حوالات المغتربين السوريين تسعف أسرهم لمواجهة غلاء لا يتوقف

حوالات المغتربين السوريين تسعف أسرهم لمواجهة غلاء لا يتوقف

10 يناير 2024
أغلب التحويلات تأتي من المغتربين في أوروبا وتركيا والإمارات (فرانس برس)
+ الخط -

باتت التحويلات المالية من جانب المغتربين السوريين ملاذ الكثير من الأسر في الداخل التي زج بها الغلاء الذي لا يتوقف وتردي الأوضاع الاقتصادية في قاع الفقر.

وتتسع الفجوة كثيراً بين مستويات الدخول في سورية ومتطلبات الإنفاق على الاحتياجات المعيشية الأساسية، إذ لا يزيد متوسط الدخول عن 200 ألف ليرة شهرياً (نحو 15 دولاراً أميركياً)، بينما متوسط إنفاق الأسرة الذي قدّرته أخيراً مراكز أبحاث في العاصمة دمشق بنحو 12 مليون ليرة شهرياً، بعد ارتفاع الأسعار بأكثر من 150% العام الماضي فقط.

يكشف مديرو مكاتب حوالات مالية، في دمشق وإدلب وإسطنبول، عن ارتفاع نسبة الحوالات الخارجية منذ بداية يناير/ كانون الثاني الجاري بنحو 30% مقارنة بمتوسطات العام الماضي، مقدرين التحويلات اليومية التي تدخل سورية، سواء بعملات أجنبية أو بالليرة، بنحو 6 ملايين دولار، الأمر الذي حرّك، برأي اقتصاديين، السوق الراكدة وساهم بتثبيت سعر صرف الليرة المتذبذبة على عتبة 14500 ليرة للدولار الواحد.

يؤكد صاحب شركة صيرفة في حي الفاتح بإسطنبول، اكتفى بتعريف نفسه باسم أبو ياسين، "زيادة التحويل إلى سورية منذ نهاية العام والأيام الماضية من الشهر الجاري"، مقدراً متوسط التحويل بين 3000 و4500 ليرة تركية (بين 100 و150 دولاراً).

يوضح أبو ياسين في حديث مع "العربي الجديد" أن التحويل للمناطق المحررة في إدلب وريف حلب (شمال سورية) يتم بأي عملة يريدها صاحب الحوالة، ولكن الحوالات إلى مناطق سيطرة نظام بشار الأسد لا تتم إلا بالليرة السورية "نحن نصرف وفق سعر السوق ونحول للداخل بالليرة السورية".

وحول أكثر المناطق التي تتلقى تحويلات من شركته، يشير أبو ياسين إلى أن إدلب تأتي في المقدمة، ربما لكثرة المقيمين من إدلب في تركيا، ويأتي بعدها ريف حلب وحلب. لكنه يضيف: "نحوّل أيضاً إلى مناطق سيطرة النظام بكثرة خلال الفترة الأخيرة عبر وسطاء يسلمون بمكاتب خاصة أو يلتقون بأصحاب الحوالة بعد التواصل الهاتفي".

في المقابل، يكشف مدير إحدى شركات الحوالات في دمشق أن نسبة الحوالات ارتفعت عن العام الماضي بحوالي 30%، نظراً لارتفاع الأسعار وقلة الوقود الذي تعجز 40% من العائلات عن تأمينه، مقدراً خلال تصريح نشره موقع "أثر برس" في دمشق قيمة الحوالات اليومية التي تدخل سورية من المغتربين بنحو 6 ملايين دولار. ولفت إلى أن أكثر الدول التي يتم تسلم حوالات مالية منها هي ألمانيا وتركيا والعراق والإمارات والسويد.

ومن إدلب، يقول مؤيد درويش؛ صاحب شركة حوالات مالية، إن الحوالات زادت إلى المحافظة خلال الشهرين الأخيرين، مبرراً السبب بارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار في المناطق المحررة، ما أوجب على المغتربين زيادة التحويلات لذويهم.

ويشير درويش لـ"العربي الجديد" إلى أن التحويلات للمناطق المحررة تأتي من تركيا بالدرجة الأولى تليها ألمانيا ثم هولندا والسويد، في حين تراجعت التحويلات من الدول الخليجية التي كانت، حسب قوله، تأتي بالمرتبة الأولى خلال سنوات الثورة الأولى.

تجزم السيدة أم سعد (72 عاماً) أن تحويلات ابنيها المغتربين هي المورد الوحيد لأسرتها في ريف محافظة إدلب، فبعد وفاة زوجها قبل أعوام وتوقف المساعدات الأممية من "سلال غذائية" لم يعد لديها من دخل سوى ما يحوله ابنها المقيم في ألمانيا بنحو 100 يورو والآخر المقيم في تركيا حوالي 3000 ليرة تركية لتعيش وأسرتها مستورين، بحسب وصفها.

