كيف نقرأ "تفاهة الشر"

كيف نقرأ "تفاهة الشر"

02 ديسمبر 2023
من معرض "حنة أرندت والقرن العشرون" في "المتحف التاريخي الألماني"، برلين 2020 (Getty)
+ الخط -

لا يخفى على القارئ انشغال المفكرة السياسية الألمانية الأميركية حنة أرندت (1906 - 1975) برسم ما تدعوه "الصورة العامة" لما أحاط بالمحرقة النازية ضدَّ اليهود، وغيرهم من غجر وبولنديين ومصابين بالأمراض العقلية وفئات أُخرى. وفي إطار الصورة العامة التي ترسمها أرندت في كتاب "أيخمان في القدس - تفاهة الشر"؛ تضعُ سيناريو إشكالياً لتواطؤ المجالس اليهودية في الإعداد للمحرقة، كما لو أنَّهم بتواطؤهم كانوا جزءاً من آلة القتل التي أنتجتها النازية، بمهمة أن ينتخبوا مَنْ يُقتل أولاً، ومَنْ بمقدوره النجاة كالأثرياء والمشاهير. وبدا أنَّ ما يشغل أرندت هو السهولة التي جرت فيها عمليات الإبادة، لا الإبادة ذاتها. إذ تنشغل بتصوير تسهيل سبل موت اليهود في البلدان الأوروبية على اختلاف مستوى التسهيلات وتفاوته.

كذلك يضع القارئ خطوطاً عريضة عند ورود اسم الحركة الصهيونية في الكتاب، فالصفقة التي كان الصهاينة يعرضونها على النازيين هي تهجير اليهود إلى فلسطين. ونجد في كتاب أرندت التي عُرفت بنقدها للصهيونية مقارنة دائمة بين الصهاينة والنازيين. أقصد مقاربة الأشباه، لا الأضداد. لأنَّ طبيعتهم واحدة مع اختلاف الأهداف. أحدهما يريد التخلّص من اليهود، والآخر يريد إقامة كيان عنصري لهم وحدهم.

العرب ضحايا لمشاريع رافقت انهيار الحضارة الأوروبية

مقاربة نراها أكثر وضوحاً في تعريف أيخمان للشخص المثالي بأنَّه "الشخص المستعد للتضحية بكل شيء وعلى الأخص بكل إنسان من أجل فكرته". وقد اعتبر أيخمان الصهاينة يهوداً مثاليين. وما دفعه إلى الافتتان بالمسألة اليهودية، "مثاليته"، باعتبار أنه ألماني مثالي، نازي؛ و"كان مستعداً لإرسال والده إلى الموت إذا طُلب منه ذلك". حتى إنَّ المفاوضات الأكثر سهولة التي كان يخوضها أيخمان في بحث مصير جماعةٍ من اليهود، كانت مع صهاينةٍ دَفعوا مقابل تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين. وعند النظر إلى المسألة الفلسطينية التي ترد لمرات في متن الكتاب، يخلص القارئ إلى اعتبارها استخفافاً بمصير الفلسطينيين؛ استخفافٌ نتج من عقل استعماري، مثالي أيضًا، وفق تعريف أرندت نفسها للمثالية.

صدر كتاب "أيخمان في القدس" عام 1963، وبحسب مقدمة الكتاب الصادرة ترجمته العربية عن دار الساقي بترجمة أحمد زعزع، فإنَّ تأخر ترجمة الكتاب إلى العبرية كانت بسبب: "صعوبة المواجهة الأخلاقية والسياسية الإسرائيلية لمشكلة الفلسطينيين المقتلعين من أرضهم، الذين لم يكونوا مسؤولين عن انهيار الحضارة في أوروبا، ومع ذلك حملوا تلك المسؤولية وعوقبوا عليها". وكانت أرندت قد ذهبت إلى القدس المحتلة عام 1961، بصفتها مراسلة صحافية لأجل تغطية المحاكمة التي أرادها الصهاينة محاكمة مشهدية تعيد تصدير مظالم اليهود إلى العالم الغربي.

