الأسواق هادئة رغم تشديد العقوبات الغربية على روسيا

28 يونيو 2022
متعاملون في سوق وول ستريت بنيويورك (getty)
+ الخط -

بدت أسواق المال العالمية هادئة ولا توجد تداعيات تذكر بالنسبة للعقوبات المشددة المتوقع أن تتخذها مجموعة السبع على روسيا، عدا الحركة التي شهدتها أسعار الذهب بسبب الحظر الذي بات متوقعاً في قرارات المجموعة التي ستصدر اليوم الثلاثاء. وراوحت أسعار النفط مكانها من دون ارتفاع على الرغم من الاحتمال الكبير بأن تتفق مجموعة الدول الغنية على وضع "سقف سعري" للخامات والمشتقات البترولية الروسية.

وبينما تواجه الدول الكبرى أقوى صدمة جيوسياسية في تاريخها منذ العام 1945، ويواجه النظام العالمي المبنى على القوى الرأسمالية ـ الديمقراطية تحدياً حقيقياً يهدد بتغيير جوهري في الحدود الجغرافية والنظم المالية والاقتصادية، يرى خبراء أن قمة السبع التي عقدت اجتماعاتها لليوم الثاني في ألمانيا ستخرج بقرارات قوية ومتشددة ضد الغزو الروسي. وحتى الآن، ينظر العديد من خبراء الاستراتيجيات الدولية إلى أن الحرب الروسية على أوكرانيا ستكون لها تداعيات خطيرة تطاول النظام المالي العالمي القائم، حيث يسعى تحالف "بوتين ـ شي" منذ سنوات لبناء عملة دولية جديدة منافسة للدولار، وإنشاء مؤسسات مصرفية تؤدي دوراً مغايراً لدور صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية متعددة الأطراف، والتأسيس لنظام تسويات مالية جديد يتخطى نظام "سويفت" الحالي.

ويقول الخبير الاستراتيجي بمركز" مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي ستيوارت إم باتريك، إن الغزو الروسي لأوكرانيا يمثل نقطة تغيير جوهرية تاريخية لا تقل عن لحظة "سقوط جدار برلين". ويضيف أن "مسؤولية مجموعة السبع أن تهب للدفاع عن النظام العالمي ودستور الأمم المتحدة الذي يمنع تغيير الحدود الجغرافية للدول بالقوة العسكرية".

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الأربعاء الماضي، مخاطباً المشاركين في منتدى أعمال "بريكس"، إن روسيا تعمل مع شركائها على تطوير آليات بديلة موثوقة للمدفوعات الدولية وتوسيع جغرافية استخدام نظام الدفع "مير"، وهو نظام بديل لنظام "سويفت" للحوالات المالية بين المصارف الذي يوجد مقره في بروكسل ببلجيكا. وأضاف أن موضوع إنشاء عملة احتياطية دولية على أساس سلة عملات بلدان بريكست يجرى العمل عليه.

وبالتالي فإن التحديات التي تواجهها القوى الغربية الرأسمالية الكبرى لا تقتصر فقط على التغيير الجغرافي الذي يعمل عليه بوتين في أوروبا عبر ضم أوكرانيا أو أجزاء منها على الأقل، ولكنه يتعدى ذلك إلى تغيير النظام المالي والاقتصادي العالمي بأكمله. في هذا الصدد، يقول باتريك إن على مجموعة السبع أن تخرج من قمتها بمقررات قوية تؤكد التماسك الدولي وخطط كفيلة بدحر الغزو الروسي وإقناع دول العالم بدعم سيادة أوكرانيا، عبر خطوات ملموسة بغض النظر عن نوعية نظمها السياسية الحاكمة والحسابات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية التي تربطها مع موسكو.

وبالنسبة لتداعيات حظر الذهب الروسي على التضخم، فحتى الآن تتجه مجموعة السبع لتشديد الحظر على روسيا، عبر مجموعة من المقترحات التي ربما ستتبلور في البيان الختامي الذي سيصدر اليوم الثلاثاء. وأول هذه المقترحات حظر مبيعات الذهب الروسي التي تعد واحدة من أهم مصادر تمويل الآلة العسكرية الروسية. وحسب البيانات الصادرة على موقع الحكومة البريطانية يوم الأحد، فإن صادرات الذهب الروسية تقدر بنحو 15.45 مليار دولار سنوياً.

وعلى الرغم من أن هذا الحظر سيحرم الخزينة الروسية من مورد مالي مهم، لكنه سيقود تلقائياً إلى رفع سعر الذهب عالمياً، وبالتالي سيزيد من معدل التضخم الذي يمثل حالياً أكبر صداع للدول الغربية. وفي أعقاب الإعلان عن الحظر، كسبت أسعار الذهب في التعاملات الصباحية في لندن أمس الاثنين 10 دولارات، لترتفع أوقية الذهب (الأونصة) إلى أعلى من 1830 دولاراً.

