شبح التعثر يلاحق عملاقاً صينياً آخر... سقوط عقاري جديد

شبح التعثر يلاحق عملاقاً صينياً آخر... سقوط عقاري جديد

15 اغسطس 2023
القطاع العقاري يمثل أكثر من ربع النشاط الاقتصادي الصيني (Getty)
+ الخط -

يتعرض قطاع العقارات المتعثر في الصين لمزيد من التشققات، بعد عامين من الصدع الكبير الذي أحدثه تخلف شركة "إيفرغراند" العملاقة عن سداد ديونها ودخولها في دوامة من الخسائر السنوية الضخمة التي توازي حجم موازنات عدة دول نامية مجتمعة.

تأتي الأزمة هذه المرة من جانب شركة "كاونتري غاردن هولدنغز" العملاقة، التي اقترحت، أمس الاثنين، جدولة سداد سندات بالعملة المحلية تستحق في الثاني من سبتمبر/ أيلول المقبل، على مدار 3 سنوات، وفق وكالة بلومبيرغ الأميركية، وذلك بعد نحو أسبوع من تخلف الشركة عن سداد مدفوعات الفائدة على سندين مقوّمين بالدولار بقيمة 22.5 مليونا.

والشركة التي كانت يوما ما أكبر مطور عقاري في القطاع الخاص في الصين من حيث المبيعات، تراجعت هذا العام إلى الترتيب السادس تحت ضغط من الصعوبات المالية والتشغيلية وثقل الديون التي تصل إلى نحو 194 مليار دولار، لتواجه خطر الانضمام إلى عدد كبير من الشركات المتعثرة، وباتت تمثل خطراً جديداً على اقتصاد الصين، إذ أمامها أقل من 30 يوماً من تاريخ الاستحقاق لتجنب التخلف الرسمي عن سداد سنداتها.

وهوى سهم الشركة، أمس، بنحو 16%، بعدما أغلقت دون 1 دولار هونغ كونغ للمرة الأولى في تاريخها، الأسبوع الماضي، لتتفاقم خسائره المتواصلة منذ بداية العام الجاري وتصل إلى نحو 77%، مسجلاً أسوأ أداء بين الشركات المدرجة ضمن مؤشر "هانغ سنغ" الرئيسي في بورصة هونغ كونع.

ويوم الجمعة الماضي، قالت الشركة التي كانت ضمن قائمة "فوربس" لأكبر 500 شركة في العالم، إنها "تواجه صعوبات تعد الأكبر منذ تأسيسها"، مضيفة: "نؤمن بشدة بأن قطاع العقارات سيعود في نهاية المطاف إلى مسار التنمية الصحية والثابتة بعد مروره في مرحلة التغييرات العميقة هذه".

تداعيات كارثية على النظام المالي

من شأن أي انهيار لـ"كاونتري غاردن" أن يحمل تداعيات كارثية على النظام المالي والاقتصاد الصيني، كما هو الحال بالنسبة لمنافستها المثقلة بالديون "إيفرغراند"، التي ذكرت في إفصاح نشرته بورصة هونغ كونغ مطلع أغسطس/آب الجاري، أنها تتوقع أن تبلغ خسائرها في النصف الأول من 2023 ما بين 45 مليارا و55 مليار يوان (حوالى 6.2 مليارات إلى 7.65 مليارات دولار) مقارنة بأرباح قيمتها 1.91 مليار يوان بالنصف الأول من العام الماضي، متأثرة بتدهور المبيعات وبيئة إعادة التمويل أخيراً.

وأكدت الشركة البالغة ديونها نحو 340 مليار دولار، أن "الأموال المتاحة في خزائن الشركة تنخفض بشكل متواصل، ما يؤدي إلى ضغط سيولة على مراحل".

أدت إصلاحات في قطاع السكن الصيني أواخر تسعينيات القرن الماضي إلى ازدهار قطاع العقارات، وهو أمر ساهمت فيه التقاليد الاجتماعية التي تعتبر امتلاك عقار شرطا للزواج. لكن بكين باتت في السنوات الأخيرة تعتبر الديون الضخمة المتراكمة على كبرى شركات القطاع مصدر خطر غير مقبول بالنسبة لنظام الدولة المالي وسلامتها الاقتصادية بالمجمل.

وفي مسعى لتخفيف مديونية القطاع، شددت السلطات منذ العام 2020 بشكل تدريجي شروط حصول المطورين على القروض، ما أدى إلى تجفيف مصادر تمويل الشركات المديونة أساسا. أعقب ذلك إعلان عدة شركات، لاسيما "إيفرغراند"، تخلفها عن السداد، ما قوّض ثقة المستثمرين المحتملين وانعكس على القطاع.

