عشت دون أن أبوح بحلمي لأحد

04 أكتوبر 2020
الصورة
"البريد الأخير"، عمل ل، شهيزا سكندر/ الباكستان
+ الخط -

أنا عبد الله الطامع في عفوه، أبو حذيفة، واصل بن عطاء الغَزَّال؛ غَزَّال الخيط أو الكلمات والمعنى إن شئتم. أجلس في السوق كامل اليوم بجانب الغَزَّالين، أتلوم النساء المعوزات، بغية مساعدتهن.

صامتًا أظل حد أن من ليس لهم بي علم يظنون بي البكم. علمتني الحياة تجنب كل ما يعيقني، واعتزال كل ما لن يضيف إلى ديني. لا أبتغي من دنياي سوى عفو المولى عز وجل. 

طلب مني مالك بن عُدي النسَّاخ أن أدون له كتابًا أختصه به وحده، قال إنه سوف ينسخه بلا انتهاء، ويعلِّق الأصل في واجهة دكانه.

كنت قد حلمتُ في الليلة السابقة بالنسَّاخ وصديقه يزيد بن أبيه الخوَّاص. كنا يوم غيث وزَلَق. ثمة ناقة، تسبقنا ونتبعها، دون أن يسنح لأحدنا اعتلاؤها. أنا في المقدمة، وخلفي الخوَّاص يليه النسَّاخ، وكان السبيل ضيقًا زلِقًا، فزلت الناقة، وأقعت على عجزها، ولم تستطع القيام.

 

شدتني قوة لم أستبنها إلى الخلف، ثم استحلتُ ياسمينًا

تابعناها دون سعي لمساعدتها. بكى الخواص وضحك النسَّاخ، فيما وقفتُ أنقل عينَي بينهما وبين الدابة المسكينة، وقد عجزتُ عن الكلام. لم تعد علتي لثغة يتهكم عليّ وعليها الحمقى، بل البكم التام. فقدتُ صوتي وطاقتي على الحديث.

احتبست الكلمات في حلقي وكدتُ أختنق بها. صمت صاحباي مبهوتين. أخذا يتأملانني من دون أن يفهما ماذا أَلَمَّ بي. اعتادا مني الصمت، لكن سيماء الألم البادية على وجهي شلتهما.

ثم انزاحت الغمة عني، ووجدت صوتي وكلماتي، فيما غابت الناقة. قلت لهما ووجهي صوب موقع زللها:
نبها القلوب من غفوتها، المعتزل هو العابد الزاهد وليس العادي خلف الشهوات الملاحِق لها، أو المسكون بالشكوك التابع لوساوس النفس الهاجسة بالخطايا. نحن أنضاء شوق وأبناء سبيل، نحن أنضاء شوق وأبناء سبيل، نحن أنضاء شوق وأبناء سبيل.

الصورة
غلاف الكتاب

حين أفقتُ، كانت الجملة الختامية لا تزال تُستعاد في عقلي. 
لطالما لفتني الاختلاف الجم بين شخصيتَي النسَّاخ والخوَّاص، لم أفهم قط ماذا جمعهما معًا؟ أقول المصادفة على الأغلب، حين اجتمعا في مجلس الحسن، ثم انتقلا منه إلى مجلسي. طول الصحبة يختلط في أذهان البعض بالصداقة أحيانًا.
أحدهما بالغ الحيطة، لا ينطق إلّا بعد تأنٍ، ويبدو باخلًا على مستمعيه بكلماته، مفضلًا الاحتفاظ بها في أعماقه، فيما الثاني مندفع في الحديث لا يحتاط لشيء، يتعامل كما لو أن العالم بيته الآمن.

لطالما خشيت على الخوَّاص من حسن ظنه الفائض هذا. ليسا من خوَاص حلقتي، ومع هذا ها هما قد تجليا في حلمي ثانيةً. في التجلي الأول كانا يختصمان، وطلبا مني الحكم بينهما في مسألة لم تكن تستدعي الخصام أو الشقاق.

لم يسألاني عن مبدأ المنزلة بين المنزلتين ولا الوعد والوعيد ولا أي شيء يخصنا نحن المعتزلة. كانا يحدقان إلى سماء ليلية توسطها نجمان هائلان، أولهما هلال وثانيهما شمس، لكنها اتخذت هيئة الهلال أيضًا.

