سدّ النهضة في مؤتمر المناخ

سدّ النهضة في مؤتمر المناخ

25 أكتوبر 2022
بدء توليد الكهرباء من سد النهضة الإثيوبي (getty)
+ الخط -

تغير المناخ هو أكثر الأزمات تحدياً للجنس البشري في القرن الحالي. إنّه يهدد توازن الحياة على وجه الأرض. تسببت درجات الحرارة المرتفعة والفيضانات المفاجئة والعواصف المدمرة والجفاف الواسع وارتفاع مياه البحار والمحيطات في هلاك المحاصيل الزراعية، وانعدام الأمن الغذائي، وندرة المياه، وتزايد الفقر، والنزوح، والهجرة.

يعتبر "برنامج الأمم المتحدة للبيئة" أنّ نظام حوض نهر النيل هو أحد أهم النظم البيئية في أفريقيا، وأحد أحواض الأنهار الأكثر تعقيداً وتأثراً بتغير المناخ، حيث تترامى أطرافه وتختلف تضاريسه ويتنوع مناخه ويفيد 40% من سكان أفريقيا، نحو 300 مليون نسمة. ويعاني حوض النيل تحديات ناشئة عن تغير المناخ، تشمل تذبذب في معدل هطول الأمطار، وتدفق الأنهار، وتدهور الأراضي، ومستوى الفيضانات، وموجات الجفاف، وزيادة الأمراض المتوطنة، وتدهور الصحة العامة للسكان.

في هذا الحوض المعقد تقوم إثيوبيا منذ عقد مضى ببناء سد النهضة الكبير، أحد أكبر السدود في العالم على النيل الأزرق، بالقرب من الحدود مع السودان. ستغمر بحيرة السد مساحة 1680 كيلومتراً مربعاً من الغابات في شمال غربي إثيوبيا، تشكل حوالي أربعة أضعاف مساحة القاهرة. ويسع خزانه 74 مليار متر مكعب من المياه، ما يعادل التدفق السنوي لحصتي مصر والسودان المائية كاملة، وأكثر من ضعف حجم بحيرة تانا، أكبر بحيرة في إثيوبيا وأهم موارد النيل الأزرق.

سيتأثر تشغيل سد النهضة ولا شك بتغير المناخ في إقليم حوض النيل، وسيؤثر في طبيعة البيئة والمناخ وحياة السكان في مصر والسودان. وسيكون سبباً في نقص موارد المياه وتراجع إنتاج الغذاء وزيادة الفقر في الدولتين، وقد يشعل حرب مياه في الإقليم، ما سيدفع السكان للهجرة نحو أوروبا. وقد هدد رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، بشن الحرب على مصر إذا اعترضت على بناء السد.

في مارس/آذار 2014، نشرت منظمة الأنهار الدولية نسخة مسربة من تقرير لجنة الخبراء الدولية لتقييم آثار سد النهضة على مصر والسودان الذي صدر في 31 مايو سنة 2013، وجاء فيها أن التقرير يوثق العديد من المشكلات الحرجة المتعلقة بالسد والتغيرات المناخية في منطقة السد وحوض النيل. وبالنسبة لمخاطر التغيرات المناخية، أثبت التقرير أن الدراسات الإثيوبية لم تقيم حساسية المشروع وتأثره بتغير المناخ.

وقالت اللجنة إن مشروعاً بهذا الحجم، ومع الاعتماد الشديد على أنماط هطول الأمطار المتذبذبة، يتطلب فهماً أكثر دقة للظروف المائية المستقبلية لضمان أعلى درجة من المرونة في تصميم السد وتشغيله حتى يمكن مواجهة تداعياته على حياة السكان في مصر والسودان.

وأكدت على أن مخاطر تغير المناخ هي مصدر قلق يجب أن يؤخذ في الاعتبار، حيث لا تراعي السدود في إثيوبيا تأثرها بتغير المناخ، ولا تداعيات انخفاض المياه على دولتي المصب وقدرتهما على التكيف مع تغير المناخ. وأوصت بإجراء دراسات تقيم الآثار الهيدرولوجية للسد، وتأثيراتها على إمدادات المياه، ومخاطر تغير المناخ في بلدي المصب.

