اقتصاد أوكرانيا "ثقب أسود"... حقن مالية غربية تكبح الانهيار

اقتصاد أوكرانيا "ثقب أسود"... حقن مالية غربية تكبح الانهيار وسط تململ أوروبي

14 سبتمبر 2023
عمال يصلحون محطة كهرباء في كييف تضررت بسبب هجوم جوي روسي (Getty)
+ الخط -

بات الاقتصاد الأوكراني عليلاً بشكل كبير بفعل استمرار الحرب المستمرة منذ 18 شهراً، ومرهقاَ أكثر لبعض الاقتصادات الغربية التي تواصل دعمه مالياً، فيما تتصاعد انتقادات قوى يمينية محافظة من تحول كييف إلى "ثقب أسود" يؤثر سلباً على مجتمعاتها، وهو ما يخيف الإدارات السياسية في الاتحاد الأوروبي، مع تزايد شعبية تلك القوى في عدد من دوله، قبل أشهر من انتخابات البرلمان الأوروبي في ربيع العام القادم 2024.

مع إعلان الدنمارك، أمس الأربعاء، تقديم حزمة مساعدات جديدة لكييف بنحو 830 مليون دولار، يبدو واضحا أن أوكرانيا أصبحت أكثر اعتماداً على أوروبا وواشنطن من أجل إبقاء جبهتها حاضرة وحقن اقتصادها بالمسكنات في زمن الحرب.

يلعب الاتحاد الأوروبي دوراً رئيسياً في تنسيق جهود الدعم المالي لكييف على أربعة مستويات: الدعم الإنساني والطارئ المدني وتمويل عجز ميزانية الحكومة المركزية عام 2023 والتعافي قصير المدى للبنية التحتية للبلاد وإعادة بناء اقتصاد البلاد على المدى الطويل (إعادة الإعمار).

والتزم الاتحاد بدفع 1.5 مليار يورو شهرياً (1.6 مليار دولار)، لأوكرانيا خلال عام 2023 (إجمالي 18 مليار يورو). بالإضافة إلى ذلك، تعهدت الولايات المتحدة بالتبرع بمبلغ 1.1 مليار دولار شهرياً على مدار الأشهر التسعة الأولى من العام (9.9 مليارات دولار في المجموع) بحسب الأوكرانيين أنفسهم.

لا يخوض الأوكرانيون حرباً ساخنة من أجل منع الروس من الانتصار في بلادهم، بل يخوضون أيضا معركة صعبة على الجبهة الاقتصادية، فإلى جانب أن الدولة تفتقر في العام الحالي إلى 38 مليار دولار لتغطية عجز الموازنة، فإنها تحتاج أيضا نحو 17 مليار دولار من أجل التعافي العاجل للبنية التحتية للبلاد، في حين أن التضخم في أعلى مستوياته لفترة طويلة.

ومع أن البلد تلقى بسخاء مساعدات مالية وقروض من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، فإنه يواجه على المدى القصير مشكلة أخرى. فالصراع المسلح في البلاد، بعد مرور أكثر من 18 شهراً من الحرب، يبدو أنه طويل الأجل، ما يعني أن دول الاتحاد الأوروبي ستجد نفسها في مواجهة تحديات الضغوط المتزايدة لدعم الاقتصاد الأوكراني، الذي يذهب إلى حالة غير مسبوقة من التضخم والدين العام.

وغالباً ما يقارن البعض دور الاتحاد الأوروبي الرائد في تنسيق الدعم المالي والتعافي بخطة "مارشال" الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة إعمار اقتصادات القارة العجوز. وعلى عكس تلك الخطة (بعد 1945)، التي تحملتها دولة واحدة، فإن تنسيق دعم أوكرانيا تتحمله الآن العديد من الدول والمنظمات والجهات المالية الفاعلة، وذلك يواجه معضلات تتعلق بالوضع الذاتي الأوكراني، وإمكانية دمجه في منظومة الاتحاد الأوروبي.