تشير السيدة السورية، عبر اتصال مع "العربي الجديد"، إلى أن تكاليف المعيشة في ريف إدلب المحرر ترتفع باستمرار، خاصة مواد التدفئة من مشتقات نفطية وغيرها من الضروريات، كما تضطر، كغيرها من السوريين، إلى الاعتماد على الاشتراك الشهري في خدمة الكهرباء، ما يوصل تكاليف التدفئة والطاقة إلى أكثر من 50 دولاراً شهرياً، تضاف إليها أسعار الغذاء والدواء، سواء المنتج في المناطق المحررة أو المستورد، عبر باب الهوى، من تركيا.

ولا يختلف الحال بالنسبة لمناطق سيطرة بشار الأسد، بل يزداد صعوبة، كما يقول مازن حمور من حي دمر بالعاصمة السورية دمشق لـ"العربي الجديد"، "لأن فرص الحصول على عمل ثانٍ لتحسين الدخل معدومة، في حين أن الأسعار في ارتفاع مستمر، إذ وصل سعر كيلو لحم الخروف إلى ما يعادل الراتب الشهري".

ويضيف حمور أن "التحويلات الخارجية هي طوق النجاة الوحيد للأسر السورية، وهناك أسر تبيع ممتلكاتها لتسفّر أبناءها عبر كردستان العراق إلى أوروبا، حتى يحول الأبناء، ولو 100 يورو، شهرياً، فهي تعادل 1.6 مليون ليرة، يمكن، إضافته للدخل هناـ أن تكفي الأسرة طعاماً وشراباً بالحد الأدنى".

وحول نوع العملة التي يتسلم بها سكان مناطق سيطرة الأسد، يقول حمور إن مكاتب الصيرفة المرخصة تسلمها بالليرة السورية بسعر 1.3 مليون ليرة لكل 100 دولار، في حين أن السعر في السوق نحو 1.45 مليون، وبعض المكاتب غير المرخصة تسلم بالعملات الأجنبية.

في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي السوري عبد الناصر الجاسم أن سعر صرف الدولار في الحوالات لا يزال أقل بنحو 1500 ليرة للدولار مقارنة بالسوق الموازية، على الرغم من رفع السعر أربع مرات أخيراً، ما يعني خسارة المحول لهم إن تم التحويل للشركات المرخصة بسورية، لذا، يلجأ المحولون في الخارج للتحويل عبر شركات غير نظامية بالعملات الأجنبية أو التحويل لدول مجاورة لسورية (لبنان وتركيا والأردن).

ويضيف الجاسم في حديث مع "العربي الجديد": "رغم أن نسبة التحويلات حالياً مرتفعة عن العام الماضي، إلا أنها متراجعة قياساً لسنوات ما قبل كورونا، وقت تصل في المناسبات والأعياد إلى نحو 9 ملايين دولار يومياً"، موضحاً أن السبب يرجع إلى انخفاض دخول السوريين المهاجرين والتضخم الذي لحق بتركيا والدول الأوروبية.

ويضيف الجاسم أن الحوالات، ورغم تراجعها وقلة مبالغها، إلا أنها تساعد السوريين في تحمل أعباء المعيشة، مقدراً نسبة من يعتمدون على الحوالات الخارجية داخل سورية بنحو 70% من السكان، سواء في مناطق سيطرة الأسد أو المناطق المحررة.

وتشير التقديرات إلى بلوغ عدد المهجرين والمهاجرين السوريين نحو 12 مليون شخص توزعوا على نحو 44 بلداً حول العالم، واحتل نظام الأسد عام 2020 المرتبة الأولى بنسبة التهجير، محققاً 8.25% من عدد المهجرين حول العالم.

ونشطت في ظل هذا الواقع شركات التحويل وتنامت أعدادها داخل سورية وخارجها، سواء كانت مرخصة أو تعمل بشكل غير مضبوط قانونياً وتنظيمياً، الأمر الذي يراه المحلل المالي نوار طالب خطراً على أموال السوريين، سواء المودعين في تلك الشركات عبر شراكات أو أسهم أو المحولين عبرها، لافتاً إلى أن تلك الشركات تعمل بدور الوسيط، وسبق أن أعلنت شركتان في تركيا إفلاسهما وهروب أصحابها، بعد أن جمعت مئات ملايين الدولارات من السوريين.

ويضيف طالب لـ"العربي الجديد" أن الحل الوحيد يتمثل في قوننة الشركات بعد توحيد سعر صرف الدولار مع السوق، وبذلك تربح سورية العملات المحولة بالنقد الأجنبي وتزال أي ملامح للاحتيال والإفلاس، مشيراً إلى أن سعر الدولار في السوق اليوم نحو 14500 ليرة، في حين لا يزيد في شركات التحويل المرخصة عن 13 ألف ليرة.

وكانت شركة "الريس" للحوالات المالية في محافظة إدلب قد أعلنت، الأحد الماضي، عن إفلاسها، بعد أن انتشرت على نطاق واسع في الداخل السوري وبلغ عدد مكاتبها أو المتعاملة معها 1500 مكتب في الداخل وتركيا والعراق وأوروبا.

وتشير مصادر إعلامية إلى أن الشركة أعلنت إفلاسها، بعد أن باتت "مصرفاً مصغراً للسوريين" تقوم بدور التحويل من وإلى سورية وأدوار الوساطة لإيداعات المهاجرين.