محاذير الوساطة الأوروبية في أزمة سد النهضة

محاذير الوساطة الأوروبية في أزمة سد النهضة

12 مارس 2021
الصورة
سد النهضة غيّر ميزان القوى والسيطرة على مياه النيل في مصر والسودان
+ الخط -

بعد أيام من انسحاب إثيوبيا من مفاوضات واشنطن، في نهاية فبراير/شباط 2020، طرح المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية حلًا سياسياً لأزمة سد النهضة، من خلال ورقة بحثية عنوانها: "الصراع على النيل: التعويض بدلاً من الوساطة". ويُعد المعهد أحد مراكز الفكر والمطبخ السياسي للحكومة والبرلمان الألماني، ويقدم الاستشارات السياسية في الشؤون الدولية والسياسات الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، والأمم المتحدة. 

قمت بترجمة الورقة إلى اللغة العربية ونُشرت في صحيفة "العربي الجديد" الغراء، بعد أيام من صدورها في مارس/آذار الماضي. وقلت إن الورقة هي الأولى في تاريخ الصراع على سد النهضة التي يُظهر فيها أكبر معاهد السياسة الأوروبية القلق من التداعيات الوخيمة للسد على أمن واستقرار القارة الأوروبية، ومخاطر الهجرة غير الشرعية جراء تهديد السد المباشر للأمن والاستقرار في مصر والسودان.  

وقلت كذلك "إن الورقة قد تعبّر في المستقبل القريب عن رؤية ألمانية أو أوروبية لإدارة الأزمة، بغض النظر عما فيها من إيجابيات وسلبيات، فهي توضح كيف يمكن للأوروبيين قيادة طريق بديل إلى الأمام تجاه حل أزمة سد النهضة". 

أكدت الدراسة على فشل مبادرة الولايات المتحدة تمامًا، بعد ثلاث جولات من المفاوضات في واشنطن. ورجحت استمرار الأزمة من دون حل لمدة طويلة، على نحو سيضر بموقف مصر التفاوضي الذي يزيد ضعفًا بمرور الوقت. وتوقعت الدراسة تفعيل المادة 10 من اتفاق إعلان المبادئ الموقّع في مارس/آذار سنة 2015، والذي ينص على ضرورة إجراء مزيد من المشاورات، أو الشروع في الوساطة الدولية، أو إجراء المفاوضات على مستوى رؤساء الدول أو الحكومات. 

وفي فبراير/شباط الماضي، وبعد إعلان إثيوبيا أنها ستقوم بالتعبئة الثانية لسد النهضة، وأنه لا علاقة للمفاوضات بذلك، اقترح السودان دور الوساطة للاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة، الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وليس مجرد مراقب لحل الأزمة. وأعلنت مصر تأييدها مقترح السودان. وأعلن وزيرا الخارجية في الدولتين تمسّكهما بالمقترح، ودعَوَا في بيان مشترك الأطراف الأربعة إلى تبنّي المقترح والإعلان عن قبولهم له، وإطلاق المفاوضات في أقرب فرصة ممكنة. 

ومن جهته، أعلن الاتحاد الأوروبي أنه على استعداد تام لمواصلة القيام بدور فعال في تقريب وجهات النظر بين البلدان الثلاثة، فيما يتعلق بمفاوضات سد النهضة. وقال بيكا هافيستو، رئيس وفد الاتحاد الأوروبي، إنه ناقش خلال زيارته للخرطوم قضية ملف سد النهضة الإثيوبي، وإن الاتحاد الأوروبي على أهبة الاستعداد لمواصلة دوره الفعال في هذا الأمر، سيما أنه كان مراقبا خلال جولات التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق "لكن المفاوضات لم تمض بشكل جيد خلال الفترة السابقة". 

وبطلب مصر والسودان وساطة الاتحاد الأوروبي، يتحقق ما توقعته الدراسة قبل عام، ما يدعونا إلى تقييم المقترح الأوروبي "المتوقع" لحل أزمة سد النهضة المستمرة منذ 10 سنوات، والذي كشفت عنه دراسة المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، من حيث الإيجابيات والسلبيات وتداعياتها على حقوق مصر والسودان التاريخية والقانونية في مياه النيل الأزرق. 