على سبيل المثال، يبدو بالنسبة لبعض بلدان مجموعة دول الشمال الأوروبي أن مكافحة الفساد في أوكرانيا تأتي في مقدمة الأولويات. إذ ترى الدنمارك والسويد وفنلندا أن ذلك هام حتى لا يجري تبديد الأموال، إلى جانب أنه ضروري لتهيئة الظروف لإعادة إعمار صحية وفعالة وذات مصداقية.

دعم بعقلية تجارية

بالطبع لا تضخ تلك الدول، وبينها الدنمارك، أموالها في الاقتصاد الأوكراني دون التفكير بعقلية تجارية تتعلق بشركاتها القوية في الصناعات الخضراء، حيث تستهدف لعب دور مهم في إعادة الإعمار بمشاركة تلك الشركات.

وبمعزل عن ذلك لا تتردد الاقتصادات الأوروبية في إظهار بعض السخاء لتقديم مساعدات عاجلة تحافظ على تشغيل المستشفيات والبنية التحتية والطاقة واستمرار الأعمال التجارية إلى حد معقول، حيث يبتلع التسليح كل ميزانية الدولة الأوكرانية.

كما ساهمت هجرة الملايين الأصحاء من أوكرانيا في إضعاف الدورة الاقتصادية للبلاد. فعلى سبيل المثال نزح ما يقرب من 5 ملايين و900 ألف إنسان داخلياً، وعبر أكثر من 8 ملايين أوكراني حدود بلادهم نحو دول الجوار الأوروبي، وذلك في المحصلة يعني أن ثلث السكان تركوا أماكن سكنهم السابقة. وتعرضت البنية التحتية لضغوط شديدة بسبب القصف الروسي، لدرجة أن البلد ليس باستطاعته، حتى لو توقفت الحرب، استقبال أولئك النازحين واللاجئين في الحال.

خلف صور الجبهات العسكرية المشتعلة صور أخرى للواقع الذي يعيشه سكان أوكرانيا، إذ دُمرت العديد من القرى والبيوت والمستشفيات، وبصورة عامة جرى بالفعل استهداف البنية التحتية للدولة، بما ينعكس سلباً على ثلث السكان المهجرين من أصل نحو 43 مليون نسمة، والبقية التي تعيش خارج العاصمة كييف تستشعر أثمان الحرب بصورة مباشرة على يومياتها.

ووفقا لتقديرات "كلية كييف للاقتصاد"، التي تحسب إجمالي الأضرار شهرياً، بلغت الخسائر نحو 138 مليار دولار، أي ما يقرب من 70% من الناتج الإجمالي قبل الحرب. ولحقت أضرار بأكثر من 150 ألف منزل و195 ألف سيارة خاصة و330 مستشفى و150 جسراً وممراً، إلى جانب أضرار جسيمة في عموم البنى التحتية للمجتمع.

بعد بداية الحرب بأشهر قليلة كانت الآثار واضحة على الاقتصاد. ففي الربع الثاني من 2022 ارتفع العجز في الميزانية إلى 42%، والذي لم يكن قبل الحرب أكثر من 3.6%، حيث أنفقت الحكومة أموالاً أكثر بكثير من ذي قبل على الأغراض الدفاعية والإنسانية، بينما كانت عائدات الضرائب تنخفض أكثر فأكثر.

ومع أنه جرت تغطية جزء كبير من العجز المتزايد في الميزانية عن طريق القروض والمساعدات من الشركاء الدوليين، تلقت أوكرانيا أكثر من 32 مليار دولار خلال العام الماضي، إلا أن جزءاً مهماً جاء على شكل ديون مؤجلة، ومن بين المقرضين مستثمرين من القطاع الخاص مثل مؤسسة "بلاك روك" النقدية (شركة متعددة الجنسيات لإدارة الاستثمار يقع مقرها في نيويورك).

كما أن التضخم الأوكراني المتصاعد منذ ضم روسيا شبه جزيرة القرم في 2014، كان أحد أولويات الحكومات المتعاقبة، لكنه انفلت مع بداية الحرب في بدايات 2022، ما جعل العملة الوطنية (هريفنيا) تفقد الكثير من قيمتها، مع زيادة الطلب على العملات الأجنبية.

وبالطبع بدون انخفاض كبير في التضخم ستجد أوكرانيا صعوبة في جذبها القروض والاستثمارات الحيوية من الخارج على المدى الطويل، وهو أمر ضروري وحيوي لإعادة بناء البلاد.

