محمد علي شمس الدين.. الشعر وحده

محمد علي شمس الدين.. الشعر وحده

18 سبتمبر 2022
محمد علي شمس الدين (1942 - 2022)
+ الخط -

سيكون لرحيل محمد علي شمس الدين (1942 - 2022) صدى مدوٍّ، ربما لم تلقَ مثله أطوار حياته. كان للشاعر اعتبار أكيد، ولشعره، بالتالي، مكانة أكيدة. بل إنّ هذه المكانة كان يعزّزها أنها تعود للشعر وحده. إذ مهما كانت مواقف محمد علي، ومهما كانت انحيازاته السياسية، إلّا أنها لم تكن في الحساب، وبقيت للشعر الصدارة، بقي وحده العُمدة والمرجع، في أيّ تقويم للشاعر، وفي أيّ حساب له.

كانت لمحمد علي مواقف، بعض هذا أُخذ عليه، ولم يكن دائماً لصالحه. ليس شعر محمد علي بالتأكيد مسنوداً إلى أي شيء، سوى الشعر نفسه، ولا يخدمه سوى الشعر. ما كان أبعد من الشعر ليخدمه، إذ لا نعرف أنّ الشاعر حُمل على غير قصيدته. لربما كان من هنا الصدى المدوّي لرحيله. ليس هذا الصدى سوى ثأر الشعر، والعودة إليه، والبناء عليه، وإن بقدر واضح من إعادة الاعتبار له. لن يكون لمحمد علي شمس الدين في بلد كلبنان، وفي لبنان اليوم، مزار ولا متحف. لم يحدث أن كان لأحد غيره ممّن سبقوه، سعيد عقل مثلاً أو أنسي الحاج، شيء كذلك. إنه لبنان، ولن يكون فيه لأحد، من كباره، سوى حياة واحدة، والذي لا يتكرّر فيه وفي تاريخه صدى لشيء.

ربّما يصعب لذلك أن نقيّم شاعراً لبنانياً، ليس شمس الدين وحده في هذا السياق. يمكننا أن نحصي معه آخرين، خليل حاوي مثلاً، وحتى سعيد عقل نفسه، لم يكن له هذا الدوي. ربّما يرجع ذلك إلى أنّ الشعراء اللبنانيّين، لم يكونوا روّاداً في غير الشعر. كانت لزملائهم العرب معاركهم الكبرى. سعيد عقل وحده كانت له معركته في تقديس لبنان، لكنّ معركة كهذه تقصي عنه الآخرين، ولا تجتذب إليه. كان لشعراء لبنانيّين بالطبع مواقف، لكنها لم تكن عماد شعرهم، ولا شرفته ومطلّه. كانت لهم مواقفهم، لكنّهم لم يكونوا، مع ذلك، قادة معارك. لم تكن لهم ساحاتهم العاصفة ولا حروبهم. كانوا في ذلك متأخّرين عن غيرهم، على الأقل لم يعتبرهم الآخرون إلّا كذلك.

إرث يمكن البناء عليه وإلى جانبه، والتحرّك إلى ما بعده

محمد علي الشاعر المتملّك لتراث القصيدة العربية، فقد كان متمكّناً من القصيدة العمودية، ولعلّ من اللافت، في هذا المجال، أنّ آخر قصائده المنشورة كانت عمودية. المهمّ أنّ الشاعر الفحل، كما كان يُسمّى في التراث العربي، دخل بهذه العُدّة إلى القصيدة الحديثة، التي بدأها بديوان لافت "قصائد مهرَّبة إلى حبيبتي آسيا"، الذي كان له وقعه آنذاك في الشعر العربي.
كان تمكُّن محمد علي من القصيدة العربية، وسليقته الباهرة فيها، وتمكّنه البارز من اللغة، عُدّة لافتة في عمله الشعري. لكنّ هذه الميزة لم تناسب جميع المشتغلين بتحديث القصيدة العربية. لقد وجدوا فيها، وبخاصّة في طورها الأوّل، ترميماً للأصول، وتحويلاً من الداخل للفصاحة، أو نوعاً من تجديد سرّي له.

وفي حين كانت هذه الملَكة تبهر الكثيرين، بقيت بالنسبة إلى سواهم بناءً على الفصاحة الموروثة، ونوعاً من الترجيع المتأخّر لأجراس ثاوية في اللغة، وتغنّياً متجدّداً بالإرث الإيقاعي، وبناء عليه. في نظر هؤلاء لم يكن هذا من التجديد في شيء. إذ إنّ التجديد بالنسبة إليهم لم يكن بالترجيع المستمَدّ من التراث. لم يكن في تحويل الفصاحة، ولكن في ضرب سيطرتها والخروج من عباءتها وإرثها وذخيرتها. أي أنّ التجديد بالنسبة إليهم كان يعني التحرّر من الفصاحة، وإيجاد إيقاعات أُخرى تستفيد من المحكي، واليومي، والسائر والدارج. ربما لذلك وجدوا في شعر محمد علي عَوداً على التراث الفصيح.

ثمّ كانت هناك قصيدة النثر، التي بدا أنها العمدة في حرب مع الفصاحة وعليها. ما فاته أنّ لمحمد علي ولأمثاله قصيدتهم، التي هي فتحهم الشعري الخاص، وأنّ في شغلهم على الفصاحة تجديداً لها وللشعر. هذا ما بدا أنّ محمد علي انتبه له في الطور الثاني من شعره، الذي بدا، في سلاسته وفي بنائه، سعياً إلى إيقاعات أُخرى، لم تُعدّ بعدُ تطويراً للفصاحة، أو تحويلاً لها من الداخل، بقدر ما هي عمل خاص على اللغة، ومن داخلها، وإيجاد موسيقى خاصة فيها.

لم تعد الفصاحة هكذا إرثاً ملعوناً. لقد غدت إرثاً يمكن البناء عليه، ولكن أيضاً يمكن البناء إلى جانبه، أو التحرّك إلى ما بعده.


* شاعر وروائي من لبنان

المساهمون