وأوصت كذلك بتقييم الأثر البيئي والاجتماعي للسد العابر للحدود، ودراسة تأثير تغير المناخ المحتمل على نظام التدفق المائي في منطقة سد النهضة ودول المصب. ورغم النص في اتفاق إعلان المبادئ الموقع في مارس 2015، على تنفيذ توصيات اللجنة والدراسات البيئية والمناخية، لكنها لم تنجز حتى الآن. ويبدو أنها لن تنجز وقد شارف البناء في السد على الانتهاء، في ظل تقصير مصر في المطالبة بتنفيذ التوصيات، رغم استمرار البناء. وبمرور الوقت تجاوزت مصر المطالب كلياً.

احتمال تأثر بيئة حوض النيل والموارد المائية بفعل تغير مناخ ليس جديداً. فقد ورد في تقرير مكتب الاستصلاح الأميركي، الذي اقترح مشاريع السدود على النيل الأزرق في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أنّ النيل الأزرق لديه القدرة على توليد 10 آلاف ميغاواط من الطاقة الكهرومائية من خلال سلسلة من السدود.

وكان سد النهضة الإثيوبي الكبير هو أول سد في السلسلة المقترحة. ولكن التقرير حذر من أن "تغير المناخ يمكن أن يلعب دوراً خطيراً في نجاح أو فشل مشاريع الطاقة الكهرومائية والري المقترحة، لأن سيناريوهات تغير المناخ تشير إلى احتمالية حدوث انخفاضات معنوية في معدلات الأمطار، بعد دراسة الظروف المناخية التاريخية في المنطقة.

وحديثاً أثبت خبراء معهد ماساشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة المتخصصين في دراسات حوض النيل أن نهر النيل يشتهر بالارتباط الذاتي في فيضاناته السنوية، حيث يأتي فيضان مرتفع في أعقاب فيضان مرتفع، وفيضان منخفض بعد آخر منخفض، ليكون في مجمله دورات شبه ثابتة فيها سبع سنوات من الفيضانات الوفيرة، تليها سبع سنوات من الجفاف والمجاعة. ومن المؤكد أن مفاوضات سد النهضة لم تعالج حصة المياه التي يمكن أن تفرج عنها إثيوبيا أثناء سنوات الجفاف الممتد.

وبالنظر إلى التعديلات الحالية في البنية التحتية لمجرى النيل الأزرق، ليس من الواضح كيف يمكن لسد النهضة أن يغير بشكل كبير في النظم البيئية لحوض نهر النيل في اتجاه مجرى النهر في السودان ومصر. وهناك احتمال كبير بأن يؤدي السد الكبير إلى إثارة الصراع المسلح إذا لم تتعاون دول الحوض معاً، وإذا استمرت إثيوبيا في فرض الأمر الواقع.

ذلك أن دراسات قامت بها وحدة بحوث الأرصاد الزراعية وتغير المناخ التابعة لمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة بمركز البحوث الزراعية المصري، أكدت أن التغيرات المناخية وحدها، بعيداً عن سد النهضة، وما تسببه من ارتفاع في درجة حرارة سطح الأرض سوف تسبب نقصاً شديداً في إنتاجية معظم محاصيل الغذاء الرئيسية في مصر مع زيادة احتياجاتها المائية. ومن المتوقع أن تؤدي التغيرات المناخية إلى تناقص إنتاجية القمح بنحو 18% والشعير والذرة الشامية بنحو 19%، أما محصول الأرز فسينقص بنحو 17%.

ومع اعتماد مصر والسودان، بشكل شبه حصري، على موارد مياه نهر النيل في الزراعة والصناعة وتوليد الطاقة والاقتصادات الوطنية واستهلاكات الشرب والثروة الحيوانية، ومعظم المياه تأتي من المرتفعات الإثيوبية، ما يقدر بنحو 82-95 في المائة من المساهمة المائية السنوية للحوض تأتي من النيل الأزرق وروافده وعطبرة والسوباط في إثيوبيا، ويمثل النيل الأزرق وحده 59-68 في المائة من موارد مياه نهر النيل، اعتماداً على موسم الرياح الموسمية في المرتفعات في إثيوبيا المتقلبة، فإن الأمن المائي المصري والسوداني هش للغاية، وستزيد خطورته في وجود جسم سد النهضة في مجرى النهر.

