"مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية": جزء ثانٍ

"مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية": جزء ثانٍ

13 مارس 2023
علي الزنايدي/ تونس
+ الخط -

"مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية: الجزء الثاني: مقاربات اجتماعية" عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" من تأليف مجموعة مؤلفين، وتحرير وتقديم مراد دياني ومحسن بوعزيزي.

يأتي الكتاب ضمن سلسلة كتب مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية التي يصدرها "المركز العربي"، في محاولة التصدّي لهذه الإشكالية المركزية، والإسهام في سدّ ثغرةٍ أساسية في الحقل العلمي العربي، إذ خص الجزء الأول من كتب السلسلة النظر في المقاربات الفلسفية والإبستيمولوجية في موضوع مناهج البحث. وتأتي أبحاث هذا الكتاب لتضع بين أيدي الباحثين والطلاب وعموم المهتمّين نخبةً من المقاربات الاجتماعية المميّزة والأصيلة. 

ويعالج الكتاب سؤال مناهج البحث في المقاربات الاجتماعية، وهو سؤالٌ يكتسي أهميةً كبرى، سواء من جهة إشكالات وتعالقات الذاتي والموضوعي، أو الفردي والجماعي، أو الجزئي والكلّي، أو الواقعي والافتراضي، أو الاستدلال الاستقرائي والاستنباطي، أو العَرَضي والمنتظم ... إلخ. وعلى الرغم من أنها إشكاليات أساسية ومؤسّسة للبحث العلمي الاجتماعي، إلا أنها لم تلق نصيبها من الدرس والتأصيل في المجال التداولي العربي.

تأتي أبحاث الكتاب لتضع بين أيدي الباحثين والطلاب وعموم المهتمّين نخبةً من المقاربات الاجتماعية الأصيلة

يستهلّ عبد الله حمّودي الفصل الأول "سؤال المنهج في راهنيتنا: اجتهادات في تصور علوم اجتماعية عربية"، وفيه يسائل "الأشياء" التي تبقى خارج التدوين، وكيف يكون المنهج في كتب المنهج وخارجها في آنٍ واحد، ويسائل أيضًا النقد الإبستيمولوجي العربي للمعارف الغربية التي اقتبس منها، والذي يرتبط بعلوم اجتماعية عربية مُقتبَسة من تلك المعارف، ليصل إلى سؤال أهمية وضع أسسٍ متجدّدة لإنتاج المعرفة حول مجتمعاتنا العربية، وهو ما يتصدّى له متسلّحًا بـ "منهج النقد المزدوج"، مركّزًا على ما يتجلّى خلال لحظة التجربة التي تحيل على "مسافة"، أو "هوّة"، أو "ثغرة" بين ما هو مقتبسٌ، والواقع المبحوث، في منزلة الـ "بين-بين" التي يعيش الباحث في فضائها. 

ويسعى محسن بوعزيزي في الفصل الثاني "المنهج والصدفة: مقاربة غير المتوقّع"، إلى فهم الظواهر الاجتماعية الراهنة وتفسيرها، فيما يسميه أشكالها "القُصووية"، ويخصّ منها بالدرس والتحليل سؤال المنهج الاجتماعي لدرس الصدفة ومقاربة غير المتوقّع، بينما يتناول محمد نعيمي في الفصل الثالث "محدودية نظرية الاختيار العقلاني في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية: حالتا حركة ’20 فبراير‘ وحراك الريف في المغرب"، دور نظرية "الاختيار العقلاني" في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية لتفسير بعض الظواهر، متسائلًا عن النظرية وقيمتها ومحدوديتها في دراسة "الفعل الجمعي"، وإنْ كانت الحركات الاجتماعية تنطوي على عقلانية معينة، ومدى اختلاف منطق الفعل الجمعي عن منطق الفعل الفردي، وإنْ كان اختيار الفرد انخراطَه في الفعل الجمعي يتحدد وفق منافع أو بحسب قيمٍ.

الصورة
غلاف الكتاب

وينطلق عبد الرحمن المالكي في الفصل الرابع "الميدان والمنهج: حول نشأة التحقيقات السوسيولوجية في الغرب والمغرب"، من حقيقة أنّ تاريخ العلوم الاجتماعية ليس تاريخ "النظريات" و"البرَدايمات" فحسب، بل أيضًا تاريخ "التحقيقات العمالية" و"التحقيقات الاجتماعية" التي تطوّرت في القرن التاسع عشر، بتزامنٍ مع الاهتمام المونوغرافي للملاحظين الاجتماعيين؛ ما ساهم في تراكم كمٍّ هائل من الوقائع والمعطيات التي تزامن ظهورها مع النظريات التطورية الكبرى في القرن التاسع عشر، قبل أن تُتجاوَز هذه النزعة "العلموية" مع بدايات القرن العشرين، ويجري التوجّه تدريجيًا في اتجاه نزعة تستلهم الفلسفة البراغماتية والنزعات الإمبريقية و"الميدان"، بمناهج وتقنيات جرى استلهامها أولًا من الأنثروبولوجيا، ثمّ بحسب ما تقتضيه طبيعة الأبحاث ومجالاتها. 

