مؤسّسات ثقافية فلسطينية: حتى لا يكون التمويل أداةً لإسكاتنا

مؤسّسات ثقافية فلسطينية: حتى لا يكون التمويل أداةً لإسكاتنا

15 ديسمبر 2023
عمل بعنوان "مشهد غير طبيعي" لـ محمود الحاج/ غزّة في "مركز السكاكيني"
+ الخط -

أعلنت "شبكة الفنون الأدائية الفلسطينية"، وهي اتّحاد يضمّ ثلاث عشرة مؤسَّسة فلسطينية مختصَّة في الفنون الأدائية، و"مركز خليل السكاكيني الثقافي"، رفضهما المِنح المقدَّمة من "مؤسَّسة المجتمع المنفتح" لعام 2024، وقطعهما شراكتهما مع المؤسَّسة التمويلية التي تنشط في 120 بلداً عبر العالَم.

تأتي هذه الخطوة، وفق المؤسَّستين، ردّاً على موقف "المجتمع المنفتح" من حرب الإبادة الجماعية ضدّ قطاع غزّة، والذي عبّرت عنه بشكل رسمي عبر موقعها الإلكتروني في الأوّل من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.


بمكيالَين...

تأسّست "المجتمع المنفتح" عام 1979 على يد رجُل الأعمال الأميركي من أصول مجرية جورج سوروس (1938)، وتقول إنّها "تدعم الأفراد والمنظَّمات الذين يناضلون في جميع أنحاء العالم من أجل حرية التعبير عن الرأي والشفافية والحوكمة الرشيدة، ومن أجل إقامة مجتمعات تعدُّدية تُعزّز العدالة والمساواة".

وبلغ مجموع نفقاتها التمويلية إلى اليوم أكثر من خمسة مليارات دولار أميركي؛ قرابة 44 مليون دولار منها كانت من نصيب منطقة "الشرق الأوسط" وشمال أفريقيا.

وكانت المؤسّسة قد نشرت، مطلع الشهر الماضي، بياناً "بشأن إسرائيل وفلسطين"، عبر موقعها الإلكتروني، قالت فيه إنّها تشعر "بقلق بالغ" إزاء ما سمّته "تصاعُد العنف في الحرب المستمرّة بين حماس وإسرائيل"، داعيةً إلى "دعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصُّل إلى وقف إنساني لإطلاق النار وإطلاق سراح جميع الرهائن".

وعبّرت المؤسَّسة عن إدانتها "بشكل لا لبس فيه" لعملية "طوفان الأقصى"، وعن شعورها "بالحزن على الأرواح التي فُقدت وجُرحت"، قائلةً إنّ "القسوة التي تمّ عرضها كانت مفجعة وغير مبرَّرة، ونحن نحزن على فقدان المدنيّين الأبرياء"، وإنّ "إسرائيل، مثلها مثل أيّة دولة، لديها الحقّ والمسؤولية في الدفاع عن مواطنيها".

لكنّها، من جانب آخر، رفضت تبنّي أيّ موقف من حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة، مكتفية بالقول إنّ "الحملة العسكرية الحالية أصبحت عشوائية بشكل متزايد"، وإنّه "من المرجَّح أن يتمّ الحكم على حملة القصف التي تسبَّبت في وقوع خسائر غير مسبوقة على أنّها عقاب جماعي".

يبدو ذلك مختلفاً عن موقف سابق عبّرت عنه المؤسَّسة خلال العدوان الإسرائيلي على غزّة عام 2016؛ إذ نشرت مقالاً عبر موقعها الإلكتروني في السابع عشر من تشرين الأوّل/ أكتوبر من تلك السنة بعنوان "كيف تقصف إسرائيل غزة دون عقاب؟"، تحدّثت فيه عن آليات التبرئة التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي كلّ مرّة للإفلات من مسؤوليته عن مجازره في غزّة والضفّة الغربية.


في انتظار خطوات مماثلة

في بيان لهما أمس الخميس، قالت "شبكة الفنون الأدائية" و"السكاكيني" إنّ رفض هذه المِنح يتّسق "مع إيماننا المطلَق بأنّنا مؤسّسات تتناغم تماماً مع تطلُّعات وآمال شعبنا في الحرية والعدالة، ولا يمكن إلّا أن نكون صادقين تجاه القطاع الواسع من الشراكات التي نعمل معها".

وأشار البيان إلى أنّ الكثير من المؤسَّسات التمويلية الغربية، وفي خضمّ حرب الإبادة المستمرّة ضدّ الشعب الفلسطيني، "تُحاول شراء مواقف مؤسَّسات المجتمع المدني الفلسطيني؛ ومن ضمنها المؤسَّسات الثقافية والفنّية الفلسطينية، عبر تسويقها للعنف الممارس على أبناء شعبنا بلغة مراوغة لا تدين بشكل واضح الإجرام الإسرائيلي، وهذا ما نرفضه تماماً، ولن نقبل بأن تكون الأموال أداة تستخدم لإسكاتنا أو تركيعنا".

وذكر البيان أنّ المؤسَّستَين راسلتا إدارة "مؤسّسة المجتمع المنفتح"، وعبّرتا عن رفضهما "مساواتنا كشعب تحت الاحتلال وبين المحتلّين ضمن تسميات مُبهمة مثل 'الصراع'، والتي تضعنا في أكفّ متساوية"، مضيفاً: "نرفض عدم تسمية الأمور بمسمّياتها الحقيقية؛ فهي حرب إبادة وتطهير عرقي وجرائم حرب لا يمكن أبداً التغاضي عنها، ونرفض تقديمها في إطار حقّ الاحتلال الإسرائيلي في الدفاع عن نفسه، كما أنّنا نرفض إنكار جذور الإشكال الحقيقي والتاريخ الطويل لعذابات شعبنا الفلسطيني، وشدّدنا على أحقّية شعبنا في مقاومة الاحتلال بكافّة الوسائل المشروعة".

وختمت المؤسَّستان بيانهما بالقول: "لا نرفض منحة 'مؤسَّسة المجتمع المنفتح' فحسب، بل ندعو مؤسَّسات المجتمع المدني الفلسطيني إلى اتّخاذ خطوات مماثلة، تعبيراً عن إرادتنا كمؤسَّسات قادرة على صياغة عمل مجتمعي ينبع في العمق من الاستقلال في الموارد وحرية العمل والقرار غير التابع لأيّة جهة، كما ندعو إلى تعميق نسيج الشراكات الوطنية على أرضية بناء نماذج اقتصادية واجتماعية بديلة وقادرة على الصمود من خلال الاكتفاء الذاتي ورافضة لهيمنة التمويل وشروطه السياسية".

المساهمون