وقفة مع سميحة خريس

وقفة مع سميحة خريس

24 يونيو 2021
الصورة
سميحة خريس
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مبدع عربي في أسئلة حول انشغالاته وجديد إنتاجه وما يودّ مشاطرته مع قرّائه. "لا أملك مساحة واسعة للرضا، ليس في الإنتاج الإبداعي فحسب، ولكن في كلّ ما أفعله، بل إني أخاف الوصول إلى الرضا"، تقول الكاتبة الأردنية لـ"العربي الجديد".


■ ما الذي يشغلكِ هذه الأيام؟
يتنازعني انشغالان، أحدهما عام والآخر شخصي ظللت أتجاهله طوال حياتي. العام يتعلّق بالحياة التي تتداعى أمامي بصورة لافتة، كأن الظلام الذي تعوّد التسلل إلى النور وترك آثاره وبصماته، لم يعد مكتفياً بالمرور المتقطّع وتبادل الأدوار بينه وبين الأمل، يحاول في هذه الحقبة التسيّد، فينشر جنوده: نكسات سياسية وفشل اقتصادي وانهيار أخلاقي وإفلاس حضاري وأوبئة وأمراض وموت لا يتمهّل وهو يلاحق طرائده. في الواقع، وأمام تلك الزلازل المتتابعة، بتُّ أشكّ بدور المثقف، أو على أقل تقدير، أخجل من محدودية أثره وتأثيره.
أما الشأن الخاص الذي يمكن تسميته عاماً بشكل أو بآخر، لأنه مواجهة لا بد لنا جميعاً أن نتعرّض إليها، فهو موضوع الموت والفقد، كنت في السابق أتغاضى عنه معلية من شأن أنّي ابنة الحياة وحليفتها، وأمرّره في رواياتي عابراً أو ضعيفاً هيناً أمام حياة صاخبة ملونة، أفكر به اليوم وأتفحص ضرباته في من فقدت من أحبّاء وأهل وأصدقاء، وفي ما تبقّى من ثمالة في كأس الحياة الوردي. ويلتقي الانشغالان ليصنعا حالة تأملية ليست سعيدة ولكنها ترفض الاستسلام للحزن أو اليأس، وفي سبيل ذلك، أسترجع حالة الحلم التي عرفتها في مطلع الصبا وفورة الشباب علّها تكون معيني على فهم الواقع واحتماله.


■ ما هو آخر عمل صدر لكِ وما هو عملك القادم؟
آخر عمل صدر لي كانت رواية "بقعة عمياء"، ولعلّها حملت إدانتي للانكسار العام الذي نعيشه. أما العمل القادم، فهو تفكّر بموضوع الشر وكيف يتجسّد في البشر ويتغلف بأغلفة زاهية، وستحمل الرواية عنوان "كايميرا"؛ الحيوان الأسطوري الذي ورد ذكره في الإلياذة، ومن المبكر الحديث عن التفاصيل ولكني الآن في طور الكتابة.


■ هل أنت راضية عن إنتاجك ولماذا؟
الرضا أمر مطاطي للغاية. أنا أفرح حين أكتب، وأفرح حين أنشر وأتلقّى ردود فعل القراء والوسط الثقافي، مهما كان ردّ الفعل، مع النص أو متحفّظ تجاهه أو ضدّه، ولكني رغم الفرح والبهجة التي تسببّها الكتابة، لا أملك مساحة واسعة للرضا تريح بالي، ليس في الإنتاج الإبداعي فحسب، ولكن في كلّ ما أفعله، بل أني أخاف الوصول إلى الرضا، إذ يبدو لي نهاية المطاف وانتهاء الرحلة. في كلّ نص أو فعل لا بد من نقصان أتمنى تفاديه في الخطوة التالية، هكذا نمضي ونتطوّر، لا بد أن أشكّ دائماً أن خللاً يتطلّب مني التدخل لتصويبه، لهذا أكتب نصاً جديداً، ولا أعني بالضرورة أن كلّ نص جديد أفضل من الذي سبقه، ولكن لا شكّ أني أنا التي أتغيّر وأتطور، حتى لو تعثّرت في كتابتي الجديدة، هي فرصة للنهوض مجدداً، نشوة النهوض من الكبوات لا يستهان بها.

مدينة للكتابة في سعادتي وقدرتي على مواجهة العالم

■ لو قيض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختارين؟
أنا مدينة للكتابة في سعادتي وقدرتي على مواجهة العالم بشجاعة، إلا أني تمنيت لو حباني الله بموهبة تتعلّق بالعزف، كأني أتمنى إيجاد لغة كونية أقدر من خلالها على مخاطبة الناس حتى لو اختلفت لغاتهم، على أية حال لا نختار بسهولة، لأن الأمر لو كان اختياراً لدرست الموسيقى وأعطيت نفسي الفرصة لأتسلّى بها على أقل تقدير، ولكني سيئة جداً في التقاط النغمات، أعني حقاً أني محرومة من القدرة على مواكبة النغمات الموسيقية كدندنة أو تصفيق أو غناء، رغم أني أستمتع بسماع الموسيقى.


