مع غزّة: علي ناصر كنانة

مع غزّة: علي ناصر كنانة

24 فبراير 2024
على ناصر كنانة
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مبدع عربي في أيام العدوان على غزّة وكيف أثّر على إنتاجه وحياته اليومية، وبعض ما يودّ مشاركته مع القرّاء. "ردّة فعل الشعوب العربية على العدوان أقلّ كثيراً ممّا ينبغي أن تكون"، يقول الشاعر والباحث العراقي في لقائه مع "العربي الجديد".



■ ما الهاجس الذي يشغلك هذه الأيام في ظل ما يجري من عدوانِ إبادةٍ على غزّة؟

- عندما تتجاوزُ المأساةُ مفهومَها وحدودَها، تُصابُ اللغةُ بالصدمةِ وتتراجعُ قدرتُها على التعبير. وبهذا المعنى، ننظرُ إلى ما ارتكبتْهُ قوّات الاحتلال الإسرائيلي بحقِّ الفلسطينيين على أنّهُ تجسيدٌ مارقٌ لجميعِ أشكالِ الفظاعةِ، وخرقٌ صارخٌ للقانونِ الدوليّ، وتماهٍ مع مفرداتِ الإبادةِ الجماعيّة والعقابِ الجماعيّ والتهجيرِ القسريّ وجرائمِ الحرب.

وفي هذا السياق، أعتقد أنَّ بطولات فلسطينيّي غزّة جعلت هذه الحرب تكشف عن مجموعة من الحقائق: أوّلاً: تصرُّف "إسرائيل" على أنّها فوق القانون الدولي، لا تلتزم به ولا تخشاه، ولا يُطبّق عليها مهما فعلت. وثانياً: تكفّلت قيادات الدول الغربيّة بحماية "إسرائيل" وتبرير أفعالها، وإسقاط أيّ مشروعٍ من قبل مجلس الأمن الدولي ضدّها مهما بلغَ حجم جرائمها ضد الشعب الفلسطيني. وثالثاً: طغيان المعايير المزدوجة في السياسة الدوليّة، فالمجتمع الدوليّ يتنادى حصاراً وعقاباً وتدخّلاً عسكرياً أحياناً ضدّ أيّ دولة لا تطيع قوانينه، بينما تتعطّل إرادته عندما يتعلق الأمر بـ"إسرائيل". ورابعاً: تعترفُ جميع دول العالم، بما فيها الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، بحقّ الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلّة وعاصمتها القدس الشرقية على الأراضي الفلسطينيّة التي احتلّتها "إسرائيل" عام 1967، ولكنّ العالم كلّه عاجز عن الضغط على "إسرائيل" للانسحاب من الأراضي المحتلّة، واحترام حقوق الشعب الفلسطينيّ التي أقرتها قرارات الأمم المتّحدة، منذ 66 عاماً.

وحيال ما يجري في غَزّة من إبادةٍ جماعيّةٍ صريحةٍ وفقاً لكلِّ الشرائع والقوانين الدوليّة، أهجسُ أنَّ حكاماً عرباً كثيرين تماهت مواقفهم مع الموقف الأميركي الإسرائيلي، ولم يتّخذوا موقفاً يُحاكي مواقفَ دولٍ أجنبيّة أشرف منهم أمثال: جنوب أفريقيا وكولومبيا وآيرلندا، وبأقلّ معايير الشرف الإنساني والقومي كان ينبغي، في الأقلّ، أن تجمّد جميع الأنظمة المطبّعة علاقاتها بـ"إسرائيل"، ولكن كما قال أبونا المتنبّي: "مَن يهن يسهل الهوان عليه".


■ كيف أثّر العدوان على حياتك اليومية والإبداعية؟

- إنّه أضعف الإيمان أن يُشغَل المرء بما تتعرّض له غزّة من تقتيلٍ وتجويعٍ وتهجير، وسط فضيحة الأشقّاء الأعداء. وإنَّني لأتساءل: هل يُشاهد الحُكّام العرب ما يعرضه التلفزيون من مشاهدَ مروّعة غير مسبوقة بغزّة في عالمٍ صدّع رؤوسنا بالحديث عن حقوق الإنسان وردع المعتدين؟ وقد تجلّتْ هذه المرّة حقيقةُ أنَّ "إسرائيل" كيان أميركي فوق القانون الدولي في غياب كلّي لما يُدعى "المجتمع الدولي"، وهو اصطلاح إيهامي يُراد به القول "الولايات المتّحدة". والحال هذه، يغيب الإبداع بمواصفاتٍ جماليّةٍ ولا تبقى إلّا الحماسيات والشتائم المباشرة على طريقة مظفّر النوّاب، فمَن يخونون القضية الفلسطينية هم أنفسهم الآن كما كانوا سابقاً كما شتمَهم النوّاب في قصيدته "وتريات ليلية".