الصورة
أيخمان في القدس

ولا يخفى على القارئ، إصرار أرندت على نقد المحاكمة، ومقاربتها مقاربات قانونية وسياسية. ومع تعاطفها مع اليهود، فمن المؤكد مسعاها إلى اعتبار جرائم النازية جرائم ضدَّ الإنسانية بالدرجة الأولى، لا جرائم ضدَّ اليهود فقط. وهي تحاول خلق توازن قانوني وأخلاقي للمحاكمة، من موقع تأييدها إلحاق العقاب بمجرمي النازية. لكن مما يمكن البناء عليه من إشارات عديدة في الكتاب، وعند النظر إلى المسألة من الزاوية الفلسطينية؛ يبدو أنَّ السماح وتسهيل إقامة كيان عنصري واستيطاني في المنطقة العربية، جزءٌ من عملية التطهُّر التي أرادها الأوروبيون على حساب غيرهم. فالانهيار الذي أوصل النازية إلى حكم ألمانيا، وعلى رأسها هتلر الذي أعطى أوامره بالحل النهائي؛ يظهر مع إقامة كيان الاحتلال ومحاولة جمع اليهود هناك، لكأنَّ الحل النهائي الذي أراده هتلر، بتهجير اليهود من مناطق الرايخ؛ انتهى بمواصلة تهجير اليهود إلى فلسطين بالتحديد.

وبالاسترسال، يمكن أن يستنتج المرء أنَّ الدول التي سهَّلت ترحيل اليهود إلى فلسطين، بعد التساهل والتغطية على جرائم عصابات الصهاينة، وكأنَّها كانت -ربما بلا إرادة أو إدراك- جزءاً من الحل النهائي الذي أراده هتلر. يدفعنا إلى هذه المقاربة، السلوك الإسرائيلي نفسه، وسلوك الحكومات الغربية التي تنظر إلى "إسرائيل" باعتبارها ابناً مدلَّلاً، مع أن الصهاينة ليسوا سِوى قتلة أطفال كما رأينا ورأى العالم. ووراء دلال الابن تقف عقدة ذنب تخصُّ الغرب وحده، وهي قتلهم اليهود في لحظة انهيار حضارتهم.

جناحان متناغمان لطائرة واحدة، هي الاستباحة والإبادة

بعد أوامر هتلر كان التفكير بالحلّ النهائي يرهق أركان نظامه؛ ماذا يفعلون باليهود؟ كيف يتخلصون منهم؟ وكانت سيناريوهات التخلّص من اليهود عديدة؛ منها إجلاء اليهود إلى مدغشقر، على أن ينقل أربعة ملايين يهودي إلى فلسطين مبدئياً، في طريقهم إلى مدغشقر، أو إقامة مقاطعة يهودية في بولندا، أو في أي بلد مستعمَر. لكن مع ذلك، يزعم الكتاب أنَّ هذه الخطط للتهجير النهائي -الذي استمر على دفعات وإلى فلسطين بتنسيق وإشراف الحركة الصهيونية- لم تكن إلا دخاناً للتغطية على عمليات القتل التي كانت تحدث في معسكرات الاعتقال النازية. والعرب هنا، في هذه المسألة الغربية منذ بدايتها، ليس لهم دور، إلا باعتبارهم شعباً يُضحي بسلامهِ أمام الرؤية الاستعمارية للمنطقة؛ إنهم ضحايا لمشاريع رافقت انهيار الحضارة الأوروبية. وقبل ذلك، كانوا ضحايا لتقاسم النفوذ على التركة العثمانية.

ولو أنَّ ما نراه اليوم من تعاطف شعبي غربي مع الفلسطينيين يمنع عن المراقب القول بأنَّ الغرب كُلٌّ واحد، متجانس ومتفق. لكن بالنسبة إلى أهل المنطقة، لا يوجد ما يمنع عنهم هذه الفكرة؛ إنَّ إقامة كيان الاحتلال، لم يكن بصورة ما إلا مواصلة للحل النهائي الذي أراده هتلر، وكأنما فلسطين إحدى تسهيلات التهجير الغربي لليهود (ستارةً لإقصائهم وقتلهم عبر وضعهم في وجه شعوب المنطقة، ومدّهم بأشكال الدعم كافَّة مع بداهة غياب مستقبل "إسرائيل"). ثمَّ هذا ما انتهت إليهِ المسألة اليهودية؛ صارَ لهم وطن خاص وبعيد عن أوروبا؛ هذا ما فكر بهِ نظام أدولف هتلر، لا تيودور هرتزل فقط. وهما بالاستقراء والاستنتاج، جناحان متناغمان لطائرة واحدة، هي الاستباحة والإبادة. 


* روائي من سورية

المساهمون