معركة الخبز في تونس: قيس سعيّد لا يصارح شعبه

معركة الخبز في تونس: قيس سعيّد لا يصارح شعبه

16 اغسطس 2023
مخاوف من اندلاع احتجاجات شعبية غاضبة بسبب أزمات الخبز والتموين (الشاذلي بن إبراهيم/ Getty)
+ الخط -

مساء أمس الثلاثاء، اجتمع الرئيس التونسي قيس سعيد، برئيس الحكومة الجديد أحمد الحشاني، ووزير الداخلية، كمال الفقي، ووزيرة التجارة، كلثوم بن رجب قزاح، والمدير العام للأمن الوطني، مراد سعيدان، والمدير العام آمر الحرس الوطني حسين الغربي.

ويحيل اللقاء في شكله إلى قضية أمنية بارزة، غير أن الاجتماع في الحقيقة يتعلق فقط بملف الخبز وتوزيع الحبوب ومشتقاتها.

وتم التطرق إلى حملة المراقبة التي تمت خلال هذا اليوم في عدد من المطاحن، وأسفرت عن اكتشاف عدد غير قليل من المضاربين والمحتكرين من الذين يقفون وراء هذه الأزمة المفتعلة للحبوب، بحسب بيان الرئاسة.

يصر سعيد على أن أزمة الحبوب في البلاد وطوابير المواطنين أمام المخابز سببها "المتآمرون" وما يسميه "مسالك التجويع"

ودعا سعيد إلى "ضرورة تطبيق القانون على هؤلاء الذين يختلقون الأزمات كل يوم بغاية تأجيج الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية".

إقالة مدير ديوان الحبوب
وقرّر سعيّد، الاثنين الماضي، إنهاء مهام المدير العام لديوان الحبوب، بشير الكثيري. ووفق بيان للرئاسة، فقد دعا الرئيس التونسي وزيرة العدل، ليلى جفال، إلى إثارة تتبعات جزائية ضدّ كلّ المحتكرين في مجال توزيع الحبوب وسائر المواد الأخرى التي شهدت ارتفاعاً غير مسبوق للأسعار.

يصر الرئيس سعيد على أن أزمة الحبوب في البلاد وطوابير المواطنين أمام المخابز سببها "المتآمرون" وما يسميه "مسالك التجويع"، في إشارة إلى الوسطاء الذين يتدخلون في مسالك توزيع السلع.

وتعاني تونس منذ أشهر من أزمة نقص في الحبوب، ترتبت عليها مشاكل عديدة واختفاء مشتقاتها الضرورية جداً في العادات الغذائية للتونسيين، السميد والدقيق والخبز طبعاً، وأقفلت مخابز وأُحيل العاملون فيها على البطالة.

احتجاجات الخبز
ومع تزايد الطوابير أمام المخابز، يستدعي سعيد دون شك تلك الصور ذات 3 يناير/ كانون الثاني 1984، عندما خرج التونسيون يحتجون على زيادة سعر الخبز، فيما بات يُعرف بأزمة الخبز.

واندلعت أحداث الخبز في 29 ديسمبر/ كانون الأول 1983 عندما أعلنت حكومة محمد مزالي، خفض الدعم على منتجات الحبوب، بضغط من صندوق النقد الدولي الذي طالب تونس بتطبيق خطّة تقشّف.

وبدأت الاحتجاجات من مدينة دوز، جنوب البلاد، وتوسعت إلى جهات أخرى قبل أن تصل إلى العاصمة. وتم إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول في 3 يناير.
وفي يوم 6 يناير 1984، تراجع الرئيس الحبيب بورقيبة عن قرار الزيادة في الأسعار والعودة إلى ما كان معمولاً به سابقاً.
ولذلك يشدد سعيد على أن "وصفات صندوق النقد الدولي لتقديم الدعم المالي لتونس غير مقبولة لأنها ستمس بالسلم الأهلي الذي ليس له ثمن"، وهو يسعى بكل الطرق إلى ربح معركة الخبز، قبل دخول الخريف، لأهميتها في الاستقرار الهش، الذي لا يتوقف عند الخبز فقط كما يتصور، وإنما يشمل الدواء وعديد السلع الأساسية الأخرى، بما يعني أنها معركة اقتصادية شاملة، قال الرئيس بشكل غير مباشر إنها سبب إقالة رئيسة الحكومة، نجلاء بودن، وتعيين أحمد الحشاني بديلاً عنها.

لا يريد الرئيس أن يصارح شعبه بحقيقة الأسباب التي قادت إلى أزمة الحبوب أو غيرها، وهي تعود إلى الأزمة الدولية، وأيضا إلى خزائن الدولة الفارغة وسوء إدارتها

ولا يريد الرئيس أن يصارح شعبه بحقيقة الأسباب التي قادت إلى أزمة الحبوب أو غيرها، وهي بالتأكيد تعود إلى الأزمة الدولية، وأيضا إلى خزائن الدولة الفارغة وسوء إدارتها.

شح الحبوب والموارد المالية
وأمس الثلاثاء، أكد عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للفلاحة، شكري الرزقي، وجود نقص حاد في الحبوب هذا الموسم مقارنة بالسنوات الماضية. وقال لإذاعة موزاييك الخاصة إنه "أمام تواضع الصابة ستضطرّ تونس إلى توريد احتياجاتها من الحبوب بنسبة 100% لأن نسبة الإنتاج في حدود 0%"، وهذه يبين أنه لا دخل لا للمتآمرين ولا للمحتكرين في الأزمة.

