أزمة الدولار تهدّد خبز المصريين.. والحكومة تلجأ للقروض

أزمة الدولار تهدّد خبز المصريين.. والحكومة تلجأ للقروض

26 يوليو 2023
مساعٍ لإعداد مخزون كافٍ من القمح لتوفير الخبز (Getty)
+ الخط -

تراجعت أسعار القمح في الأسواق العالمية أمس، في حدود 0.13%، بعد تصاعدها لمدة 5 أيام، لتظل عند حدود 300 دولار للطن، بأعلى مستوياتها التي تحققت بعد انسحاب روسيا من اتفاقية إسطنبول لتصدير الحبوب من البحر الأسود الأسبوع الماضي.

لكن التراجع الطفيف لم يدفع إلى تهدئة مخاوف الحكومة المصرية، التي تعتبر أكبر مستورد للقمح في العالم، في ظل استمرار الضربات العسكرية المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا.

وتقف الحكومة عاجزة عن مواجهة أزمات محلية عميقة، تأتيها رياح الحرب بما لا تشتهي أو تقدر على تحمله، تعصرها ديون فاقت 165 مليار دولار، ويتآكل الاحتياطي النقدي الفعلي، إلى مستوى، لا يكفي لشراء السلع الأساسية لنحو 108 ملايين نسمة لمدة شهرين، يستهلكون نحو 21 مليون طن من القمح سنوياً.

وفي ظل عدم القدرة على تدبير العملة الصعبة لحجم هائل من الواردات السلعية المكدسة بالموانئ منذ أشهر، والفواتير مطلوبة السداد بالدولار، ينتظر الموردون الإفراج عن مستحقاتهم بالبنوك، كما أكدت شركات خاصة تعمل في استيراد القمح من الخارج تباطؤ الحكومة في الإفراج عن الدولارات اللازمة لشراء القمح من الخارج خلال الأسابيع الماضية.
وتلاحق الحكومة مؤسسات تمويل عربية ودولية للحصول على قروض جديدة، لشراء احتياجاتها من السلع الأساسية، يأتي القمح على رأس أولوياتها.

تحتاج السلع الأساسية نحو 5.7 مليارات دولار، منها 3 مليارات لشراء قمح الخبز المدعوم. وخفضت الحكومة أعداد المستفيدين من الخبز المدعوم بنحو 10 ملايين شخص خلال العام المالي الحالي 2023/ 2024 ليتوقف عند 62 مليون مستفيد، ووضعت تقديرات لسعر طن القمح عند 424 دولاراً، بالموازنة الجديدة، بما يزيد عن 50% من التقديرات السائدة دولياً، قبل التطورات الأخيرة في الحرب الروسية الأوكرانية.

إلا أن شبح أزمة المجاعة التي تقرع أجراسها منظمات دولية مؤكدة تهديدها للاستقرار الاجتماعي والسياسي لكثير من الدول الفقيرة، ومن بينها مصر، يدفعها إلى الوقوف أمام الجهات الدائنة لطلب المزيد من القروض.
استبقت الحكومة الموازنة الجديدة بإجراء مفاوضات مع أهم مؤسسات التمويل الدولية للحصول على قروض شراء القمح. توصلت إلى اتفاق مع المؤسسة الدولية للتمويل والتجارة، التابعة للبنك الإسلامي بجدة، لرفع قيمة القروض المخصصة لشراء القمح، بقيمة 3 مليارات دولار، تصرف على دفعات وفقا لطلبات الشراء التي تنفذها الجهات التابعة للمؤسسة لحساب هيئة السلع التموينية بوزارة التموين.

ورفعت المؤسسة الإسلامية، قيمة الحد الائتماني المسموح لشراء صفقات القمح من 3 مليارات تنفذ منذ عام 2019، إلى 6 مليارات دولار، حتى نهاية العام الحالي.

وأكد وزير التموين، على مصيلحي، في تصريحات صحافية أن التمويل الجديد يأتي ضمن إطار اتفاق وقعته مصر مع المؤسسة الإسلامية، عام 2018، مدته 5 سنوات، بقيمة 3 مليارات دولار. كذلك تجري وزارة التموين مفاوضات مع دولة الإمارات العربية للحصول على تمويل عاجل لشراء القمح.

وتستهدف المباحثات الحصول على 400 مليون دولار، تُصرف بعدة شرائح تبلغ كل منها 100 مليون دولار، تتولى تنفيذ الصفقات شركة الظاهرة الإماراتية التي تستفيد من عمليات توريد القمح من الجهات الدولية لهيئة السلع التموينية.
وحصلت الحكومة على موافقة من البنك الدولي للحصول على قرض بقيمة 497.5 مليون دولار، لشراء القمح من الأسواق الدولية التي ستتجه في أغلبها للأسواق البعيدة عن تأثيرات الحرب، وخاصة الولايات المتحدة والهند وأستراليا.