في الفصل الخامس "الفصل والوصل بين الإنساني والطبيعي في علم الاجتماع ومكانة المقاربة البيوسيميائية"، يطرق محمد عبد النور موضوعًا ندَر ما نجده مطروقًا في الكتابات الأكاديمية العربية؛ وهو "التطورية"، ليستكشف من خلاله الآفاق المنهجية للوصل بين البُعدين الإنساني والطبيعي من خلال تمحيص الصلة العضوية المباشرة بين البيولوجي والاجتماعي بدايةً، وإعادة استكشاف قوانين المجتمع الإنساني غايةً، من أجل التعرّف إلى مدى خطورة التغير الذي سيطرأ على إبستيمولوجيا الاجتماع الإنساني. 

تساهم سلسلة كتب مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية في سدّ ثغرةٍ أساسية في الحقل العلمي العربي

كما يتناول عبد الحليم مهورباشة إشكالية الفصل والوصل في العلوم الاجتماعية من منظورٍ مغاير في الفصل السادس "العلوم الاجتماعية من برَدايم الفصل إلى برَدايم التركيب: نحو طرح إبستيمولوجي بديل"، منطلقًا من مسلّمة أنّ العلوم الاجتماعية باتت في المؤسسات الجامعية الحديثة مجموعةً من التخصصات العلمية المتناثرة بين الأقسام الدراسية والمختبرات العلمية؛ إذ نعثر على تخصصات معرفية عدة يندر التواصل المعرفي بين المشتغلين بها. 

تضيء أمل عادل عبد ربه في الفصل السابع "الإثنوغرافيا المؤسسية واستكشاف الواقع الاجتماعي: مقاربة تجريبية في دراسة دوائر المعرفة المصرية"، منهجية "الإثنوغرافيا المؤسسية" التي تقدّم مقاربةً تربط التنمية بالمعرفة "من الأسفل إلى الأعلى". وتعني بها معرفة الواقع الاجتماعي وما فيه من فاعلين اجتماعيين يمارسون حياتهم اليومية وتجاربهم داخل الأنظمة المؤسسية. وتعتمد الباحثة منهجية بحثية لعلم الاجتماع بديلة تختلف عمّا هو سائد عادةً في هذا الحقل؛ إذ تسعى هذه الإثنوغرافيا المؤسسية إلى دراسة سلوك الناس وتفسيره بغية وضع نموذج جديد للمعرفة لا يهدف إلى تشييء الواقع الاجتماعي واعتباره كيانًا منفصلًا عن سلوك الناس، فتنطلق من حياة الناس اليومية وممارساتهم وتجاربهم من أجل معاينة انسجام أفعالهم وذاتياتهم وتمفصلها مع المؤسسات بوساطة النصوص.

يستكشف محمد أوالطاهر في الفصل الثامن "سوسيولوجيا التعليقات على الإنترنت: مدخل جديد لتفكيك جدلية الدين والتديّن في خطاب المتلقّي العربي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي"، مناهج البحث السوسيولوجي في العوالم الافتراضية الناشئة، ومدى ملاءمة المناهج التقليدية لدرسها، في مقابل الحاجة إلى اجتراح مقارباتٍ مستجدّة متّسقة مع خصوصياتها. 

يعرض منير السعيداني في الفصل التاسع "التذويت والموضعة: الداخلي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماعي"، الحركة الاجتماعية التي اندلعت في تونس خلال كانون الأول/ ديسمبر 2010 واستمرت إلى ما بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011، متحولةً في الأثناء إلى انتفاضةٍ فثورة، والتحديات التي يضعها تحليل تلك الحركة أمام كل باحث فيها من منظور العلوم الاجتماعية عامة، ومن منظور علم الاجتماع خاصة، ولا سيما قضية العدالة الاجتماعية.

يقتفي علي جعفري في الفصل العاشر "الميكرو - ماكرو: في إلزامية تبيان آليات الانتقال"، أثر تفكيك الواقع الاجتماعي إلى مستويات تحليل كلية (Macro)، وجزئية (Micro)، ووسيطة (Meso)، مسلّطًا الضوء على المستويين الأولين بالدرس والتحليل، لا سيما بالنظر إلى آليات الانتقال بينهما. وبعد مناقشة فئات الفصل القائمة بين الميكرو والماكرو، بمقياس الحجم، يعرض جعفري للفصل بينهما بمقياس الإشكالية، والفرضية، ووحدة التحليل، خاصًّا بالنظر سجال محمد الشرقاوي مع جيمس كولمان بشأن أطروحة ماكس فيبر في الربط بين المتغيرات السوسيولوجية. 

أما في الفصل الحادي عشر "علم الاجتماع بين الكوني والمحلي: إشكالية المفاهيم وسياقاتها في البحث السوسيولوجي بالمغرب"، يُعاين عبد القادر بوطالب مسألةً منهجية على قدرٍ عالٍ من الأهمية بالنسبة إلى العلوم الاجتماعية العربية؛ هي المركزية الإثنية الأوروبية وإشكالية تراوح علم الاجتماع بين الكوني والمحلّي، من منطلق أنّ السوسيولوجيا قد تبلورت في سياقٍ تاريخي واجتماعي محدّد، اقترن بالتحولات الكبرى التي عرفتها المجتمعات الغربية، والتي انتهت بانتصار الرأسمالية ونهاية الإقطاعية، فكانت مهمتها فهم ما حدث في هذه المجتمعات، وإعادة صياغة المشروع الخاص بها. لكن حينما يتعلق الأمر بمجتمعات أخرى غير أوروبية، ومنها المجتمعات العربية، فإنّ ثمة سياقات أخرى مختلفة، هي التي تحكمت في نشأة السوسيولوجيا. 

 

المساهمون