وبالنسبة للعجز في الميزانية عن العام الحالي 2023 ذكر مدير البنك المركزي الأوكراني أندريه بوشني لصندوق النقد الدولي في بداية العام أن البنك لا يستطيع تمويل العجز "لأنه سيخلق أخطارا إضافية وتحديات بوجه استقرار الاقتصاد الكلي". وافتقاد أوكرانيا إلى 38 مليار دولار يعني مصاعب جمة في تأمين الرواتب والمعاشات التقاعدية إلى جانب تأثر قطاعي الصحة والتعليم بذلك العجز.

القوى المحافظة تثير القلق

وحتى مع إقراض الاتحاد الأوروبي كييف نحو 18 مليار يورو (1.5 مليار شهريا)، ونحو 9.9 مليارات دولار من أميركا للأشهر التسعة من العام الحالي، تظل الفجوة بين 9 و10 مليارات دولار، بينما يتردد صندوق النقد الدولي في فتح خزائنه على مصراعيها، خشية أن يتهم بأنه "أداة بيد الغرب"، وبالتالي طرح الأوكرانيون أفكاراً من قبيل المس بالأموال الروسية المجمدة في الغرب لكي تستطيع كييف استخدامها، لكن تردداً غربياً واضحاً يعوق رغبات أوكرانيا.

المفوضية الأوروبية تسعى إلى توفير المزيد من الأموال لأوكرانيا من خلال جهود منسقة، وعلى شكل قروض يؤجل سدادها. وبمعنى آخر يحاول الأوروبيون من خلال صيغة "الديون المشتركة" مساعدة كييف. لكن ذلك يؤجج مواقف سلبية ورافضة لاستمرار السياسات الاقتصادية الأوروبية على هذا النحو. فليست فقط المجر، برئاسة فيكتور أوربان (المصنف أنه أقرب إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من قربه إلى بروكسل)، التي تعارض الدين المشترك، بل بدأت أصوات يمينية ومحافظة قومية متشددة ترتفع في عدد من دول أوروبا.

معسكر اليمين القومي في ألمانيا بات أكثر وضوحاً في معارضته لسياسات دعم أوكرانيا دون سقف. كما تتقدم شعبية أحزاب المعسكر في عدد من الدول، بما في ذلك دول البلطيق، وبصورة خاصة استونيا، التي كانت من أكثر داعمي كييف عسكرياً بسبب خوفها من مخططات روسية تستهدفها مستقبلاً، إلى جانب دول الشمال الأوروبي التي بدأ التململ واضحاً على شكل تصريحات ومقالات في الصحافة تتساءل عن سقف الدعم الاقتصادي وتأثيره على مجتمعاتها.

في المقابل تطرح المفوضية الأوروبية، التي تراقب بالفعل تقدم أقطاب معسكر اليمين المحافظ مع خشيتها من تأثير ذلك على انتخابات البرلمان الأوروبي في ربيع العام القادم، خططا على شكل مشاريع تأهيل أوكرانيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، وذلك لاعتبار ما يقدمه الاتحاد من دعم مالي يأتي في ذلك السياق.

لكن التكامل مع اقتصادات الاتحاد الأوروبي يطرح أيضا معضلات على صناع القرار في كييف، إذ يجب أن تلتزم بأربعة متطلبات، تتمثل في الاستقرار المالي (بما فيه القطاع المصرفي وتدابير ضريبية) وسيادة القانون، والإصلاحات الهيكلية (كإصلاح المحاكم وتشريعات غسيل الأموال) والطاقة (من خلال تطوير سوق الكهرباء بحلول صديقة للبيئة).

في كل الأحوال، ومهما كانت الصيغ التي يحاول الغرب مساعدة أوكرانيا من خلالها للبقاء واقفة اقتصادياً (إلى جانب بالطبع التسليح المتزايد)، فإن خسارة البلد اقتصادياً، بتراجع الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع نسبة الدين الوطني إلى نحو 86%، فإن طول أمد الحرب سيؤدي إلى غرق كييف في الديون مستقبلاً.

المساهمون