطيه الأجنبي... هذا إن لم نفلسف التصدير على أنه رسل وإعلانات متحركة عن قوة وتقدم الدول المصدرة...

باختصار: ربما مثال مقاطعة الكيان الصهيوني، اقتصادياً وعلاقات، يختلف كلياً عن أمثلة سابقة أتت أُكلها ومفاعيلها، إلى الحد الذي أثنى دولاً كبرى عن مواقف وأفعال، بل وتقدمت باعتذار وتعويض.

وربما بفرنسا والدنمارك على إثر نشر صور وكاريكاتيرات مسيئة للنبي الكريم أمثلة حية وطازجة، تدلل على تأثير أسلحة المقاطعة التي لا تقتصر على العزوف عن الشراء والاستهلاك، بل تصل، مع الاستمرار والضغط الشعبي، إلى المقاطعة الدبلوماسية والسياسية وسحب السفراء ووقف الاستثمار والعلاقات.

ومثال إسرائيل، كما أسلفنا، مختلف كلياً وتأثيره أضعاف الذي رأيناه على فرنسا والدنمارك، فنحن نتكلم عن دور الجغرافيا أولاً، والذي، على ما يبدو، لم تعِه إسرائيل بعد، فهي شوكة زرعوها ضمن محيط، ولا يمكنها القفز عليه أو التملّص من قدر الجغرافيا، أياً بلغت من الدعم والقوة ومحاولات الاستقلال.

كما، وبحكم الجغرافيا وأحكام التطبيع والتخاذل العربي، لدولة الكيان علاقات اقتصادية وتبادل تجاري، يفوق مثيلاتها البعيدة ذات الخيارات الجغرافية والاقتصادية المتعددة.

فوقت نقول مقاطعة إسرائيل لا نقصد ذلك التبادل مع مصر والإمارات والمغرب، الذي ينوف على عشرات المليارات، كما لا نخصص، إن وسعنا رؤية المقاطعة، عشرات المليارات مع تركيا وغيرها من الدول الإسلامية المعنية مباشرة بقتل الفلسطينيين وتهجير سكان غزة والحيؤولة دون تنفيذ "الشرق الأوسط الجديد" الذي ستجرفها مخططاته، فيما ستجرف.

بل ثمة مشروعات تمثل مصير هذا الكيان، لها علاقة عضوية ووثيقة بالجوار العربي والإسلامي، إن بدأت من مشروعات الطاقة ونقلها، لن تنتهي عند التجارة والثقافة وحتى الديمغرافيا.

نهاية القول: بإجابة مختصرة لمن تسكنه هواجس اللاجدوى من المقاطعة أو يقلل من دورها وأهميتها، حتى بلجم المعتدي وتراجعه عن قتل سجناء غزة وتهجيرهم، يمكننا القول: أجل هناك تأثير وأكثر مما تتوقع، وإن لم نناقشك بالآثار والعقابيل على المستوى الاقتصادي والصعيد الاستراتيجي وحتى الوجودي.

فجميل أن تكون إنساناً اقتصادياً، ينظر إليك الآخر بعين بالاهتمام على أنك صاحب الفضل في استمرار دوران عجلة الاقتصاد وتشحيم عجلات النمو الاقتصادي.

وجميل أن تكون إنساناً، قبل أن تكون إنساناً اقتصادياً، ما يمكّنك من النظر إلى نفسك بالمرآة لأنك لم تشارك بقتل أو تمويل قتل، اهتديت بالخيار العقلاني ولم تك فريسة هوى ونفعية ولذة.

هكذا يمكن أن تقتنع بجدوى المقاطعة، وتنتبه إلى لاوعي المجتمعات المنغمسة بالاستهلاك والمحكومة باللاجدوى، والمساهمة بدورك في قتل الإنسان ذي البعد الواحد المشغول باستهلاكه عن مشاعره وغضبه وتضامنه وحقوقه. ويمكن أن تساهم في تحويله إلى كائن حر بخياراته متعددة الجوانب، ما يتعدى الحيوانية وما فيها من طعام ولذة وشعور منقوص بالأمان.

المساهمون