تشريع ضريبي يثير قلقاً من تتبع أموال المصريين والأجانب في البنوك

تشريع ضريبي يثير قلقاً من تتبع أموال المصريين والأجانب في البنوك

13 ديسمبر 2022
مقر البنك المركزي المصري في وسط القاهرة (فرانس برس)
+ الخط -

تمضي الحكومة المصرية قدماً في إجراء تعديل تشريعي على قانون الإجراءات الضريبية الموحد، يسمح لمصلحة الضرائب بالإفصاح عن معلومات لدى البنوك لأغراض تبادل المعلومات، حول الحسابات البنكية للأفراد والكيانات، بين المصلحة المصرية وسلطات ضريبة أجنبية، وسط مخاوف قانونية ومالية من تعريض معلومات المستثمرين المحليين والأجانب لمخاطر إفشاء أسرارهم المالية والمصرفية، التي سيتداولها الموظفون العموميون.

قدمت الحكومة للبرلمان التعديل المقترح، مع تأكيد وزير المالية محمد معيط في ديباجة المشروع أنه يستهدف مساعدة بعض الدول الأجنبية للتحقق من المعاملات الضريبية حول رعاياها، مشيراً إلى أن هذا المطلب ليس الأول من نوعه، إذ تتيح مصر معلومات بنكية عن "رعايا أجانب" بناء على طلب دولهم طبقاً للاتفاقيات المبرمة بين مصر والدول.

ولفت الوزير إلى التزام مصر بمكافحة التهرب الضريبي، وفقاً لقواعد العضوية بالمنتدى العالمي للشفافية وتبادل المعلومات للأغراض الضريبية، الذي أسسته مجموعة الدول العشرين، ومنظمة التعاون الاقتصادي، الذي يلاحق الثروات والأصول المالية التي تهدد إيرادات دول المنتدى.

التعديل التشريعي المفاجئ أثار توجساً في الأوساط الاقتصادية وبين عملاء البنوك حول النوايا الحقيقية للحكومة من مشروع القانون

لكن التعديل التشريعي المفاجئ أثار توجساً في الأوساط الاقتصادية وبين عملاء البنوك حول النوايا الحقيقية للحكومة من مشروع القانون الذي طلبت تمريره من البرلمان، خلال الشهر المقبل، إذ وصفه اقتصاديون بأنه مثير للريبة، لأنه جاء مع مطالبة البنوك لكافة عملائها بتحديث بياناتهم على حساباتهم أكثر من مرة، خلال الأشهر الماضية.

تساءل رجال أعمال عن الأسباب التي لا تريد الحكومة الإفصاح عنها من وراء التشريع، بينما تشهد الأسواق عمليات استحواذ من صناديق سيادية عربية ومستثمرين أجانب على شركات تعمل في الدفع الفوري والتسهيلات المالية، وتمارس أعمالاً مصرفية، منها "إي فاينناس" ذراع المعاملات النقدية لوزارة المالية، واستحواذ شركة "فوداكوم" من جنوب أفريقيا على 55% من حصة "فودافون مصر" وتخطيطها لإطلاق "فودا باي" بالتعاون مع "علي باي" Alipay؛ أكبر محفظة رقمية صينية وفي العالم، لتقديم الخدمات المالية والقروض والمدفوعات، والتسوق عبر الهاتف المحمول والإنترنت.

وأبدى مستثمرون دهشتهم من تقدم الحكومة، لمجلس الشيوخ، بمشروع قانون لتأسيس صندوق مصر الرقمية، قبل يومين، بهدف تحفيز الاستثمارات الأجنبية، في نفس التوقيت لقانون الإفصاح عن المعلومات عن المستثمرين الأجانب، بما يوحي بوجود صراع بين الأجهزة الحكومة على إدارة ملفات بيانات المستثمرين وبيانات العملاء في البنوك، التي يجب أن يخص الإشراف عليها سلطة عليا موحدة.

يقول الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، لـ"العربي الجديد"، إن مصر مجبرة وفقاً لاتفاقيات مع البنك الفيدرالي الأميركي، والدول الكبرى، منذ 2015، على تحقيق الشمول المالي، ومنع تحويلات البنوك من بنك لآخر للعملاء المتهربين من الضرائب في بلدانهم، التي وقعت بها بنوك إماراتية وبحرينية، والتي اتهمتها مؤسسات دولية بتسهيل عمليات غسيل الأموال.

أضاف النحاس أنّ إجبار الحكومة على مكافحة غسيل الأموال لصالح الغير لم يواكب إصراراً مماثلاً في الحصول على أموال المصريين التي هربها نظام مبارك، قبل ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، مؤكداً أنّ حسن النوايا الذي طرحته الحكومة على مشروع القانون لا يكفي، في ظل أنّ الجهة المنوطة بتنفيذه ستكون مصلحة الضرائب، بما يعني وضع البيانات المالية عن عملاء الشركات الدولية والبيانات المالية الخاصة بالمستثمرين متاحة للتداول بين صغار الموظفين.

