حسابات معقدة لمعالجة السعودية تضارب المصالح في أوبك+

12 مارس 2024
تجاوزت 7 دول أعضاء بـ "أوبك+" حصص الإنتاج المقررة بعد التخفيضات (فرانس برس)
+ الخط -

قرع عدم التزام 7 دول بحصص تخفيضات الإنتاج النفطي بتكتل "أوبك+" جرس إنذار بشأن تنامي حالة الرفض للسياسات النفطية التي تقودها السعودية، خاصة أن قائمة الدول الست تشمل 3 دول خليجية، هي: الإمارات والكويت وسلطنة عمان. 

وبلغ إجمالي تخفيضات إنتاج التكتل في يناير/كانون الثاني الماضي 340 ألف برميل يوميًا، ورغم أن الانخفاض كان قياسيًا مقارنة بالأشهر الـ 6 الأخيرة من عام 2023 إلا أنه ما زال أقل من مستهدف تخفيضات الربع الأول من 2024، المقدر بنحو 700 ألف برميل يوميًا، وفق مسح أجرته منصة "بلاتس" لتسعير النفط في آسيا، ونُشرت نتائجه في موقع وكالة "ستاندرد آند بورز".

وبينما حافظت السعودية على خطتها لخفض الإنتاج طوعيًا بمعدل مليون برميل منذ يوليو/تموز 2023، عند أقل من 10 ملايين برميل يوميًا، تجاوزت 7 دول أعضاء بـ "أوبك+" حصص الإنتاج المقررة بعد التخفيضات، 4 منها أعضاء في التكتل: وهي: العراق، والكويت، والإمارات، والغابون، و3 من خارج التكتل، هي: كازاخستان، وسلطنة عمان، وجنوب السودان، بحسب الوكالة.

ووفق المسح ذاته، فإن الكويت أنتجت في يناير/كانون الثاني 2.450 مليون برميل رغم تقدير حصتها بنحو 2.410 مليون برميل يوميًا بعد التخفيض المخصص للأشهر الـ3 الأولى من العام الجاري.

وبذلك، فاق إنتاج الكويت الخفض المقرر بنحو 40 ألف برميل يوميًا، رغم خفضه بمعدل 100 ألف برميل مقارنة بإنتاج ديسمبر/كانون الأول الماضي. 

وعلى المنوال ذاته، لم تلتزم الإمارات بحصتها بعد التخفيض البالغة 2.910 مليون برميل يوميًا، إذ أنتجت فعليًا 2.950 مليون برميل يوميًا، بزيادة قدرها 40 ألف برميل عن الحصة المقررة.

وبينما أعلنت سلطنة عمان التزامها بإنتاج 759 ألف برميل يوميًا خلال الأشهر الـ3 الأولى من العام الجاري، إلا أنها أنتجت في يناير/كانون الثاني الماضي 770 ألف برميل، متجاوزة حصتها بنحو 11 ألف برميل.

وأظهر مسح، أجرته وكالة "رويترز "في نهاية فبراير/شباط الماضي، ارتفاع إنتاج "أوبك+" من النفط بعدما عوض تعافي الإنتاج الليبي تأثير تخفيضات الإنتاج الطوعية من قبل أعضاء آخرين في إطار اتفاق التكتل النفطي.

وأظهر المسح أن منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" ضخت 26.42 مليون برميل يوميا هذا الشهر، بزيادة 90 ألف برميل يوميا مقارنة مع يناير/كانون الثاني، ما يعني أن إجمالي تخفيضات إنتاج التكتل في فبراير/شباط الماضي بلغ 250 ألف برميل يوميًا فقط. 

تسييس النفط 

ويشير الخبير الاقتصادي، رائد المصري، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الولايات المتحدة الأميركية كثيرا ما حاولت التلاعب بخطط أعضاء تكتل "أوبك+"، خصوصا بعد الحرب الروسية الأوكرانية".

وقال إنها "أرادت تسييس الدول الأعضاء إلى جانبها في فرض العقوبات على الاتحاد الروسي، وفي رفعها لأسعار الفائدة والتضخم الحاصل جراء تذبذب أسعار النفط".

ويضيف المصري أن "توجهاً أميركياً كهذا واجهته الدول الأعضاء في "أوبك+"، وعلى رأسها روسيا كدولة وازنة في إنتاج النفط، إضافة إلى السعودية، التي تعتبر الأولى على هذا المستوى".

وأشار إلى أن سياسات المملكة في مرحلة سابقة كانت "عقابية بوجه الولايات المتحدة الأميركية بعد قصف الحوثي لمنشآت شركة أرامكو دون أن تحرك واشنطن ساكنا".

ويوضح المصري أن "السعودية اعتبرت التطور الخاص بهجمات الحوثيين تهديدا لأمنها القومي، لم تواجهه واشنطن بأي رد فعل، ولذلك تبنت موقفا مفاده أن النفط وتسعيره وزيادته أو نقصانه يجب أن تكون خاضعة للعرض والطلب في السوق العالمية بحيث لا يمكن التلاعب به ولا تسييسه ضمن الاستقطابات الدولية".

ولا يتوقع المصري أن "يؤثر التباين الحاصل بين الدول المخالفة لحصص الإنتاج المقررة في "أوبك+" وبين السعودية على المسار الاستراتيجي للتكتل". 

واعتبر أن "موقف المملكة يأتي في إطار إعطاء إشارات معينة للولايات المتحدة، مفادها أنه لم يعد بيدها شيء لتفعله في ظل وجود اعتراضات كبرى داخل أوبك بشأن العقوبات على النفط الروسي وفي سياسة إنتاج النفط بوجه عام". 