تجادلا بشأن أيهما هلال وأيهما شمس متخفية في هيئة هلال. بدا جدلهما صاخبًا عنيفًا، أعلمتهما بما أظنه في شأن النجمين، فلم يأبها بكلامي، مع أنهما من طلبا مني الحكم بينهما. ثم اختفى النجمان، سقطا من السماء في جُبٍ بلا قاع، ووقفنا هلعين نتطلع إلى مكانهما الخالي في سماء سوداء مثل ليلٍ بهيم.

لم أحك لأيهما أي شيء عن حُلمَي هذين، وإن دفعني الحلمان للاهتمام بمتابعتهما خلسة فيما يجلسان بين المتحلقين حولي. كانا يتوقفان ببابي أحيانًا، كل على حدة. النسَّاخ يطلب شيئًا: يستفتيني في فتوى أو يستوضحني في مسألة مستغلقة على فهمه، والخَوَّاص يأتيني بشيء: سلال خوص أو بساط نسجه بنفسه. إذا امتنعت عن قبول عطاياه، يطلب مني التصدق بها لأحد المحتاجين، ويصمم على عدم أخذها مجددًا.

شتان ما بين السائل والمانح، حتى لو كان السائل سائل علم. 
إلّا أن شيئًا في الخَوَّاص يقلقني، شيئًا ليس بمستطاعي تحديد كنهه، لعله إخلاصه القاطع لما يؤمن به، إخلاص في وسعه منع التدقيق والحصافة، إخلاص كفيل بأن يقود إلى الخيانة عند أي منعطف لأنه أعمى بلا عقل أو منطق.

قد أكون مخطئًا، لكن هذا هو انطباعي عن الخَوَّاص، مع أنّي أتعاطف معه وأستملح شخصه عن صاحبه النسَّاخ.
في سيمائه وحديثه ما يستطاب به كأنه نافجة مسك يفوح منها طيب التقوى والفلاح. إنما العبد حيث يجعل نفسه، ولطالما جعل الخوَّاص نفسه في مجالس العلم والتقوى.
في نوبة بوحٍ حدثني عن حلم يلازمه منذ الصبا والشباب وفيه ملائكة تجمع الياسمين من بساتين مدينتنا، قص علي تأويل الإمام الحسن له، فانقبض قلبي واستعدتُ منامًا قديمًا، كنت فيه على حدود المدينة، أقلِّب وجهي في السماء، ثم أوجهه نحو الشمال حينًا وصوب الجنوب حينًا. كنت تائهًا وأحاول الاهتداء بالنجوم مثل بدوي محنك، لكن الوقت كان زوالًا، ولا نجمة واحدة تزين السماء. 

ثم أنّي خطوت كيفما اتفق حتى وصلتُ بستانًا على حدود مدينتي، في مقدمة البستان بيت بحديقة كان أديمها صلدًا ومغطى بياسمين لا نهاية له. دستُ الياسمين، وفي نيتي، ولوج البيت. بدا لي هذا الولوج مسألة حياة أو موت، كأن حياتي تتلومني بالداخل. 

عند الباب، شدتني قوة لم أستبنها إلى الخلف، ثم استحلتُ ياسمينًا، اختلط بما عداه من ياسمين ذابل ومتكوم في مجازات الحديقة، وهبَّت عاصفة هوجاء فحملت الياسمين إلى داخل البيت.

منذ ذاك الحلم أيقنت أن المنية ستوافيني وقت وباء أو هيجاء، سوف تصعد نفسي إلى خالقها مع مئات، بل آلاف النفوس. ومع كل وباء أو فتنة واقتتال، كنت أتحين ساعتي وأتلو الشهادتين متوقعًا أن أكون بين الفانين، إلّا أن المولى عز وجل كان يمهلني أجلًا جديدًا، أمتن له بسببه، مثلما أمتن له على كل شيء.

هكذا عشتُ دومًا حياة مودِّع دون أن أبوح بحلمي هذا لأحد، حلم علمت تأويله ما إن استيقظت من نومي.

 

*مقطع من رواية "بساتين البصرة"، الصادرة مؤخرًا عن دار الشروق بالقاهرة.

المساهمون