■ ما هو التغيير الذي تنتظرينه أو تريدينه في العالم؟
مذ طفولتي وأنا أحلم بتغيير العالم. لديّ أمنيات قديمة كنت أتنفّسها كأحلام يقظة تتعلّق بعالم مثالي تنتهي فيه النزاعات والحروب ويزول المحتلّ، وتتحقّق العدالة، وأصبح أكثر سعادة، أنعم بالحب والفرح والأهل والأصدقاء والصحة والمال، أسافر لأرى العالم وأعرف أكثر، أقرأ كلّ ما كتب الكتّاب. الآن هل يختلف الأمر؟ لا أظن، لديّ الأحلام نفسها، ولكني أعرف أن الزمن أمامي قصير ولا طرق تدلّني على كيفية الاستيقاظ من الحلم ولا سبل تعينني على تحقيقه.
كي أخرج من الطفولة أحاول أن أنتظر تغييرات منطقية، لم أعد أقول: لقد جئت لتغيير العالم، ولا بتّ أنادي: تعالوا لنغيّر العالم. ولكن في أعماقي إيمان بأن العالم سيتغير، قد أشهد ذلك أو لا أشهد، سيحدث يوماً أن يقترب العالم ولو قليلاً من الذي انتظرته وأتمناه، سيسود خير كثير ويتراجع الشر، ستفشل مشاريع الظلم والاستغلال، حتى لو لم تزل نهائياً، لا معنى لوجودنا إذا لم يحدث هذا يوماً.


■ شخصية من الماضي تودين لقاءها، ولماذا هي بالذات؟ 
في مرحلة مبكرة من حياتي، كنت أنقل تعلّقي العاطفي بين أبطال التاريخ، وأظنّ أني أحلم بلقاء أحدهم، وكلما اقتربت من رؤية الصورة واضحة كلما تراجع شغفي بالشخص، حتى أدركت أن البطل المغوار ما هو إلا صنعة أرباب الأدب والمؤرخين والحالمين الذين يفتقدون إلى النموذج، بل إنه أحياناً يكون كذبة المؤرخين والسياسيين والمتاجرين بالمواقف، لهذا لم أعد أحلم بلقاء أحد قادم من الماضي، أنظر لكل من مرّوا على أنهم بشر ناضلوا وهم يؤدون أدوارهم، أجادوا في جوانب وفشلوا في أخرى، أقدّر عالياً التغييرات التي وقعت على أيديهم والأفكار التي تطورت ولكني لم أعد أتمكن من أن أخصّ واحداً بعينه واسمه بإعجابي إلى حد تمني لقائه، فأنا أنتمي إلى الحاضر، يعنيني البشر الذين أعيش زمانهم، ولا يمثل الغابرون إلا عبراً ودروساً قد لا تفيدني كثيراً، لأني ككلّ روحٌ مغامرة أرغب باعتناق تجربتي الخاصة كاملة باقتراف أخطائي، وصنع سفينتي على النحو الذي يناسبني، ممتنة لمن عبدوا الطريق قبلي وشقوا عباب البحر، ولكني أمضي وعيناي صوب المستقبل لا في اتجاه الماضي.

بتُّ أشكّ بدور المثقف، وأخجل من محدودية أثره وتأثيره

■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعودين إليه دائماً؟
مؤنس الرزاز؛ الصديق الحاضر دائماً. لا يخطر على بالي بشكل عرضي، لكني أشعر أن المرحلة التي عرفته فيها شكّلت زمناً جميلاً علمتني قداسة الصداقة والاحترام بين الرجل والمرأة، كما كانت مرحلة ثرية من الناحية المعرفية، إذ عرفنا فيها نقاشات أدبية وفكرية وإنسانية عالية. أعود دائماً إلى كتاب "المنشق" لكازانتزاكيس، ففيه دفق من الخيال والمحبة ودروس في الكتابة والإحساس بالكون فريدة وجميلة. 


■ ماذا تقرأين الآن؟
أقرأ حالياً كتاب كولن ويلسون "حلم غاية ما" بترجمة لطفية الدليمي. الكتاب ممتع ويمثل توجّهاً فكرياً نحتاجه للخروج من حالة الإحباط المحيطة بنا، كما أنه صورة أخرى لكاتب كانت معرفتي به قد توقفت عند كتابه "اللامنتمي" لأعود اليوم وأتعرف إليه من جديد بصورة أعمق.


■ ماذا تسمعين الآن وهل تقترحين علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟
أحب سماع الأغاني الشعبية الخفيفة سواء الأردنية أو العربية من كلّ صوب وحدب، وأقتني حتى اليوم مذياعاً صغيراً له وقت محدّد عندي صباحاً، أحافظ عبره على صلتي بالغناء والموسيقى قديمها وجديدها، لكني أفضّل محمد منير ولطفي بشناق وماجدة الرومي، وأم كلثوم وفيروز، وأنا مدمنة على سماع أعمال عمر خيرت، موسيقاه تنقلك نقلة مختلفة، كما أنه وضع أنجح المقدمات الموسيقية لمسلسلات مهمّة، وإذا كان لي أن اقترح فهناك مقطوعة له اسمها "رؤيا"، أو تلك التي يصاحبها الغناء "في حاجة حلوة بينا".

 

بطاقة
سميحة خريس قاصّة وروائية أردنية من مواليد عام 1956. حصلت على درجة البكالوريوس في علم الاجتماع من "جامعة القاهرة"، وعملت في مجال الصحافة منذ بداية الثمانينيات، كما حازت على جائزتي الدولة الأردنية التشجيعية والتقديرية في الآداب. صدرت لها العديد من الروايات، منها "رحلتي" (1980)، و"المد" (1990)، و"خشخاش" (2000)، و"الصحن" (2003)، و"نارة - إمبراطورية ورق" (2007)، و"فستق عبيد" (2016)، و"بقعة عمياء" (2019)، إلى جانب عدّة مجموعات قصصية، مثل "مع الأرض" (1978)، و"أوركسترا" (1996).
 

وقفات
التحديثات الحية

المساهمون