ووافق الاتحاد الأوربي على إعطاء القاهرة تمويلاً بقيمة 107 مليون دولار، لمساعدة الحكومة في شراء القمح من فرنسا ورومانيا وألمانيا.

أكد نائب رئيس غرفة الحبوب، عبد الغفار السلاموني، لـ "العربي الجديد" أن الحكومة تسعى إلى مساعدة القطاع الخاص للحصول على قروض من جهات التمويل الدولية والبنوك، لتدبير الدولار لشراء احتياجات الدولة من القمح، والتي لا تستطيع الحكومة تدبير جلها حالياً.

أوضح السلاموني أن الحكومة ستحتاج إلى 12 مليون طن من القمح من الأسواق الدولية، خلال العام المالي الحالي، متحدثاً عن زيادة متوسط سعر طن القمح الروسي من 229 دولاراً في الفترة الماضية إلى 300 دولار بالأسواق.
وأشار إلى أنه رغم اتخاذ الحكومة احتياطاتها، بوضع سعر طن القمح عند مستوى 424 دولاراً، بزيادة عن الأسعار المرتفعة التي سادت مؤخراً، فإنها تحتاج إلى العملة الصعبة لسدادها نقداً للجهات الموردة.

وقال السلاموني إن الحكومة تتأخر حالياً في دفع مستحقات موردي القمح، لعدم وجود العملة الكافية للاستيراد، رغم أنها تضع القمح على رأس أولوياتها عند تدبير العملة للسلع الاستيرادية، وتأتي من بعده باقي السلع الأساسية، والأدوية.

أضاف السلاموني أن اتجاه الأسعار نحو الانخفاض اعتباراً من أمس، يحصل في إطار اضطرار روسيا إلى العودة للعمل بالاتفاق من جديد، لضمان خروج القمح والحبوب من أراضيها عبر البحر الأسود، بكميات تقدر بنحو 40 مليون طن من القمح.

وأكد أن الخبز المدعوم في مصر سيحصل على 7 ملايين طن من القمح المستورد.
يؤكد خبير الاقتصاد الزراعي، صقر النور، لـ"العربي الجديد"، أن القرار الروسي بمنع تنفيذ اتفاق تصدير القمح سيظل مؤثراً على أسعار القمح في العالم، إلى حين التراجع عنه، وخاصة بالنسبة لمصر باعتبارها أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم، ولا سيما من روسيا وأوكرانيا.

ويشير النور إلى أنه رغم تنويع الحكومة لمصادر استيراد القمح من الأسواق الدولية، والعودة إلى شراء القمح من فرنسا ورومانيا وبلغاريا، فإن الزيادة المتوقعة في أسعار القمح ستؤثر سلباً على قدرة الحكومة على تدبيره للمواطنين، لا سيما في ظل معاناة الحكومة المستمرة من أزمة السيولة وشح بالنقد الأجنبي.

كما يشير صقر النور إلى تساؤلات ومخاوف حول قدرة الحكومة المصرية على تدبير احتياجات المواطنين الأساسية من الغذاء، خلال الفترة القادمة، في ظل لجوئها إلى القروض مع عدم توافر العملة الصعبة لشراء هذه الاحتياجات من عدمه.

ويطرح سياسيون ضرورة توجه الحكومة لإصدار شهادات ادخار بالدولار ذات عائد دولاري مرتفع، تخصص لشراء احتياجات المواطنين من القمح والسلع الأساسية التي تحتاجها المصانع المعطلة، بما يساعد الشركات على التصدير وتأمين الغذاء، منوهين إلى أن الحكومة تلجأ إلى اقتراض الدولار لشراء القمح بفوائد عالية من الخارج، وأن الأولى أن يتجه العائد إلى المصريين، وخاصة العاملين بالخارج أو من لديهم القدرة على تدبير الدولار من صادراتهم أو حساباتهم الخاصة.
ويؤكد خبراء أن أزمة القمح وتمويل شرائه التي ظلت عالقة عبر سنوات ممتدة منذ ستينيات القرن الماضي، ستظل مستمرة، في ظل عدم قدرة الدولة على توفير احتياجات المواطنين منه وتراجع قيمة الجنيه، وشح الدولار، وندرة المياه، وتخبط السياسات الزراعية التي أهملت المحاصيل الأساسية التي يحتاجها المواطنون.

وتقدر البيانات الأميركية إجمالي الاستهلاك من القمح في مصر بالعام المالي الماضي، بنحو 20.1 مليون طن، بنسبة تراجع 1.95% عن عام 2021-2022، مدفوعاً بزيادة أسعار الدقيق وخفض الاستهلاك المحلي.

المساهمون