رفضت إثيوبيا المقترح السوداني، بزعم تضاربه مع المادة 10 من إعلان المبادئ التي تقضي فقط بتدخّل قيادات الدول الثلاث عند الفشل في الاتفاق، والرغبة في عدم تدويل الملف. وهو ما يخالف الحقيقة، ذلك أن المادة 10 تجيز طلب الوساطة كما تجيز تدخّل القيادات، والرغبة في عدم تدويل الملف، فلم يعد سببا بعد تدويل الملف بالفعل ومناقشته في مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي وبمراقبة الأطراف الدولية الأربعة. ذلك أن تاريخ المفاوضات يثبت أنها ستوافق على المقترح، ولكن بعد المماطلة وكسب مزيد من الوقت. وسبق أن رفضت مقترح مصر بضم الولايات المتحدة والبنك الدولي للمفاوضات، ثم وافقت بعد تحقيق هدفها في كسب الوقت. 

 

موقف مصر حرج 

ذكرت الورقة الأوروبية أن "مصر تعتمد بشكل شبه كامل على النيل في احتياجاتها المائية، وأن 86% من مياه النيل التي تصل إلى سد أسوان تنشأ في المرتفعات الإثيوبية. ولذلك تصر الحكومات المتعاقبة في القاهرة على الوضع الراهن لتوزيع المياه. واعتمدوا في المقام الأول على المعاهدات الاستعمارية: أولاً، اتفاقية عام 1929 مع بريطانيا، القوة الاستعمارية العظمى، والتي منحت مصر حق الاعتراض ضد مشاريع المياه في المناطق العليا. وثانياً، اتفاقية مع السودان عام 1959 قسمت موارد النيل المائية بين البلدين، وكفلت لمصر 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، وللسودان 18.5 مليار متر مكعب. وتتجاهل القاهرة حقيقة أنه تم التفاوض على هذه المعاهدات في غياب إثيوبيا". 

بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير غيّر ميزان القوى والسيطرة على النيل، وفق التقرير. ولم يعد الالتزام بمعاهدات المياه القديمة يمنح مصر أي حماية ضد القيود على إمدادات المياه الخاصة بها. كما أن التهديدات المتكررة من القاهرة بوقف مشروع بناء السد بالوسائل العسكرية غير وارد، على الأقل بسبب المسافة الطويلة بين البلدين. وباءت كل جهود ممارسة الضغط على إثيوبيا بالفشل من خلال الدول الحليفة. ذلك أن الولايات المتحدة والأوروبيين ودول الخليج والصين تحتفظ جميعها بعلاقات جيدة مع البلدين، ومن الواضح أنهم غير مستعدين لاتخاذ موقف في صراع المياه. 

وترى الرؤية الأوروبية أنه من غير المرجح أن تقدم القيادة الإثيوبية أي تنازل من تلقاء نفسها، نظرًا لأن المشروع أخذ بعدًا وطنيًا. وفي نهاية عام 2019، تم الانتهاء من نحو 70% من أعمال البناء، بحيث يمكن أن تبدأ عملية التعبئة في عام 2020 (وهو ما تم بالفعل في يوليو/تموز الماضي).  

لذلك، فإن بناء سد النهضة له أهمية لإثيوبيا مثل سد أسوان لمصر، إنه ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل مشروع القرن الذي يمهد الطريق لتحديث البلاد. إن أي تأخير إضافي في تنفيذه، أو تقليص كبير في حجم المشروع، سيكون من الصعب على الحكومة الإثيوبية أن تبرره لمواطنيها. لذا، كانت زيارة رئيس الوزراء أبي أحمد إلى السد في 1 فبراير/شباط 2020 رمزية للغاية، حيث جاءت بعد يوم واحد فقط من فشل جولة أخرى من المفاوضات. 

موقف
التحديثات الحية

ووصلت المفاوضات بشأن ملء الخزان إلى طريق مسدود، ولكن مع تحقيق إثيوبيا مكاسب واضحة. وفي حالة حدوث تأخيرات جديدة، فإن الحكومة في أديس أبابا يمكن أن تشرع في ملء سريع لخزان السد، ما قد يتسبب في نقص كبير في المياه في مصر. ومن أجل تجنب مثل هذا السيناريو، يمكن للدول الأوروبية، على وجه الخصوص، أن تقدم نهجًا بديلًا. إذ إن إمدادات المياه في مصر وتنمية إثيوبيا أمران أساسيان لاستقرار المنطقة بأكملها، حيث يقطن أكثر من 250 مليون شخص. ويمكن أن يكون لنقص فرص التنمية ونقص المياه عواقب وخيمة على أوروبا، بما في ذلك زيادة ضغط الهجرة غير الشرعية. 

 

المساهمون