ما يمكننا القيام به

ما يمكننا القيام به

31 أكتوبر 2023
مظاهرة في الرباط دعماً للقضية الفلسطينية، 15 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري (Getty)
+ الخط -

إجماعٌ على واجب المقاوَمة الثقافية. هذا ما ذهبت إليه أفكار كتّاب ومثقّفين عرب من مختلف الأجيال والمشارب ممّن استطلعت "العربي الجديد" آراءهم حول ما يُمكن للثقافة العربية أن تُقدّمه وما هي أدواتها لخدمة قضاياها وفي طليعتها قضية تحرير الأرض والإنسان التي تدور رحاها الآن في فلسطين معمّدة بدم أبنائها.


يسأل صحافي قناة "دويتشه فيله" الألمانية الكاتبَ سلمان رشدي عمّا يُمكنه تحقيقه بـ الأدب في مثل هذا "الوضع الصعب للصراع"، في ظلّ الحرب الدائرة بين "إسرائيل وحماس"، فيُجيب الكاتب الشهير: "للأسف القليل جدّاً. الكلمات لا تُنهي الحروب، ‎ما يمكن للكاتب فعله حتى الآن هو محاولة التعبير عن الألم الذي يشعر به الكثير من الناس، وربما هذا أفضل ما يمكننا القيام به لتوضيح طبيعة المشكلة".

سؤال الصحافي الألماني، المدروس بعناية إن لم نقُل بخُبث، يُحيلنا إلى تساؤلات حول سلامة خياراتنا في طريقة تقديمنا طبيعة الصراع مع الكيان المحتلّ. لقد اختصر مذيع القناة، الناطقة بلغات عدة، ماهية الصراع الأساسية، في حرب بين دولة وبين منظَّمة ذات صبغة دينية، يَعدُّها الغرب منظَّمة إرهابية، لا حرباً بين صاحب أرض وحقّ يدافع عن وجوده منذ عشرات السنين من جهة وغريب مغتصِب في الجهة المقابلة.

كانت الإجابة عامّة حيادية، ولكن فيها، برأينا، فكرة أساسية في كيفية تقديم هذه القضية إلى العالم: "التعبير عن الألم الذي يشعر به الكثير من الناس (كلّ الفلسطينيّين)" لتوضيح المشكلة؛ فالمشكلة إنسانية وليست دينية، كما يحلو لهم ولنا أيضاً تصويرها (طوفان الأقصى)، بل هي قضية أرض انتُزعت من أهلها، لتُقام عليها دولة لا حقّ شرعيّاً لها فيها. وهذه هي مهمّة وسائل الإعلام العربية، في معرفة أساليب التأثير على مشاعر الشعوب الغربية التي لا تستمع، ولا تُصدّق، إلّا إلى ما يقوله مذيع نشرة الأخبار المسائية، وتُردّده كالببغاوات.

منصّات التواصل طريق مثلى لوصول المثقف إلى الجماهير

لا شكّ في أنّ جزءاً من المَهمّة يقع على عاتق المثقَّف، لكن الجزء الأكبر يقع برأينا على عاتق وسائل الإعلام التي عليها أن تُحسن اختيار كوادرها وأرشيفها المصوَّر وتتجنب في خطابها ما يستفز، مجّاناً، الغرب؛ فالأمر ليس تحدّياً وعناداً، بقدر ما هو لعبة فُرضت علينا، وعلينا مهمّة كسبها.

في يومنا هذا، على ما أرى، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً كبيراً في تشكيل ثقافة الأجيال الشابّة، وربما هو دورٌ أكبر ممّا تلعبه الصحف والدوريات والمواقع الرصينة ودُور النشر... حَلّ المنشور والفيديو القصير محلّ المقالة والكتاب والبرنامج الثقافي. وهذه الثقافة، المليئة بالخفّة والابتذال، لا تعرف الحدود، فتصل إلى شرائح واسعة من مجتمعاتنا، وأصبح لكلّ مشترك فيها الحقّ في صناعة محتواها. ونجد هنا، إن كان المثقَّف مهتمّاً فعلاً بالعمل للصالح العام، أنّ هذه المنصّات هي إحدى الطرق المثلى حالياً للوصول إلى "الجماهير".

وبرأينا، يجب أن يكون النشر والمشاركة فيها، وباللغات التي يجيدها، جزءاً من اهتماماته، فهي، كصدى لفكره، بأهمّية عموده اليومي أو الأسبوعي في صحيفته، أو بأهمّية ندوته أو معرضه أو كتابه الذي يُعد. وإنّ إهمال هذه المنصات ترفُّعاً (ويمكن لنا أن نُبرّر له بعض أسبابه)، ليس في صالح الثقافة، ولا في صالح خلق وتوجيه جيل واعٍ لما جرى أو يجري في المنطقة. ففي خضمّ هذه الفوضى، هناك دائماً قارئ مهتمّ علينا ألّا نهمله. ومن هنا نبدأ، فمع زيادة الوعي، نستطيع مخاطبة الآخَر بلغة ومنطق يفهمهما.

قبل فترة، وجدنا أنّ منشورات فيسبوك لم تعد تصل إلّا إلى جمهور ضيّق، كما أنّ هناك منشورات لا تمرّ على الصفحات، كونها تحمل صبغة سياسية مناهضة للمشروع الصهيوني... فما العمل؟

هل نحن قادرون، ولدينا النية، في إنشاء منصّات مستقلّة عن تلك التي تتحكّم بنا، نصل بها إلى "الآخر" الذي يجهل أساس الصراع، ويعادينا بسبب جهله؟ أم أنّ أولوياتنا في مكان آخر؟!

نعود إلى الفكرة التي بدأنا بها، فنستعيد حادثة سبق وكتبنا عنها في "العربي الجديد": قبل سنوات، وزّعَت مدرسة ابتدائية باريسية على طلّابها، ومنهم ابنتي، قصّة مصوَّرةً أنيقةَ الإخراج مجّاناً. تدور حول جنودٍ يُزيّن زيّهم العسكري صليبٌ معكوف، قاموا باعتقال عائلة يهودية... إلى آخر الرواية، وكان التركيز في القصّة على صورة ولد صغير حزين حُرم من عائلته... قصّة حقيقية، لا نشكّ بها، قد عرفوا استغلالها كغيرها من القصص وكسب التعاطف.

بالطبع، هناك كاتب لهذه القصّة، لكن الأمر لا يقف عند حدّ الكتابة، فهذه لعبة مؤسَّسات تستكتب وتدعم وتُموّل وتُسوّق في سبيل هدف محدَّد؛ فهل وصلتنا تلك الفكرة "الناعمة"؟ وما إمكانية تطبيقها؟ الأمر برسم أصحاب المال لا برسم كتّابنا ومثقّفينا، ممن لا يغازل أو يستجدي إعلام ومؤسَّسات البلاد التي هاجر أو لجأ إليها.


* فنّان تشكيلي سوري مقيم في ألمانيا

هذه المادّة جزءٌ من ملفّ تنشره "العربي الجديد" بعنوان: "الثقافة العربية واختبار فلسطين... ما العمل؟".

لقراءة الجزء الخامس من الملفّ: اضغط هنا

المساهمون