وتُظهر مشاكل "كاونتري غاردن" مدى عمق أزمة العقارات التي تستمر منذ عامين في الصين، مما يلقي بظلال من الشك على جدوى المطورين من القطاع الخاص الذين قادوا لعقود التوسع الحضري والنمو الاقتصادي في البلاد.

ودفعت الأزمة الحكومة بالفعل أخيرا إلى إظهار علامات على تخفيف قواعد إقراض المطورين العقاريين. قال أندرو لورانس، محلل العقارات في آسيا لدى مؤسسة "تي إس لومبارد" للاستشارات في تصريحات لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية: "لم تكن هناك حزمة شاملة من الخطط لتنشيط القطاع، لذلك سنستمر في رؤية حالات تخلف عن السداد".

كما أشار بروك سيلفرز، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة "كايوان كابيتال" لإدارة الأصول في سان فرانسيسكو: "لا توجد خيارات جيدة (للحكومة) في هذه المرحلة.. في النهاية، تجب معالجة حالة إفلاس قطاع العقارات".

تأسست "كاونتري غاردن" عام 1992، عندما مهدت الإصلاحات الوطنية الطريق لشركات القطاع الخاص لدفع التوسع الحضري في الصين. ونمت الشركة سريعاً لتصبح أكبر مطور في البلاد من حيث المبيعات، والتي تجاوزت نصف تريليون يوان في كل عام من 2018 إلى 2021.

الانضمام إلى قائمة شركات القطاع المتصدعة

وبعد تخلف "إيفرغراند" والمطورين الآخرين عام 2021، كان يُنظر إلى "كاونتري غاردن" على أنها مستقرة، لكن إعلانات التخلف عن سداد الديون والخسائر المسجلة أخيراً ضمتها إلى قائمة شركات القطاع المتصدعة. وفي يوليو/تموز الماضي، تراجعت مبيعاتها إلى 40% فقط من مستواها العام الماضي.

وانخفضت المبيعات لمدة أربعة أشهر متتالية، مما أدى إلى تفاقم أزمة السيولة لديها. وقال مارك ويليامز، كبير الاقتصاديين الآسيويين في مؤسسة الأبحاث الاقتصادية البريطانية "كابيتال إيكونوميكس" لـ"فايننشال تايمز"، إن مشتري المنازل "يبتعدون عن جميع المطورين من القطاع الخاص لصالح المطورين الحكوميين، بالنظر إلى مخاطر تعرض المطورين الخاصين للانهيار".

وحقق المطورون من القطاع الخاص في أفضل 50 شركة في الصين مبيعات بقيمة 4 تريليونات يوان في 2021، ولكن الرقم هوى إلى نحو تريليون يوان فقط هذا العام، وفقاً لبيانات معاملات العقارات الصينية.

وقامت "كاونتري غاردن" ببناء أكثر من 3000 مشروع سكني تتضمن مئات آلاف الوحدات السكنية في جميع أنحاء الصين، ما يظهر حجم أعمالها الضخم، بينما طورت شركة إيفرغراند المتعثرة 700 مشروع في عموم البلاد.

وفي الشهر المقبل، يستحق على الشركة سداد أكثر من 1.2 مليار دولار من المدفوعات الجديدة، وفقاً لـ"فايننشال تايمز"، والشركة لديها أكبر حجم سندات مصدرة بالدولار بين شركات العقارات الصينية الكبرى باستثناء الكيانات المتعثرة عن السداد، بما يصل إلى 10 مليارات دولار.

وتركز الشركة على بناء مشاريع سكنية في مدن الطبقة الدنيا، والتي تأثرت بشكل أكبر بالتباطؤ في سوق العقارات مقارنة بمدن الدرجة الأولى مثل بكين وشنغهاي.

وقالت كريستي هونغ، المحللة في بلومبيرغ إنتليجنس إن "أي تخلف عن السداد سيؤثر على سوق الإسكان في الصين أكثر من انهيار إيفرغراند حيث تمتلك كاونتري غاردن أربعة أضعاف عدد المشاريع"، مضيفة أن أزمة الديون سيكون لها تأثير بعيد المدى على معنويات سوق الإسكان في الصين، ويمكن أن تضعف بشكل كبير ثقة المشترين لدى المطورين في القطاع الخاص.

وشهد يوليو/تموز الماضي تراجع مبيعات المنازل في الصين بأكبر وتيرة في عام، وفق البيانات الرسمية، ما خفض قدرة الشركات العقارية على الحصول على السيولة النقدية اللازمة لسداد الديون.