وقال جيفري هالي، كبير محللي شركة أواندا، إنه يبدو أن حظر مجموعة السبع استيراد الذهب الروسي سيقدم بعض الدعم لأسعار الذهب على المدى القصير، ويمثل هذا تغييراً هيكلياً في توقعات العرض والطلب العالميين على المعدن الثمين.

ومن بين المعضلات الكبرى التي تواجه قمة السبع، معضلة الحد من دخل الطاقة الذي تحصل عليه من مبيعات النفط. وحتى الآن، أدت العقوبات الغربية على النفط والمشتقات البترولية، التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا وأقرتها دول الاتحاد الأوروبي، إلى تداعيات سلبية على القوى الغربية وتأثير ضئيل على دخل الخزينة الروسية.

وذلك لسببين وهما، أولاً أن العديد من الدول تواصل شراء الخامات والمشتقات البترولية بسبب الحسومات السعرية، وثانياً أن ارتفاع أسعار الخامات والمشتقات البترولية في أسواق الطاقة العالمية عوضت الخزينة الروسية عن الخسارة في الكميات المباعة في الأسواق.

ولسد ثغرة الدخل النفطي الروسي الذي يعد المحرك الرئيسي في تمويل الماكينة الحربية الروسية، اقترحت مجموعة السبع آلية تسمح فقط بنقل الخامات والمشتقات الروسية التي يتم التعاقد عليها بسعر أدنى من "السقف السعري" الذي تحدده مجموعة السبع. لكن الخبير النفطي جوليان لي يقول، في مقال رأي بوكالة بلومبيرغ، إن تحديد تفاصيل كيفية تطبيق هذا "السقف السعري" سيأخذ أسابيع إن لم يكن أشهراً، وإن تحديد هذه التفاصيل ليس من اختصاصات رؤساء مجموعة السبع، وإنما يتم من قبل وزارات المالية وخبراء الأسواق فيها.

وتعتمد مجموعة السبع في تنفيذ هذه الآلية على هيمنة شركاتها على 95% من صناعة التأمين العالمية على الناقلات النفطية وشحنات الخامات البترولية ومشتقاتها. ويلاحظ أن مناقشة الآلية لم تؤثر، أمس الأثنين، في أسعار النفط، حيث ظلت أسعار الخامات من نوعية غرب تكساس الأميركي لعقود أغسطس/آب من دون تغيير يذكر عند 107 دولارات للبرميل، كما ظلت كذلك أسعار خام برنت لنفس العقود عند 113 دولاراً من دون تغيير يذكر.

وهذا يدل على أن الأسواق لم تأخذ مقترحات "السقف السعري" لمجموعة السبع بجدية. ولكن يرى محللون أن التحالف القوي بين بوتين ونظيره شي وحاجة الصين لملء خزانات الاحتياطي الاستراتيجي سيعملان ضد أية عقوبات نفطية ضد روسيا، خاصة أن الصين تملك احتياطيات دولارية تفوق 3 تريليونات دولار، يمكن استخدامها لدعم روسيا مقابل الحصول على عقود نفطية طويلة الأجل وبأسعار منخفضة. وفي أسواق المال، عاد التفاؤل إلى سوق الأسهم الأميركية هذا الأسبوع، ويرى خبراء أن مؤشرات سوق وول ستريت ستواصل الارتفاع على الأجل القصير، ولم يستبعد محللون أن ترتفع أسعار الأسهم بنسبة 7.0% بعد التدهور الكبير الذي شهدته.

وواصل العائد على سندات الخزينة الأميركية أجل 10 سنوات الارتفاع في بداية تعاملات الأسبوع، مستفيداً من توجه البنوك المركزية العالمية لزيادة أكبر من التوقعات في أسعار الفائدة في إطار كبح جماح التضخم المرتفع. ويرى الخبير بمصرف "مورغان ستانلي" فرانك هولاند، في تعليقات لقناة "سي إن بي سي" الأميركية، أن الأسواق تتجه للارتفاع وربما بنسبة 7.0% على الأجل القصير. لكن الخبير كريس تومي، بنفس المصرف، قال في تعليقات أمس الاثنين إن التضخم لا علاقة له بالسياسات النقدية، وإنما هو مرتبط بالحرب الروسية على أوكرانيا وتداعياتها على أسعار الغذاء والوقود.

على الصعيد الأوروبي، يرى محللون أن الأسهم الأوروبية ستشهد هي الأخرى موجة ارتفاع، وأن من شأن الارتفاع في الفائدة على عائدات السندات السيادية أن يدعم أسهم البنوك، حيث تتجه الفائدة البنكية إلى أعلى من المستويات القريبة من الصفر أو السلبية السائدة منذ عام 2020 وأغلب 2022، وهو ما قد يعزز الأرباح. ويقدر محللو "سيتي غروب" أن كل زيادة بمقدار 25 نقطة أساس في أسعار الفائدة الأوروبية سترفع توقعات أرباح البنوك في منطقة اليورو بنسبة 4%.

المساهمون