لا شيء فعّالٌ في حرب الإبادة إلّا بطولات الفلسطينيّين

■ إلى أيّ درجة تشعر أنّ العمل الإبداعي ممكنٌ وفعّال في مواجهة حرب الإبادة التي يقوم بها النظام الصهيوني في فلسطين اليوم؟

- لا شيء فعّال في حرب الإبادة إلّا البطولات والتضحيات التي يتسامى بها الفلسطينيون في مواجهة همجيّة الكيان الصهيوني، ولكنَّ القول يظلّ أفضل حالاً من الصمت المخزي، ووفقاً للحديث الشريف: "مَن رأى منكم منكراً فليغيّره بيدهِ، فإن لم يستطع فبلسانه، وإنْ لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، وهنا أعني أنّ منزلةَ التغيير باللسان أشرفُ من التغيير الذليل بالقلب. وعندي اعتقاد أنَّ الحُكام العرب لا يريدون حتى التغيير بالقلب.


■ لو قُيّض لك البدء من جديد، هل ستختار المجال الإبداعي أم مجالاً آخر، كالعمل السياسي أو النضالي أو الإنساني؟

- في بيئةٍ عربيّةٍ محبطة تقوم على الاستبداد والتجهيل فشلنا في السياسي والنضالي، وهذا الفشل يتأثّر به أيضاً الإنساني، وليس لي من خيار آخر أفضل من العطاء الإبداعي غير الملوّث بمداهنة السلطة.


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟

- مبدئياً أتطلّع إلى تغييرٍ في العالم تتوق إليه الشعوبُ جميعها في نشدان العدالة واحترام حقوق الإنسان والتنمية، ولكن ما يجعل ذلك غير ممكن في عالم اليوم هي المعايير المزدوجة التي تحكم مواقف وسياسات ما يُدعى "المجتمع الدولي"، ولعلَّ العدوان على غزة يمثّل أنموذجاً لهذه الازدواجية، فلا يكفُّ السياسيون الغربيون وإعلامهم عن الحديث بصوتٍ عالٍ موحَّدٍ دفاعاً عن حماية حقوق الإنسان في العالم كلّه، ولكن هذا الصوت يخفت ويتلاشى حينما تُخرَق يومياً لوائح حقوق الإنسان في فلسطين من قبل "إسرائيل" بقوّاتها وقوانينها. ولو فعلت أية دولة أخرى ما تفعله قوّات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين؛ لوجدنا جيوش العالم تقف على حدودها تمهيداً لغزوها و"إحقاق الحقّ".

من كل ذلك أريد القول إنّ ما يتصرف به الغرب من استطراشٍ واستخراسٍ واستعماءٍ حيال الجرائم التي ترتكبها "إسرائيل" في غزّة، يستدعي توصيفاً ورد في القرآن الكريم في أنهم "صمٌّ بكْمٌ عميٌ فهم لا يعقلون". ولكنَّني أعتقد من جانبٍ آخر أنَّ العالم اليوم، بما فيه الساكتون عن الحقّ، باتَ يدركُ، حتى لو لم يُظهِر، أكثر من أيِّ وقت مضى، أنَّ التغاضي عن تنفيذ قرارات الأُمم المتحدة بشأنِ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينيّ، أمسى عاراً على المجتمع الدولي المُعاب بمعاييره المزدوجة.


■ شخصية إبداعية مقاوِمة من الماضي تودّ لقاءها، وماذا ستقول لها؟ 

- أستحضرُ المناضل الليبيّ عُمر المُختار الذي وقف غير مكترثٍ بالموت ومخاطباً المستعمِرين: "نحنُ لن نستسلم، نموت أو ننتصر"، لأقول له: انظُر هامات البطولة والعِزَّة في غَزّة، يموتون ولا يستسلمون. كما أستحضر رائد الكفاح المُسلّح الفلسطينيّ عبد القادر الحسيني، لأقولَ له: ها هُم أحفادك يردّدون ما قلته وأنت عازم على خوض معركة القسطل: "أموت ولا أرى فلسطين محتلّة".

أقلّ الشرف أن تُجمّد الأنظمة المطبّعة علاقاتها بالاحتلال

■ كلمة تقولها للناس في غزّة؟

- أقول لهم ما كتبتُهُ عام 2018:

ليس شعراً.. نصُّ الخجل من أضعف الإيمان!
 
إلى الفلسطيني
لا تلتفتْ!
 
لا تلتفتْ!
أيُّها الفلسطينيُّ لا تلتفتْ!
فالخناجرُ خلفَكَ
والخياناتُ خلفَكَ
والجبناءُ خلفَكَ..
لا تلتفتْ!
وقّعْ مع النفسِ حلفَكَ
واعبُرْ إلى حتفِك.