وخفضت وكالة "موديز" العالمية للتصنيف الائتماني تصنيف الشركة ثلاث درجات إلى "CCC1" من "B1"، بعد التخلف عن سداد مدفوعات سنداتها الدولارية. وبررت الوكالة القرار بتراجع السيولة النقدية لدى الشركة، وارتفاع مخاطر القدرة على السداد، وضعف المرونة المالية، وانخفاض القدرة على تلقي التمويلات.

كما أبقت موديز النظرة المستقبلية للشركة عند سلبية، ما يعكس عدم اليقين بشأن قدرتها على خدمة التزامات الديون، ما يشمل مدفوعات الفوائد في الوقت المحدد خلال الفترة بين الستة إلى الاثني عشر شهراً المقبلة.

ويرى محللون أن فشل "كاونتري غاردن" في سداد ديونها في الموعد المحدد قد يدفع السلطات الصينية للتدخل بتدابير دعم قوية، لكنهم شككوا في قدرة هذه الإجراءات على تغيير وضع القطاع العقاري بشكل سريع.

وتعهد بنك الشعب الصيني (المركزي) أخيراً بزيادة دعم التمويل للقطاع الخاص، بعد إشارات من جانب الحزب الشيوعي بالتحول نحو تخفيف السياسات في قطاع العقارات.

وأكد بنك الشعب، في وقت سابق من أغسطس/آب الجاري، تأييده لخفض أسعار الفائدة ونسبة الدفعة الأولى لقروض الإسكان للأفراد، في محاولة لإنعاش القطاع العقاري.

وأشار البنك، وفق وكالة شينخوا، إلى أنه سيواصل توجيه البنوك التجارية لتعديل أسعار الفائدة على قروض الإسكان الشخصية القائمة في الوقت المناسب وفقا للقوانين.

ويأتي التعثر في قطاع العقارات الآخذ في الاتساع، والذي يمثل أكثر من ربع النشاط الاقتصادي الصيني، في لحظة حرجة بالنسبة لبكين، حيث يواجه الاقتصاد رياحاً معاكسة للتجارة الخارجية وضغطًا انكماشياً بفعل تراجع أسعار المستهلكين.

وأظهرت الأرقام الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء، الأربعاء الماضي، انكماش مؤشر أسعار المستهلكين 0.3% على أساس سنوي في يوليو/تموز.

وهذا هو أول انخفاض للمؤشر منذ فبراير/ شباط 2021، في أحد أقوى المؤشرات على التحديات التي تواجه صانعي السياسة وهم يكافحون من أجل إنعاش الاستهلاك.

هل يدخل الاقتصاد فترة العقود الضائعة؟

ويتصاعد القلق من أن تكون الصين في صدد مرحلة من التباطؤ الشديد في النمو الاقتصادي تشبه ما تسمى فترة "العقود الضائعة" في اليابان، التي شهدت ركوداً في أسعار المستهلكين والأجور على مدى جيل كامل.

وانكماش الأسعار أو الانكماش المالي يسجَّل عند تراجع أسعار السلع والخدمات، وهو نقيض التضخم. وإن كان تراجع الأسعار يبدو مفيداً للقدرة الشرائية، إلا أنه يشكل خطراً على الاقتصاد ككل، إذ يحمل المستهلكين على إرجاء مشترياتهم بدل الإنفاق على أمل الاستفادة من تراجع إضافي في الأسعار.

كما أنه مع تراجع الطلب، تضطر الشركات إلى خفض إنتاجها وتجميد عمليات التوظيف أو تسريح موظفين، وتقر تخفيضات جديدة لتصريف مخزونها، ما يؤثر على مردودها مع بقاء تكاليفها بمستواها.

والصين هي أول اقتصاد في مجموعة العشرين يسجل انخفاضاً على أساس سنوي في أسعار المستهلكين، منذ آخر مرة سجلت فيها اليابان قراءة سلبية لمؤشر أسعار المستهلكين العام في أغسطس/آب 2021 خلال أزمة جائحة كورونا.

ووفقاً لمعهد أبحاث Beike ومقره تيانجين شمال الصين، انخفضت أسعار المنازل القائمة في 100 مدينة في جميع أنحاء الصين بمعدل 14% عن ذروتها في أغسطس/آب 2021، وانخفضت الإيجارات بنسبة 5%.

وقال إسوار براساد، أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل الأميركية لصحيفة نيويورك تايمز: "يواجه الاقتصاد الصيني بشكل مباشر شبح الانكماش، مما يزيد من إلحاح الإجراءات الحكومية لتحفيز الاقتصاد، وربما الأهم من ذلك، اتخاذ خطوات لإعادة بناء ثقة الأسرة والأعمال".

المساهمون