ويصف المصري موقف السعودية بأنه "تعبير عن سياسة ذكية، لا تريد توريط نفسها بأن يستخدمها الأميركي في أي استقطاب دولي على مستوى أزمات النفط والطاقة العالمية، وهو ما تقدمه الرياض في شكل تكتيك تستخدمه لإظهار التباين في واقع إنتاج النفط في "أوبك+" من دون أن يكون له أي مفاعيل داخل التكتل".

"وترى الرياض أن سياستها تصبّ في مصلحة أمن الطاقة، خاصة أن العالم كله يمر بمرحلة أزمة طاقة وانقطاع سلاسل التوريد، وعسكرة للبحر الأحمر، وبالتالي فهو لا تنقصه أزمة جديدة على مستوى تكتل أوبك+"، بحسب المصري. 

مصالح الدول 

وفي السياق، يرى الخبير في الاقتصاد السياسي، الأستاذ في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا في لبنان، بيار الخوري، أن "عدم التزام روسيا وبعض دول الخليج، مثل الإمارات والكويت وعمان، بحصص التخفيضات التي حددها تكتل منظمة البلدان المصدرة للبترول وحلفائها (أوبك+) يمكن أن يُفسر بعدة طرق، وفقا للسياق الاقتصادي والجيوسياسي الأوسع لفهم الدوافع والتبعات".

ويوضح الخوري في تصريحات لـ"العربي الجديد" أن "السياق الاقتصادي يتمثل في اعتماد الدول المنتجة للنفط بشكل كبير على عائدات النفط لتمويل ميزانياتها في أوقات الضغوط الاقتصادية أو عندما تكون الأسعار مرتفعة بما يكفي لتحقيق إيرادات كبيرة، لذا قد تجد بعض الدول صعوبة في التقيد بالحصص المخصصة إذا كانت ترى فرصة لزيادة الإيرادات".

"أما السياق الجيوسياسي، فيتمثل في تصاعد التوترات الإقليمية التي تدفع بعض الدول إلى تبني استراتيجيات وطنية بهدف "السيطرة على حصة السوق أو الرغبة في التحكم بشكل أكبر في سياسات الإنتاج"، بحسب الخوري.

وأشار إلى أن "عدم التزام بعض دول "أوبك+" قد يبدو في الظاهر رفضا للقيادة السعودية داخل التكتل، لكن "الواقع قد يكون أكثر تعقيدًا" حسب تعبيره.

ويوضح الخوري أن "الدول لها مصالحها الخاصة وقد تتخذ قرارات بناءً على تقييماتها للسوق واحتياجاتها الاقتصادية، وليس بالضرورة كموقف مباشر ضد السعودية".

وعن توقعاته لمعالجة الرياض واقعاً كهذا، يرجح الخوري "اتجاه الرياض إلى الدبلوماسية والتفاوض للتوصل إلى تفاهمات مشتركة مع الدول الأخرى داخل "أوبك+"، لضمان الالتزام بالحصص والحفاظ على استقرار السوق".

و"قد تظهر السعودية بعض المرونة في سياساتها النفطية لاستيعاب المخاوف والاحتياجات الخاصة بالدول الأخرى، بهدف الحفاظ على الوحدة والفعالية داخل التكتل النفطي"، بحسب الخوري، الذي يرجح أن "يؤدي التفاوض إلى تعديل في بعض حصص الإنتاج بـ "أوبك+" بطريقة تراعي الوضع الاقتصادي والإنتاجي للدول المعنية". 

ديناميات السوق  

وبحسب الخوري، فإن "السياق الدقيق للتعامل مع هذه المسألة سيتوقف على العديد من العوامل، على رأسها: ديناميات السوق العالمية، إذ يمكن أن تؤثر التغيرات في الطلب العالمي على النفط والأسعار على استراتيجيات الدول المنتجة، وقد تضطر السعودية وأعضاء "أوبك+" الآخرون إلى تعديل سياساتهم بناءً على هذه الديناميكيات لضمان استقرار السوق والحفاظ على الأسعار". 

كما تشمل العوامل المحددة لتعامل السعودية مع تطورات سوق النفط مدى التقدم في المفاوضات، فالنجاح فيها سيكون حاسماً في القدرة على التوصل إلى تفاهم مشترك، بحسب الخوري، مشيرا إلى أن "التنازلات المقبولة ستلعب دوراً مهماً في تشكيل المسار القادم".

"كما سيؤثر مستوى الالتزام السياسي والاقتصادي من قبل كل دولة معنية بتحقيق التوازن في سوق النفط على النتائج أيضا"، بحسب الخوري، مشيرا إلى أن "العلاقات الثنائية والإقليمية والتوترات الجيوسياسية يمكن أن تؤثر على قدرة "أوبك+" على العمل بشكل موحد". 

"لذا فإن السعودية، بصفتها واحدة من اللاعبين الرئيسيين، قد تحتاج إلى انتقال حذر في هذا السياق الدقيق للحفاظ على التعاون والوحدة، خاصة في ظل التطورات التكنولوجية والبدائل الجديدة للنفط"، بحسب الخوري.

ولفت إلى أن "التقدم في التكنولوجيا وزيادة اعتماد الطاقة المتجددة يمكن أن يغيرا من ديناميكيات الطلب على النفط على المدى الطويل، وهو ما ستحتاج الدول الأعضاء في "أوبك+" إلى وضعه بعين الاعتبار في تخطيطها المستقبلي".

ويخلص الخوري إلى أن "معالجة الرياض لهذه القضايا ستتطلب مزيجاً من الدبلوماسية الفعالة والمرونة في السياسة، والقدرة على التكيف مع التغيرات في السوق العالمي والظروف الجيوسياسية، باعتبار أن هدفها النهائي يتمثل في تعزيز استقرار سوق النفط العالمي والحفاظ على عائدات مستدامة للدول المنتجة".