إثيوبيا نفسها ليست بعيدة عن أزمة تغير المناخ، بل هي في مرمى التغير المناخي المتطرف. في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ضربت منابع النيل الأزرق في شمال إثيوبيا موجة جفاف استمرت سبع سنوات عجاف. وعلى إثرها وقعت مجاعة في سنة 1983 هي الأسوأ في تاريخ البلاد منذ قرن، وخلّفت مليون وفاة، و400 ألف لاجئ هجروا بلادهم نهائياً، و2.5 مليون مشرد، وتيتّم نحو 200 ألف طفل.

كل ذلك بسبب القحط وتغير المناخ. وعانت مصر بسبب دورة الجفاف في إثيوبيا، وتأثرت زراعة الأرز والسياحة النيلية، واستمرت حتى جاء الغيث سنة 1988، وأنقذ الفيضان البلاد من مجاعة تشبه التي وقعت في إثيوبيا، لولا مخزون بحيرة السد العالي الذي نفد تماماً في السنة السابعة من دورة الجفاف.

في سنة 2010 قالت منظمة أوكسفام المعنية بمعالجة الفقر في إثيوبيا وفي كثير من دول العالم، إن المطر لم يعد يأتي في التوقيتات المعتادة في إثيوبيا بسبب تقلب المناخ، ما يعد أحد أسباب الفقر هناك. حيث يعاني الإثيوبيون الذين يعيشون في فقر من مناخ أكثر تقلباً وآثار تغير المناخ وظواهر مناخية أكثر تطرفاً.

في منتصف 2020، نشرت "بي بي سي" وثائق سرية قالت إنها حصلت عليها بموجب قانون حرية المعلومات في بريطانيا، وتكشف اهتمام وزارة الخارجية البريطانية بمشكلات مياه النيل بعد جفاف الثمانينيات ضمن اهتمامات. وفيها طلب وزير الخارجية دراسة تقدير الموقف في حوض النيل. فأعدت إدارة البحوث والتحليل في قسم الشرق الأوسط الدراسة تحت عنوان "نهر النيل"، ضُمت إلى وثائق السياسة الخارجية البريطانية.

تقول الدراسة البريطانية إنه "في سنوات الجفاف، يمكن أن يكون بيد إثيوبيا سلاح استراتيجي محتمل يتيح لها حبس المياه عن مصر والسودان، ما يبرر مخاوف الدولة المصرية من وقوعها رهينة لدولة المنبع". وقالت إن "التهديد بالاستخدام الاستراتيجي للخزانات الإثيوبية خلال أوقات الجفاف عقّد بدرجة هائلة المفاوضات الرامية لإبرام اتفاق دولي بشأن التنمية المستقبلية لحوض أعالي النيل".

وكشفت الوثيقة البريطانية أنّ ذلك الرأي كان أحد الاستنتاجات التي توصلت إليها الدراسة المماثلة التي أجراها المكتب الأميركي لاستصلاح الأراضي بين عامي 1958 و1963. وقالت الدراسة إن "تأثيرات الجفاف في مصر في الثمانينيات كانت واضحة في ثلاثة قطاعات هي: الزراعة وتوليد الكهرباء والملاحة، كأحد مصادر العملة الصعبة القادمة من السياحة النيلية".

لذلك وغيره من آثار سد النهضة الوجودية على مصر والسودان، أرى أنّ الفرصة مواتية أمام مصر، التي تستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ الـ 27 في مدينة شرم الشيخ الشهر المقبل، لتطرح قضية السد على جدول أعمال المؤتمر، بهدف كسب تأييد دولي يدعم مطالبها بتقييم آثار السد البيئية ومراجعة تصميمه وخفض حجمه إلى مستوى يمكّن من التأقلم مع تداعياته على الحياة في مصر والسودان.

ذلك أن مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ يُعنى بشكل مباشر بتداعيات تغير المناخ على الجفاف المتوقع في دول حوض النيل، وتهديد الأمن المائي، وتأثيره المباشر على الأمن الغذائي والفقر وحرب المياه والهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا، وهي القضايا المرتبطة مباشرة بتداعيات سد النهضة، فهل تستثمر مصر الفرصة؟!