من جانبه قال وزير التجارة السابق والخبير الاقتصادي، محسن حسن، لـ"العربي الجديد" إن "معركة الخبز مفروضة على الرئيس التونسي والسلطة الحالية باعتبار أنها نتاج لعدة عوامل، من بينها عوامل خارجية تتعلق بالأزمة الصحية العالمية ثم أزمة الحرب الروسية التي نتج عنها خلل في سلاسل الإمداد العالمية ومن أهمها إمدادات الحبوب والأرز".

وتابع حسن أن "لأزمة الخبز عوامل داخلية أيضاً ناتجة عن تراجع الإنتاج المحلي من الحبوب بسبب أزمة الجفاف وتقلص المساحات المزروعة ما أدى إلى تضخم في حاجيات البلاد من واردات الحبوب ولا سيما القمح اللين".

ويرى حسن أن "السبب الأهم لمعركة الخبز حاليا في تونس هو الوضع المالي للدولة التونسية"، مؤكداً "ضرورة الإقرار بأن أزمة التزود بالخبز ناجمة عن نقص الموارد المالية ما تسبب في ارتفاع قروض ديوان الحبوب لدى البنوك إلى ما يعادل 5 مليارات دينار".

ويحذّر حسن من "أزمة اجتماعية شاملة ناجمة عن أزمة الخبز نتيجة التشخيص الخاطئ للأزمة والحلول غير المجدية المتعلقة بالتزود وتمويل شراءات القمح".

ويعتبر حسن أن "الحل يتطلّب معالجة شاملة لمنظومة الدعم بشجاعة وعقلانية من السلطة على المدى القريب والمتوسط، تزامنا مع توفير كميات من الحبوب في المدى القريب لتزويد السوق بالشكل الكافي".

قال وزير التجارة السابق والخبير الاقتصادي، محسن حسن، لـ"العربي الجديد" إن "معركة الخبز مفروضة على الرئيس التونسي والسلطة الحالية باعتبار أنها نتاج لعدة عوامل

وقال حسن إن "نقص التموين قد يؤشر إلى أزمة اجتماعية حادة في قادم الأشهر نتيجة الوضع الصعب الذي تمر به البلاد واضطرار شريحة واسعة من التونسيين إلى شراء الخبز بأسعار مرتفعة".

واعتبر أن "خيار سعيد عدم توقيع اتفاق مالي مع صندوق النقد الدولي تسبب في عدم انتظامية التزويد بالمواد الأولية وأهمها الحبوب".

وحول تحميل الرئيس مسؤولية أزمة الخبز ونقص المواد الأساسية في الأسواق لأطراف تعمل على "تجويع الشعب" قال الخبير الاقتصادي إنه "لا يمكن إنكار تفشي الفساد وتشعب شبكات الاحتكار، غير أنه ليس سبباً كافياً، لا سيما أن كامل منظومة التزويد بالغذاء يتم تحت رقابة الدولة".

وعن خطورة أزمات الخبز لدى كل السلطات التي تعاقبت على البلاد أكد المتحدث أن "ملف رفع الدعم عن الخبز يخيف كل المسؤولين السياسيين لارتباطه بأحداث دامية عاشتها البلاد عام 1984 انتهت بسقوط ضحايا تظاهروا ضد الزيادة في سعر الخبز".

ركائز شعبوية
من جهته، يعتبر الوزير الأسبق ورئيس حزب العمل والإنجاز، عبد اللطيف المكي في تصريح لـ"العربي الجديد" أن كل "المتابعين لمشروع قيس سعيد يؤكدون أن فكره يقوم على ركائز شعبوية والبحث عن عدو باستمرار لتفسير الأزمات وتبرير العجز عن حل المشاكل".

وأوضح أن "هناك عجزا في إدارة الدولة، وحتى محاولات بعض المسؤولين الذين عيّنهم لتدارك الأمور يبدو أنهم اصطدموا بالشعارات وتوقفوا، وفي تقديري لن يستطيع سعيد تدارك الأزمة لأنه لا يملك مشروعاً".
ولفت إلى أن "سعيد لا يهتم بالقضايا الاقتصادية وكل ما يهمه تركيز الحكم لا أكثر"، مضيفاً أنه "استهلك رصيده من الوقت، والرأي العام الآن يميل إلى الانزعاج، وحتى من كانوا يساندونه لديهم توجه لنفض اليد منه".

وأشار إلى أن "هذه المعارك التي يثيرها مفتعلة، لأن معارك تونس الحقيقية تتمثل في كيفية تغيير منوال التنمية وخلق الثروة، وتحقق الوحدة الوطنية لكيلا تكون هناك ثغرات يتسرب منها الخارج، ولكن سعيد يغرق في المشاكل نتيجة عدم الكفاءة وعدم القدرة على إدارة الدولة، والحل بالنسبة إليه إلقاء المسؤولية على الآخرين".

وأضاف المكي: "إن لم يتم التدارك بسرعة، فإن رد الشعب التونسي على الأزمات السياسية هو الانتفاضات الاجتماعية، ومعروف عنه أنه يعطي فرصة للحاكم ويصبر ولكنه في الأخير يعبر عن غضبه مثل كان في 1978 و1984، ثم الثورة (2010)"، مذكرا بأنه "عشية الثورة (قبل 13 عاماً) لم يكن أحد يتصور الحراك الشعبي الجارف الذي أطاح بنظام زين العابدين بن علي".

المساهمون