وائل النحاس:  التشريع يحتاج إلى ضوابط مشددة تضمن سرية الحسابات وتعاملات الشركات، حتى لا تكون وسيلة للمتاجرة بها

ويؤكد أن التشريع يحتاج إلى ضوابط مشددة تضمن سرية الحسابات وتعاملات الشركات، حتى لا تكون وسيلة للمتاجرة بها كما تفعل شركات الهاتف المحمول، التي تبيع أرقام الهواتف ومستوى إنفاق العملاء، لصالح شركات التسويق العقاري وسماسرة السيارات والرحلات ومبيعات السلع، وتلاحق العملاء على مدار الساعة، دون قدرة أي جهة على حماية المستهلكين من تتبع بياناتهم الخاصة أو محاسبة الجهات التي تسرب تلك المعلومات بدون إذن مسبق من العملاء.

يتابع النحاس أنّ الالتزام الضريبي والشمول المالي الذي تطبقه وزارة المالية، يسمح لموظفي الضرائب بتتبع كل أموال المستثمرين التي يضعونها في البنوك وأصول الشركات ومعرفة المساهمين، ويسمح بالحجز على الأموال من قبل مصلحة الضرائب على الأرصدة، مشيراً إلى أن القانون يتيح للموظفين السيطرة على قنوات المعلومات التي لدى البنوك وهيئة الاستثمار في الداخل، بينما لا تتمكن الدولة من تتبع استثمارات مواطنيها في الشركات الدولية، التي شكلها بعض رجال الأعمال في الخليج والخارج، للابتعاد عن سيطرة الدولة، رغم ممارستهم أعمالهم بالسوق المحلية.

ويحذر من خطورة استهداف بعض الدول العربية لرجال أعمال، يضعون استثماراتهم في مصر، طلباً للأمان الاقتصادي والسياسي، بينما يمنح مشروع القانون هذه الدول سلطة تتبع هذه الأموال في مصر، عبر وزارة المالية، بما يعني قدرتها على التحكم في الأموال القادمة للبلاد، ودفع مستثمرين بعينهم للخروج من السوق المصرية، إذا ما رغبت في توجيه اقتصاد الدولة إلى جهة غير مؤاتية لأهوائهم.

بدوره، يشدد وكيل لجنة حقوق الانسان في مجلس النواب، أيمن أبو العلاء، في حديثه لـ"العربي الجديد"، على ضرورة التزام الحكومة بوضع ضمانات تحقق سرية تعاملات المصريين، وفقاً للدستور، على أن يكون الاطلاع على أيّ بيانات للشركات والأفراد، أو الملاحقة القضائية لإثبات التهرب الضريبي، عبر إجراءات قضائية.

ويلفت أبو العلا إلى أنّ اللجان المختصة في البرلمان لم يصلها المشروع الحكومي، وأنّ هناك تحفزاً من جانب النواب، لمناقشته بدقة من كافة نواحيه القانونية وقدرته على تحقيق التزام دولي، دون المساس بحقوق المودعين والمستثمرين.

وفق بيان للبنك المركزي، فإنّ مشروع القانون لن يمس سرية حسابات العملاء في البنوك، والمعاملات المتعلقة بها

ووفق بيان للبنك المركزي، فإنّ مشروع القانون لن يمس سرية حسابات العملاء في البنوك، والمعاملات المتعلقة بها، مؤكداً أن تلك المعلومات لن تُعطى لأيّ جهة بطريق مباشر أو غير مباشر إلّا بإذن كتابي من صاحب الحساب أو الوديعة أو الأمانة أو من أحد الورثة أو الوصي على الأموال أو بعضها أو من وكيله القانوني، أو بناء على حكم قضائي أو حكم تحكيم.

جاءت عمومية البيان وتصريحات المالية خالية من وجود ضمانات تسرب المعلومات عبر صغار الموظفين، في وقت تتجه فيه الحكومة إلى تعميم منظومة "البوابة الإلكترونية" التي تمكِّن موظفي وزارة التموين من الاطلاع على دخل الأفراد وحيازة السيارات ومستوى الدخل، وتمكِّن الجهات الأمنية من الاطلاع على معاملاتهم البنكية، وطلب الحجز على أموالهم، بقرارات أمنية، تقنن بعدها بأحكام عرفية.

يشير خبير مالي، طلب عدم الإفصاح عن اسمه، إلى أنه رغم التزام البنك المركزي بمكافحة غسل الأموال، مع عدم خروج بيانات عملاء البنوك دون أمر قضائي، وتحت إشراف إدارة قانونية موحدة، فإن بعض صغار الموظفين وقعوا في جرائم تسريب معلومات، وسرقة بعضها، وفقاً لبيانات رسمية، مع ضعف السلطات الرقابية، لافتاً إلى أنّ انتشار تلك المعلومات عبر مكاتب صغار الموظفين يزيد من مخاطر إفشاء أسرار المتعاملين، في ظل إجراءات تعتمد على حسن النوايا لدى الموظفين.

ويخشى خبراء أن يكون القانون بداية صراع بين الأجهزة الرسمية على تتبع أموال الأفراد والمستثمرين، بين أكثر من جهة سيادية، كما حدث في الصين خلال العام الماضي، حينما طلبت السلطات من شركات الدفع الفوري، والبنوك تقديم المعلومات وحركة الأموال والنفقات للمتعاملين عبر أنظمة التسوق الرقمي، التي بحوزتهم لأجهزة الأمن والحكومة، واتخذتها بعد ذلك للسيطرة على حركة الأفراد أثناء أزمة "كوفيد 19" وملاحقة رجال الأعمال، وعلى رأسهم شركة "علي باي" المنتظر دخولها مصر في مارس/ آذار المقبل.

المساهمون