لا تلتفتْ!
وتقمّصْ دماءَ السنين،
نواحَ الثكالى،
بكاءَ اليتامى،
وكراماتِ أهلِكَ..
بلادُكَ تلك.. هل تُشرِك؟

لا تلتفتْ!
للخطاباتِ يكذِبُها الخائنونْ
والإداناتِ يرجِفُها الخائفونْ
أمامَك رومٌ
وخلفَكَ رومٌ
وأخوةُ يوسفَ، أنفسُهم، غادرونْ

لا تلتفتْ!
إذا شحَّ عنكَ السلاحْ
تمثَّل زمانَ الكفاحْ
وهاجمْ بصدرِكَ،
بالحجارةِ،
بالكلماتِ،
بالصرَخاتِ،
بالموتِ...
هذي بلادُكَ..
مَن ذا يموتُ لأجلِكَ؟
مَنْ غيرُكَ؟
تعرفُ هذي الطريقَ
وتعرفُ أن تسلكَ
وخيرٌ من الذُلِّ أن تهلكَ
هذي فلسطينُ
أنتَ تحفظُها من رزايا الضياعْ
لأنّ الأشقّاءَ
من ضاعَ ضاعَ
ومَن باعَ باعْ
لا أملٌ في وعودٍ ولا في اجتماعْ
لا تلتفتْ للأسودِ مخصيَّةٍ في زئيرٍ
ولا للرغاءِ الجبانِ من غادراتِ الضباعْ
هذي فلسطينُكَ..
أنتَ وحدُكَ..
لا تلتفتْ للشعاراتِ برّاقةٍ زائفةْ
وعارِ الحكوماتِ: أشجعُها راجفةْ
خلّيكَ في همِّكَ..
ذي فلسطينُكَ..
ثديُ أمِّكَ
قد أرضعتْكَ الكرامةَ شامخةً آنفةْ
فانطلقْ بالحليبِ
يهتفُ أن لا تخافَ
فما ظفَرتْ أممٌ خائفةْ
انطلقْ نحوَ مجدِكَ..
هنالكَ في فلسطينِكَ
لتعيدَ التاريخَ
وتستحضرَ حطِّينْ
فمنذُ النشأةِ
كنتَ الماءَ وكنتَ الطينْ
وثمّةُ فرقٌ يصرخُ
بينَ الباطلِ والحقِّ
ويبقى الحقُّ فلسطينْ
يأتون سلاطينْ
ويروحون سلاطينْ
إلّا الثابتَ في الأرضِ
وفي التاريخِ
وفي الأخلاقِ
وفي الأعرافِ
وفي الوجدانِ
وفي الدِينْ:
قدسُكَ تبقى قدسَكَ
وتبقى أنتَ فلسطينْ.


■ كلمة تقولها للإنسان العربي في كلّ مكان؟

- أعتقد أنّ سياسات الترويض والإنهاك والتيئيس والتجهيل التي مارستها الأنظمة العربيّة على شعوبها، جعلت ردّة فعل هذه الشعوب على العدوان الصهيونيّ على غَزّة أقلّ كثيراً ممّا ينبغي أن تكون، لا سيَّما وأنَّ القضيّة الفلسطينيّة هي القضيّة المركزيّة للعرب.

لقد بدا لي أنّ الصوت التضامني للشعوب الأجنبيّة أنشط وأعلى ممّا فعلته الشعوب العربية، وما أريد قوله هنا وما يجب أن يعيه كل عربيّ، أنَّ مفتاح المستقبل للأمّة العربيّة يبدأ من ضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينيّ في إقامة دولته المستقلّة على حدود 1967، دون تفريط بأيّ شبر منها، وهي حقوق نصّ عليها القانون الدولي وقرارات الأمم المتّحدة. وعليه، إذا لم تضغط الشعوب العربيّة على حُكّامها ضغطاً كفيلاً بتصحيح مواقفها واستخدام جميع إمكاناتها المُتاحةِ فإنَّ التاريخ سوف يُسائلُ الشعوب كما يفعل مع الحُكّام.


■ حين سُئلت الطفلة الجريحة دارين البيّاع التي فقدت معظم أفراد عائلتها في العدوان، ماذا تريدين من العالم، أجابت "رسالتي للناس إذا بيحبوا دارين يكتبوا لي رسالة أو أي إشي".. ماذا تقول لدارين ولأطفال فلسطين؟

- أقول لدارين، ولأطفال فلسطين ما كتبته في التاسع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2000:

ما لها الكلماتُ لا تتنادى
وذا حدثٌ جللٌ يتصادى؟
هل خيولٌ تُقادُ لحربٍ؟
أم حروبٌ وشأنُها يُتَفادى؟
كلّما أُرخِيَ العنانُ وكرّتْ
جُنَّ مَن يستطيبُ انشـدادا
هل أقولُ أمعني في خيالٍ؟
أم أقـولُ استشِّـفي رمادا؟
إنّ نزفاً مقدّساً هوَ بابٌ
لديارٍ قد أتخموها انسدادا
اعذريني فما أجيدُ حماساً
وصبيٌّ يحمّسُ استشهادا.



بطاقة

شاعر ومترجم عراقي من مواليد الرفاعي عام 1958، حاصل على دكتوراه في الآداب من "جامعة الروح القدس - الكسليك" في لبنان عام 2008. غادر عام 1979 إلى الكويت حيث عمل صحافياً. اعتُقل في العراق والكويت بين 1985 و1989، قبل أن ينتقل إلى السويد، ثمّ إلى قطر حيث يعمل اليوم في "مؤسّسة قطر". صدر له العديد من المجموعات الشعرية والترجمات والدراسات؛ من آخرها: "الأبوية الثقافية: أسطورة الشعراء الشباب أنموذجاً" (2021).

مع غزة
التحديثات الحية

المساهمون